|
|
| الدكتور هاجنز.. مصمم المعرض |
لا يزال العالم الغربي يأتي لنا بالتقاليع الغريبة التي يُثار حولها جدل وحوار بين مؤيد ومعارض حتى يهدأ الناس، وتصبح التقليعة أمرا واقعا ومقبولا داخل المجتمع. ولا زلنا نحن نستورد هذه التقاليع ولو بعد حين. وقد رأينا في الأيام القليلة الماضية من تقاليع الغرب قضية القتل الرحيم ومن قبلها الرحم البديل ثم السماح بزيجات الشواذ جنسيا والسماح لهم بتبني الأطفال، وبعد استنساخ الحيوان أصبحنا الآن قاب قوسين أو أدنى من استنساخ الإنسان.
ويبدو أن العقول الغربية ما زال في جعبتها الكثير والكثير من هذه التقاليع الغريبة. فقد افتتح في مدينة لندن بصالة آتلانتس للعروض يوم الجمعة الماضي 22-3-2002 معرض يصنفه البعض بأنه فني ويصنفه آخرون بأنه تعليمي. وسواء كان هذا أو ذاك فلا جدال حول مدى غرابته وما سيثار حوله من تساؤلات قانونية وشرعية.
عالم الجسد.. روعة الجسم الإنساني
|
| جثث فرسان تبارز بالسيف |
المعرض أطلق عليه "عالم الجسد" أو "Body World"، ويُعرض به 175 جزءا آدميا و25 جثة كاملة تم حفظها جميعا باستخدام تقنية اكتشفها وطورها الطبيب الألماني جونتر فون هاجنز Gunther von Hagens الذي قام أيضا بتصميم هذا المعرض الغريب.
يقول الدكتور "فون هاجنز": إن الهدف الأساسي لإقامة المعرض هو إتاحة الفرصة أمام الجماهير لرؤية روعة جسم الإنسان من الداخل، كما يتاح ذلك لطلبة كليات الطب، ولكن بأسلوب عرض شيق يزيل رهبة المتفرج من الموت. فقد تم حفظ الجثث بحيث لا تصدر رائحة ولا يحدث لأنسجتها تحلل، بالإضافة إلى إعطائها ملمسا بلاستيكيا؛ فتقنية الحفظ تسمى بالبلستكة plastination.
وقد تم عرض الجثث الكاملة في أوضاع مختلفة حاول الدكتور فون هاجنز إعطاءها طابعا فنيا. فمن بين "المعروضات" جثة لرجل قد تم سلخه من جلده لإظهار جميع عضلات الجسم، ثم تم وضع الجلد المسلوخ في يد الجثة كأنه يحمله. ثم هناك عرض آخر لجثة رجل جالس أمام طاولة الشطرنج كأنه يفكر في اللعبة القادمة وترى أمامك المخ الذي قد تم كشفه بعد إزالة أغلب عظام الرأس. أو "الفارس" الراكب فوق حصان تم حفظه وسلخه بنفس الطريقة المذكورة. كل ذلك من أجل أن يرى الناس كيف تكون عضلات الجسم في الأوضاع المختلفة.
ومن بين أكثر المعروضات إثارة للجدل عرض لجثة امرأة حبلى قد تم وضعها في حالة استلقاء على جنبها وهي تريح رأسها على إحدى كفّيها. وقد تم كالعادة سلخها من جلدها ثم شق بطنها بحيث ترى جنينها ذا السبعة أشهر داخل رحم أمه.
وربما تكون الأجزاء الآدمية المتفرقة أقل إثارة للجدل فهي تظهر أجزاء آدمية سليمة إلى جانب أخرى مريضة حتى يرى المتفرج الفرق بين الاثنين كالفرق بين الرئة المصابة بالسواد بسبب التدخين والرئة السليمة أو الفرق بين الكبد المصاب بالدهون بسبب شرب الخمور والكبد السليم. كما تعرض مقاطع عرضية للمخ قد تم إعدادها بحيث تظهر الفرق بين مادة الدماغ السنجابية gray matter ومادة الدماغ البيضاء white matter، بالإضافة إلى مراحل مختلفة من تطور الجنين إلى جانب أجنة مصابة بعيوب خلقية، وغير ذلك كثير من عروض تهدف إلى التركيز على أجهزة الجسم المختلفة من الجهاز العصبي إلى الدورة الدموية إلى الجهاز الحركي… إلخ.
عروض سابقة عديدة
|
| جثة رجل يلعب الشطرنج .. تبرز المخ الآدمي |
وليست هذه هي المرة الأولى لإقامة هذا المعرض الفريد من نوعه، فقد تم عرضه لأول مرة بمدينة طوكيو اليابانية عام 1995 بمناسبة احتفالية اليابان بمرور مائة عام على إنشاء الجمعية التشريحية اليابانية، ثم تنقل المعرض في عدة مدن يابانية وزاره خلال عامين أكثر من 2.5 مليون مشاهد.
وقد حاول الدكتور فون هاجنز أول الأمر إقامة معرضه في بلده ألمانيا، إلا أن الحكومة الألمانية تحيرت كثيرا أمام طلبه، وهو ما أدى إلى إقامة المعرض أولا في اليابان. وبعد أن رأت الحكومة الألمانية نجاح المعرض باليابان- خاصة من الناحية الاقتصادية- قررت السماح بإقامته في العديد من المدن الألمانية. كما تم عرضه أيضا بالنمسا وسويسرا وبلجيكا.
وقد قام أكثر من 8 ملايين مشاهد بزيارة تلك المعارض، ثم جاء دور بريطانيا الذي استاء الكثير من أعضاء الحكومة والمواطنين بها من إقامة مثل هذا المعرض، خاصة أن هناك قضية تثير الرأي العام البريطاني حاليا بسبب سرقة أحد المستشفيات البريطانية لأجزاء آدمية تابعة لمتوفين أطفال دون إبلاغ أهاليهم. ومع الجدل الذي دار حول إقامة المعرض فلم تجد الحكومة البريطانية بين قوانينها ما يشمل منع إقامة مثل هذه المعارض، وهو ما اضطرها للسماح بإقامته.
البلستكة Plastination
الدكتور الألماني جونتر فون هاجنز المتخصص في علوم التشريح والباثولوجي (علم الأمراض) قام في عام 1977 باكتشاف طريقة جديدة لحفظ الجثث والأجزاء الآدمية، وهو ما كان له أثر طيب بالنسبة لكليات الطب حيث تمكّنت بتلك الطريقة من استخدام عدد محدود من الجثث الآدمية دون الحاجة إلى تجديد "المخزون" بمجرد انتهاء الطلاب من تشريح تلك الجثث.
وتشمل عملية البلستكة أربع خطوات هي:
-
عملية الحفظ للأنسجة عن طريق استخدام المواد المعتادة مثل محلول الفورمالديهايد أو محلول كايسرلينج Kayserling solution، ولا بد أثناء عملية الحفظ من إبقاء أعضاء الجسم المجوّفة متمددة حتى تحتفظ بحجمها الطبيعي.
-
عملية التجفيف: في هذه الخطوة يتم إزالة جميع سوائل الجسم وبعض الدهون عن طريق استبدالها بمذيب حيوي مثل الكحول أو الأسيتون. ومن أجل ضمان حفاظ الأنسجة على أحجامها الطبيعية قدر المستطاع يتم تجفيفها في ثلاثة حمامات باردة من الأسيتون الذي تصل درجة حرارته إلى 25 درجة مئوية تحت الصفر. يتم بعد ذلك وضع الجثة أو الأنسجة في أسيتون عند درجة حرارة الغرفة من أجل إزالة الدهون التي بها. وفي حالة الحاجة إلى إزالة المزيد من الدهون توضع الأنسجة في مادة المثيلين كلورايد.
-
التنقيع القسري forced impregnation: يتم وضع الجثة أو الأنسجة التي قد تم استبدال سوائلها بالأسيتون داخل مزيج من البوليمر تصل درجة حرارته إلى 25 درجة مئوية تحت الصفر. وبعد عدة أيام من النقع تعرّض الأنسجة المنقوعة إلى مضخة خوائية vacuum يتم زيادة قوتها تدريجيا حتى تتبخر مادة الأسيتون خارج الأنسجة على هيئة غازات. وحين يتبخر الأسيتون يدخل البوليمر داخل الأنسجة.
