|
يبدو أن هولندا قد أخذت على نفسها عهدا أن تكون السباقة في إصدار قوانين تبيح كل محرّم وتجيز كل مشبوه؛ إذ إنه- وبعد عشرة أيام فقط من احتفال هولندا بأول زيجات رسمية حكومية للشواذ جنسيا- وافقت دار المجلس التشريعي الأعلى للبرلمان الهولندي على مشروع قانون لما يسمى بـ"قتل الرحمة" بغالبية 48 صوتًا مقابل 28.. حدث هذا وسط تظاهر حوالي 10000 شخص تجمعوا حول مبنى البرلمان، وأخذوا في ترديد الترانيم وقراءة الإنجيل وإقامة الصلوات؛ مؤكدين أن الحياة هي نعمة وهبة من الله لا يحق إلا لواهبها أن يستردها.
ويؤكد وزير الصحة الهولندي أن القانون مصاحَب بالكثير من الاحتياطات لضمان عدم استغلاله استغلالا سيئا، مثل: ضرورة وجود علاقة طويلة سابقة للقرار بين المريض والطبيب، وضرورة أن يأتي القرار من المريض فقط؛ إذ لا يحق للطبيب اقتراح قتل الرحمة كأحد الخيارات، كما أن المريض لا بد أن يكون في حالة عذاب أليم من مرض مزمن لا يرجى شفاؤه، ولا بد أيضا للمريض أن يكون قد استشار في حالته طبيبا آخر، ولا بد من إلحاحه في طلب هذا الخيار مع التأكد من سلامة قواه العقلية.. ولا يُسمح بتطبيق القانون على غير المواطنين الهولنديين.
ودفاعا عن الموافقة على القانون، استشهد وزراء الحكومة بأن 90% من الشعب الهولندي موافقون على تنفيذه، في حين استقبلت دار المجلس التشريعي الأعلى أكثر من 60000 رسالة تطلب أغلبها من البرلمان عدم الموافقة على مشروع القانون. كما جمعت المنظمة المناهضة لقتل الرحمة المسماة بـ"نداء من أجل الحياة" 25000 إمضاء من أجل إيقاف المشروع.
يماثل الجدل حول هذا الموضوع -إلى حد كبير- الجدل الدائر حول الحق في الإجهاض؛ إذ يتمثل في الجدل طرفان، هما: المجموعات المناشدة لحق الاختيار، والمجموعات المناشدة للحق في الحياة.
النقطة الأساسية التي يعتمد عليها المناصرون لقتل الرحمة هي أن الإنسان ينبغي أن يكون صاحب قرار نفسه في الطريقة التي سيموت بها.. وأن الإنسان إذا وصل في حياته إلى طريق مسدود بحيث إن قيمة حياته قد تدهورت، ولم يعد لديه قدرة على الاحتمال -فإنه من حقه اللجوء إلى خيار الموت بعد دراسة جميع الخيارات الأخرى.
هذا المنطق -حق الاختيار- هو أصل رأي جميع المجموعات المطالبة بالكثير من الأمور التي قد نهت عنها الشرائع السماوية من شذوذ جنسي وإجهاض… وأخيرا قتل الرحمة.
أما الطرف الآخر في الجدال فيتمثل في الأغلب في المجموعات الدينية ومجموعات الحق في الحياة؛ فقد كان الفاتيكان من أشد المعترضين على مشروع القانون، كما علق أحد أعضاء الاتحاد المسيحي بهولندا على المشروع بأنه خطأ تاريخي لا ينبغي لبلادنا أن تكون فخورة به. وقد هاجم وزير العدل الألماني القانون الجديد على التليفزيون الألماني قائلا: "إنه ينبغي علينا التركيز على تطور أنواع العلاج التي تزيل الآلام".
وهكذا يعترض أيضا الكثير من الأطباء؛ إذ يرون أن الاهتمام بطب المسنين، وزيادة الاهتمام برعايتهم، وتحسين مستوى الخدمات الصحية، والخدمة الشخصية للمريض المزمن، وتطوير المسكنات، وبالتالي إعطاء المريض خيارات كثيرة تجعل حياته أكثر راحة.. هي القضايا التي ينبغي علينا التركيز عليها بدلا من إصدار قوانين تشجع "قتل الرحمة".
وقد أبدت بعض المجموعات خوفها من أن تضع مثل هذه القوانين كبار السن والمرضى المزمنين في حرج مع ذويهم الذين قد يعتقدون أنهم أصبحوا عبئا عليهم، وبالتالي يلجئون إلى هذا الخيار تحت هذا الضغط النفسي لا غير.
وهناك عدة دول تمارس "قتل الرحمة" بشكل غير رسمي، منها: سويسرا، والبلجيك، وكولومبيا.. كما أن ولاية "أوريجون" الأمريكية تسمح به رسميا منذ عام 1996، ولكن بشكل أكثر تعقيدا من القانون الهولندي. وقد وافقت المنطقة الشمالية من أستراليا عام 1996 على تقنين "قتل الرحمة"، غير أن الحكومة الفدرالية ألغت هذا القانون عام 1998 بعد اعتراض شديد من قاده الكنيسة والسكان الأصليين للقارة الأسترالية.
وفي مقال مناهض لـ"قتل الرحمة" صدر من منظمة الحق في الحياة البريطانية، استشهد كاتبه في دفاعه بقول الطبيب الأديب الألماني الشهير "جوته" الذي قال: "دور الطبيب الوحيد هو الحفاظ على الحياة بصرف النظر عن قيمة هذه الحياة في نظره؛ حيث إن ذلك ليس من اختصاصه.. إذا ترك الطبيب لنفسه تقييم قيمة حياة مريضه مرة واحدة، فإنه سيصبح أخطر رجل في الدولة".
ويتعجب الكاتب من مقولة لـ"بارون برنوك" عام 1990، والتي تعتبر من أشد المدافعين عن قتل الرحمة؛ حيث قال: "إنه ليس علينا وضع قيمة حياة جميع الأشخاص على قدم المساواة، بل بإمكاننا التفريق في القيمة حسب طبيعة حياة الفرد".
وهكذا تستمر عجائب العالم "المتحضر"، ولا ندري ما قد ينتج عن مثل تلك القوانين في المستقبل.
|