English

 

الاثنين. يناير. 28, 2002

علوم و صحة » علوم » أحياء

 
   
روابط من إسلام أون لاين

شروف.. بطلة لشجرة الفقراء

نهى سلامة

شجرة الأرجون

شجرة الأرجون (Argon) ، تلك التي تميز الجنوب الشرقي للمغرب، وتقبع في مساحة تقدر بـ 700 ألف إلى 800 ألف هكتار - هي أول عنصر في قصتنا. أما العنصر الثاني فهو د. زبيدة شروف الأستاذة في كلية العلوم بجامعة محمد الخامس الرباط بالمغرب، التي قضت 15 عاماً من البحوث في خدمة هذه الشجرة الفريدة التي لا يعلم عنها الكثيرون؛ لتصبح بطلة لشجرة الأرجون، كما يطلق عليها البعض.

جاءت من فرنسا، والأمل يحدوها أن تخدم بلادها في مجال الهندسة الكيمائية. ولكنها عادت لتجد أن مكانها سيكون في الأعمال الروتينية وليس البحث العلمي الجاد. دخلت في برنامج حكومي لنيل الدكتوراه، وأصبحت مضطرة لاختيار العمل في تدريس الكيمياء العضوية الأكاديمية أو صناعات الصلب وهذا ما لم تحبه؛ فقررت أن تتجه لما تحب. اختارت عالَم النبات؛ لما رأت فيه من إفادة للبشرية. واتجهت بنظرها إلى شجرة الأرجون؛ شجرة الفقراء التي لا يضيع منها شيء. وهذا ربما الذي جعلها تتعرض لبعض النقد من الآخرين لتركها الحياة الأكاديمية واختيارها شجرة تهم البسطاء. كما أنها اتهمت بإخراج المرأة البدوية من بيتها، إلا أنها لم تلتفت لهذا كله، وقررت أن تخوض التجربة. ثلاثة أسباب هي التي جعلتها تختار هذه الشجرة: "لأنها مغربية في أصلها، ولأنها مهددة بالفناء، ولأنها لغز محير في حله".. تقول د. زبيدة: "فبالرغم من أنها ثاني أكثر أنواع الأشجار شيوعاً في المغرب فإن 1/3 من غاباتها اختفت في القرن الماضي، وستفقد الثروة كلها خلال عشرين عاماً إذا لم يتم إنقاذها، كما أن الشجرة كانت دائماً لغزاً محيراً في حله".

فلقد قام الكثيرون قبل د.زبيدة بدراستها حتى جاءت نهاية القرن التاسع عشر، حينما أكد كاتب فرنسي أن شجرة الأرجون فيها عناصر نشيطة مفيدة للبشرية. ولكن لم يتحدث أحد عن هذه العناصر، وهذا ما أثار فضولها وفضول أبحاثها. وبالفعل، بعد بحث دؤوب توصلت د. زبيدة إلى مواد جزئية فريدة في زيت الأرجون مثل عناصر مضادة للميكروبات ومضادة للأكسدة أعلنتها في أغسطس 2001 في المؤتمر الخامس للمنتجات الطبيعة النباتية في كندا. وقد وصفت هذه المواد وخصائصها في هذه الدراسة، ودخلت بشجرة الأرجون عصرًا جديدًا.

وقد وضعت د. زبيدة لمشروعها هدفين:

  1. المحافظة على غابات الأرجون بالبحث عن منفعة اقتصادية لمنتجاته وترويجها عالمياً.

  2. الارتقاء بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة البدوية.

وقد بدأت د. زبيدة في إنشاء أول جمعية نسائية للاهتمام بشجرة الأرجون وزيوتها. وسميت هذه الجمعية بجمعية "الأمل لشجرة الأرجون"، وهي التي حازت مؤخراً جائزة (Slowfood Click) العالمية في أغسطس 2001 في بورتو بالبرتغال؛ حيث اختار 560 محكماً من 80 دولة خمسة جوائز عالمية لأفضل مشاريع المنتجات الطبيعية؛ فكانت هذه الجائزة إحداها.

شجرة الأرجون.. هدف أول

ثمرة نبات الأرجون

لم تختر الدكتورة زبيدة شجرة الأرجون هباء؛ فهي ولا شك كلها فوائد وخاصة للبسطاء من عامة البربر، وهذا ما جعل البعض يقول عنها: إنها مثالية بالنسبة للفقراء؛ فشجرة الأرجونArgania Spinosa يستخرج من بذور جوزتها زيت ذو جودة غذائية عالية فيه نسبة كبيرة من الأحماض الدهنية الأحاديةMono unsaturated fatty acids.. ، وهي التي تحافظ على ضبط كوليسترول الدم. كما أنه غني بحمض دهني أساسي ألا وهو Linoleic acid وهو الذي يتحول في الجسم إلى بروستا جلاندين، الذي بدوره يشارك في وظائف الجسم مثل المناعة والحرق، ويساعد على تجلط الدم ومنع الالتهابات.

الزيوت المؤكسدة معروف خطورتها لما تسببه من سرطانات والتهابات وضمور الأنسجة والخلايا وتليف الشرايين للعناصر الحرة التي تتواجد بسبب الأحماض الدهنية المتعددةPoly unsaturated fatty acids ، ورغم أن زيت الأرجون به أيضاً هذا النوع من الأحماض فإن احتواءه على فيتامين E بكثرة يعادل هذه الأكسدة المدمرة.