-
تقسية البوليمر داخل الأنسجة (تجميدها): التي تتم باستخدام الغاز أو الضوء أو الحرارة حسب نوع البوليمر المستخدم وتستغرق عدة أسابيع حتى تنتهي.
ويتم اختيار نوع البوليمر المستخدم حسب نوع العينة المطلوبة. فالعينات التي يستخدم معها السليكون على سبيل المثال تكون مرنة وتستخدم عادة في التدريس. أما العينات التي تم استخدام مستحلب مبلمر polymerized emulsion معها فتكون غير شفافة مثل عينات السليكون، إلا أنها غير مرنة، وتستخدم هذه الطريقة عادة في المقاطع الجسمية السميكة (أكثر من 1 سنتيمتر). أما من أجل إنتاج عينات رقيقة وشفافة تظهر بوضوح الألوان الطبيعية للأنسجة المختلفة فيستخدم epoxy resin. وأخيرا من أجل إظهار الفارق بين مادة الدماغ السنجابية ومادة الدماغ البيضاء يستخدم polyester copolymer.
تبرع بجثتك من أجل العرض!
|
| أجزاء آدمية محفوظة |
وما يتبادر إلى ذهن جميع من يشاهد المعرض أو يقرأ عنه هو: من أين تأتي كل تلك الجثث؟ ويعترف الدكتور فون هاجنز أنه استخدم في أول الأمر جثثا من أحد مستشفيات الأمراض النفسية بسيبيريا، ولكن بسبب الجدل الذي أُثير حول ذلك بدأ يستخدم جثثا تبرع بها أصحابها قبل الوفاة من أجل عرضها خصيصا! ويضيف الدكتور فون هاجنز أنه في كل يوم من أيام المعرض يتفق خمسة من الزوار معه على التبرع بأجسامهم من أجل بلستكتها وعرضها في معارضه! وقد وصل عدد المتبرعين حتى الآن إلى 4500 متبرع! وفي حين يرى بعض المتبرعين في ذلك خدمة للبحث العلمي وللتعليم، فإن الأغلبية الساحقة يرون في ذلك نوعا من أنواع التخليد لأجسامهم بدلا من تحللها داخل التوابيت أو إحراقها كما يفعل الكثير من الناس في الغرب الآن.
تساؤلات؟!
ويثير هذا المعرض العديد من التساؤلات. فهل من الضروري أن تعرض للجماهير غير المتخصصة جثث آدمية حقيقية من أجل أن يلمّوا بروائع خلق الله وقدرته؟ وذلك مع العلم بأن الكثير من المتاحف والهيئات قد تخصصت في عرض وصناعة نماذج آدمية مصنعة من أجل هذا الغرض.
ثم ماذا عن عرض المومياوات في المتاحف المصرية؟ أليس هذا نفس نوع العرض لجثث آدمية؟ ثم هل نضمن –مع علمنا بما ينتج عادة من انتشار بعض التقاليع الغربية- ألاّ تصبح عملية البلستكة أسلوبا بديلا للدفن فنرى داخل بعض البيوت جثثا تم بلستكتها تشبه إلى حد كبير النماذج الشمعية التي نراها بالمتاحف –خاصة إذا لم يتم سلخ الجثث من جلدها- يود أصحابها أن يخلّدوا ويود ذووهم أن يحسوا بوجودهم بشكل مستمر؟
ونذكر هنا ملخص ما نُشر بإحدى فتاوى "إسلام أون لاين.نت" حول استخدام الجثث لدراسة طلاب كليات الطب: "إنَّ التشريح من أجل التعلُّم والتعليم محلُّ خِلاف بين العلماء، ومن أجازه قال: لا يُصار إليه إلا عند الضرورة في أضيق الحدود، ولو أمكَنتِ الدّراسة على حيوانات مماثِلة لكان أولى، وكذلك لو أمكنَ الاستغناء عن التشريح بالنماذج المصنوعة -وهي دقيقة إلى حدٍّ كبير- فلا يجوز اللُّجوء إلى جثة الآدميّ".
ونعرض هذه التساؤلات أمام قرائنا الكرام من أجل مناقشتها، ونحن في انتظار استقبال آرائكم على البريد التالي:oloom@islamonline.net
|