يستخدم هذا الزيت بمزجه مع الطعام والسلاطات؛ حيث لا يجوز تسخينه، ويستخدم أيضاً كدواء تقليدي للشعب المغربي. كما يوضع كمنشط في أكل الماشية.

الخشب وقشر الـجوزة يستخدم في التدفئة والديكور، كما تستخدم الجوزة وأوراق الشجرة أيضا كطعام للخراف والماعز. دور الشجرة البيئي لا يقل أهمية؛ حيث تمتد جذورها بعمق في الأرض (يصل إلى 30 مترًا) فتساعد على تجديد التربة، وتمنع التآكل فتحد من تقدم الصحراء.

لذلك كانت هذه الشجرة الشوكية، التي تعيش ما يقرب من 150 إلى 200 عام هدفًا رئيسيًّا في هذه التجربة.

المرأة هدف ثانٍ

د.زبيدة شروف

الارتفاع بشأن المرأة الاقتصادي والاجتماعي كان من أهم الأهداف التي وضعتها د. زبيدة نصب أعينها؛ حيث تقوم جمعية "الأمل" بجمع النساء في المنطقة والعمل في هذا المشروع؛ فتكتسب منه ما يؤهلها للعيشة الشريفة، وتعمل في "الأمل" 50 امرأة أساسية، ومائة امرأة أخرى يعملن نصف الوقت، ولكل واحدة مكسب شهري يعادل 600 درهم مغربي.

وتدخل هؤلاء النسوة حياتهن الجديدة بكل الأمل والسعادة والحماس، وقد أخذت كل واحدة منهن على عاتقها أن تزرع بنفسها عشرة أشجار من شجر الأرجون كل عام.

وأصبحت "تمانار" -البلدة التي يقع فيها مركز الجمعية- عاصمة الأرجون العالمية؛ بل وراجت بها السياحة؛ حيث يزورها يوميا ما يقرب من مائة سائح. كما تداخلت مشاريع أخرى لهن مثل: محو الأمية، مشاريع التسويق، وضبط الجودة وغيرها.

المرأة المشاركة في المشروع تقوم بكسر القشرة بيدها، وتستخرج الجوزة من لحم الشجرة، ثم تطحن البذور الداخلية، وتضيف إليها الماء، وتقلبها باستمرار؛ فينفصل الزيت طافياً على الماء.

يستهلك اللتر الواحد من الزيت 30كجم من الثمر زيادة على 15 ساعة عمل. وقد استخدم العصر اليدوي لفترة طويلة. حتى بدأت الميكنة الحديثة تدخل إلى هذه العملية؛ فوفرت كثيرًا من الجهد والوقت.

التجربة.. توابع ونتائج

بعد الاهتمام بإنشاء الجمعيات المحلية وانبثاق جمعيتين أخريين من جمعية الأمل قابلت د. زبيدة مشكلة التسويق؛ حيث كانت تعلم أن تسويق منتج ما لن يصل إلى نسبة مرضية قبل عشرة إلى عشرين عاماً حتى في الدول النامية.

ولكن النتيجة كانت أفضل من ذلك كثيراً، وأصبح نساء عديدات الآن في أوروبا وأمريكا وجنوب أفريقيا يعرفن عن هذه المنتجات، وقد أنشأت د. زبيدة شركة متخصصة في تصدير واستيراد زيت الأرجون في كندا للمساعدة في التسويق، وهي تنتج مستحضرات تجميل طبيعية مثل: مرطبات الشفاه، والدهانات الواقية للشمس، والصابون، كما تقوم بتعبئة زيت الأرجون الطبيعي بدون إضافة أية مواد حافظة أو روائح صناعية.

وقد حصلت هذه المنتجات على موافقة الصحة الكندية وعلامة الجودة الفرنسية. من هذه المنتجات:

A1وهو كريم لترطيب الجلد ومنع تقشفه. كما يستخدمA2 للمحافظة على الشعر كحمامات كريم تعيد إليه حيويته. أما A3 فهو اسم زجاجة زيت الأرجون، الذي يتعامل بروعة مع التجاعيد والجلد الخشن، ويقلل من ظهور القشور الناتجة عن الأمراض مثل الجديري المائي، كما يزيل البقع وآثار الحروق، وهو علاج جيد للمفاصل ومناسب لأعمال التدليك.

كان من نتائج هذه التجربة أيضا إضافة اليونسكو شجرة الأرجون إلى قاعدة العالم التراثية التي يجب المحافظة عليها عام 1999. وقامت IDRC International Development research بمشروع بحثي تمويلي للمحافظة على الشجرة، ولتحسين وضع المرأة الصحراوية.

بداية الأمل

الآن وقد أنهت IDRC أعمالها فما زال أمام د. زبيدة الكثير لتفعله؛ حيث تقول: "أنجزت 10% مما أريد فعله لشجرة الأرجون". ورغم أنها بدأت بالزيت فإن هناك بقايا مستخلصة كثيرة يمكن أن تُكتشف صناعيًّا مثل ورق الشجر ولب الخشب وغيرها، تضعها شروف في أهدافها القادمة.

نقول كلمة لبطلة شجرة الأرجون نختم بها هذه التجربة الفريدة: "أنا باحثة في المشروع حتى أُبقي ما استطعت من فوائد الأرجون في المغرب".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم