|
|
| ذيل الطائرة .. هل يكون هو السبب!!
|
أثار حادث الطائرة التابعة للخطوط الأمريكية الذي وقع بمدينة نيويورك في الثاني عشر من نوفمبر الماضي الكثير من التساؤلات. ومنذ الساعات الأولى بدأ المسئولون الأمريكيون أثناء مؤتمراتهم الصحفية بشرح تفسيراتهم عن أسباب الحادث المروّع والتي ابتعدت جميعها عن توقع أن يكون حادثاً إرهابياً جديداً من خلال هذه الطائرة بالرغم من بعض الإشارات الأولية غير المباشرة منهم بذلك. وبالرغم من مرور أكثر من أسبوع على الحادث، فإن التصريحات والتوقعات تختلف كل يوم وهو ما كان من شأنه خلق جو من الريبة والشك داخل المجتمع الأمريكي -الذي أصابته فوبيا الإرهاب- من صدق تلك التصريحات.
هل المحرك هو السبب؟
بدأت شكوك المسئولين حول أسباب الحادث تتجه نحو وقوع أحد المحركين في مكان بعيد عن باقي الطائرة، بالإضافة إلى شهادة الشهود الذين أكدوا وقوع أحد المحركين قبل ارتطام الطائرة بالأرض. فقيل بأنه من المحتمل أن يكون قد وقع عطل فني مأساوي بالمحرك أثناء الطيران أو ربما عطل بسبب التهام المحرك لسرب من الطيور على سبيل المثال، إلا أن الفحوصات الأولية على المحرك لم تكشف عن وجود مخلفات غريبة داخله.
وبالرغم من قدرة الطائرة المفترضة على الطيران بمحرك واحد فقط، فإنه قد بدأ التفكير في إمكانية مقارنة حادث يوم الإثنين الماضي بحادث آخر قد وقع عام 1979 بالقرب من مطار أوهارا بمدينة شيكاغو الأمريكية، الذي كان سببه انفصال محرك الطائرة الرئيسي، الذي أثناء انفصاله تسبب في قطع كابلات التحكم والخطوط الهيدروليكية الموجودة أسفل الجناح المقارب، بالإضافة إلى إتلاف الأجهزة الموجودة على الجناح التي تعين على رفع الطائرة إلى أعلى، وهو ما أدى في النهاية إلى عدم تناسق بين الجناح الأيسر والجناح الأيمن وبالتالي إلى دحرجة الطائرة إلى اليسار وفقدان الطيارين السيطرة عليها.
ثم خرجت وسائل الإعلام في اليوم التالي للحادث مباشرة بمعلومة مثيرة للغاية. فقد تم الكشف عن تقرير صدر من إدارة الطيران الفيدرالية في الخامس من أكتوبر الماضي يأمر بإجراء فحوصات إجبارية على جميع المحركات من نوع CF6-80C2 التي تدير الطائرات إيرباص A-300 كالتي وقعت في نيويورك الأسبوع الماضي بسبب اكتشاف "حالة غير آمنة" في هذا النوع من المحركات.
وقد بدأ المسئولون الفيدراليون بدراسة هذا النوع من المحركات منذ ربيع سنة 2000 بعد إبلاغ عدة طائرات عن حدوث عطل في المحرك يتسبب في تطاير قطع معدنية. إلا أن هذا التقرير -وبسبب الإجراءات البيروقراطية الأمريكية- لن يدخل قيد التنفيذ إلا بعد مرور 60 يوما –أي في الرابع من ديسمبر- وذلك من أجل إعطاء الهيئات المدنية المعنية فرصة للتعليق على التقرير أولا.
وكان تعليق شركة جينرال إليكتريك المصنعة للمحرك هو أن الشركة تستجيب دائما لجميع المطالب الحكومية بعمل الإصلاحات المطلوبة، كما أنها مطمئنة بأن المحرك CF6-80C2 جدير بالثقة لدرجة غير عادية. وقد صنعت الشركة 2954 محركا من هذا النوع من المحركات منذ عام 1984 ويعتبر من أكثر المحركات من حيث المبيعات طلبا للتركيب على الطائرات ذات الجسم العريض.
جدير بالذكر أن إدارة الطيران الفيدرالية نفسها أصدرت العام الماضي أوامر لشركات الطيران باستبدال أنبوب الوقود الخاص بالمحرك نفسه من أجل تحاشي تسربات الوقود تحت ضغط عال، التي حذر المحققون منها؛ بسبب إمكانية حدوث حريق بالمحرك، وبالتالي إتلاف بالطائرة.
يذكر أن الشهود –ومنهم قائد إحدى الطائرات شاهد الحادث من على الأرض- قد أكدوا أنهم رأوا حدوث حريق بأحد المحركين أولا ثم انفصاله كليا عن جناح الطائرة أثناء تحليق الطائرة بالجو.
في الحين نفسه، أشارت مجلة الطيران "Aviation Now" بأن شكل انتشار حطام الطائرة على مدى واسع يشير إلى احتمال حدوث كارثة داخل كابينة الطائرة نفسها كحدوث انفجار مثلا، وهو ما قد يكون السبب في انفصال جناح الطائرة ومحركها.
أم يكون.. الذيل؟؟
إلا أنه وبعد كل هذا الحديث عن محركات الطائرة، بدأت السلطات تركز في تحقيقاتها على انفصال ذيل الطائرة –الذي يبلغ 27 قدما في الارتفاع- عن جسم الطائرة أثناء تحليقها ووقوعه في خليج جاميكا على بعد ميل تقريبا من موقع حطام الطائرة الرئيسي. وبالرغم من أن المسئولين لا يعلمون تماما إن كان الذيل قد انفصل قبل المحركين أم العكس، فإن المؤكد أن الطائرة بانفصال الذيل تصبح غير قابلة للسيطرة تماما.
المثير للدهشة أن الذيل يبدو سليما تماما على حد قول أحد مسئولي الهيئة القومية لسلامة النقل؛ حيث انفصل عن الطائرة انفصالا "نظيفا"، تاركا نقاط الاتصال بينه وبين جسم الطائرة بصواميله في جسم الطائرة، وهو ما جعل المسئولين يدققون النظر في المادة المصنع منها ذلك الذيل وصواميله والتي أدخلتها شركة إيرباص في صناعة ذيل طائراتها منذ عام 1985.
المادة المصنع منها الذيل عبارة عن بلاستيكات مدعمة بالألياف الكربونية، وهو مركب جديد نسبيا يعتبر قويا للغاية، وهو مقاوم للتآكل ومقاوم للتشقق على عكس الحديد والبلاستيك اللذين يتشققان مع مرور الزمن. كما أن المركب أقل تعرضا لما يسميه المتخصصون بالإجهاد الذي يضعف المواد المختلفة بسبب التعرض المستمر للانثناء. تعتبر إحدى أهم مزايا تلك المادة أنها خفيفة الوزن بحيث إنها حين دخلت في صناعة الطائرات جعلتها أقل وزنا، وبالتالي أقدر على نقل حمولات أكبر بتكلفة وقود أقل.
هناك عدة احتمالات قد تشرح انفصال الذيل بهذا الشكل. أحدها حالة تسمى بالرفرفة؛ حيث يقوم الهواء المار بالذيل برفرفته ذهابا وإيابا حتى يضعف، الذي قد يحدث على مرور عدة شهور أو في مجرد دقائق قليلة.
احتمال آخر هو رد فعل الطيارين للاضطراب الجوي الذي تعرضت له الطائرة بعد إقلاعها بثوان معدودة، والذي من المحتمل أن يكون القيام بعمل هزات عنيفة مقصودة للطائرة من أجل محاولة السيطرة عليها، والتي من المحتمل أن تكون قد عرّضت ذيل الطائرة لضغوط هائلة. إلا أن الطائرة من المفترض أن تكون مصنعة بحيث تتحمل أنواع الضغوط المحتمل التعرض إليها أثناء رحلات الطيران.
تاريخ مريب
هذه الطائرة بالذات بعد فحص تاريخها تبين أنها قد تعرضت لثلاث وقائع قد تكون إحداها أو كلها ذات صلة بانفصال الذيل.
الأولى كانت بعد تصنيع الطائرة لكن قبل تسليمها إلى خطوط الطيران الأمريكية؛ حيث اكتشف بداية انفصال طبقات مركب البلاستيك الكربوني عند نقطة واحدة بالذيل حيث يلتقي بجسم الطائرة، فقامت الشركة المصنعة بإضافة طبقات زائدة من المركب وتثبيتها بمسامير برشام. هذا الجزء تحديدا من الذيل قد بدا حسب الفحوصات المبدئية سليما، إلا أن هذه الواقعة تشير إلى إمكانية حدوث عيوب أثناء الإنتاج ربما لم تكتشف.
الواقعة الثانية كانت عام 1994 حيث تعرضت الطائرة نفسها أثناء إحدى رحلاتها إلى بورتوريكو إلى اضطرابات جوية عنيفة، لدرجة أن أصيب 47 من ركابها بإصابات مختلفة. ومع أن أجسام الطائرات مصنعة بحيث تتحمل اضطرابات جوية هائلة قد تتسبب حتى في موت بعض الركاب، فإن المسئولين الآن يقومون بدراسة ما إذا كانت الطائرة قد تعرضت لبعض التلف ربما يكون قد غفل عنه المفتشون الذين قاموا بتفتيش الطائرة بعد حدوث الواقعة.
الواقعة الثالثة هي في رحلة الطائرة الأخيرة والتي تبدأ بمجرد إقلاعها من مطار كينيدي بنيويورك، حيث كانت إحدى طائرات الخطوط اليابانية قد سبقتها في الإقلاع بدقائق معدودة. وحسب تسجيلات الصندوق الأسود والاتصالات التي تمت بين الرحلة رقم 587 وبرج المراقبة، فقد تعرضت الطائرة لما يعرف بالاضطرابات الجوية الناتجة عن آثار الطائرات الأخرى wake turbulence، وهي حالة معروفة بين الطيارين وعادة تكون اضطرابات عادية طالما تم الالتزام بالابتعاد بمسافة تزيد عن أربعة أميال عند الإقلاع بين الطائرتين.
ويبدو حسب التقديرات الأولية أن الطائرة كانت بالفعل ملتزمة بالمسافة المحددة، إلا أنها تعرضت لمجموعة من الاهتزازات بعد الإقلاع، ثم لمجموعة أخرى من الاهتزازات وقعت بعد الاهتزازات الأولى بثوان معدودة قد بدت كلها أنها بسبب ذلك النوع من الاضطرابات الجوية، إلا أن الطيارين فقدوا السيطرة على الطائرة بمجرد انتهاء المجموعة الثانية من تلك الاهتزازات.
وكإجراء احتياطي، وحتى الانتهاء من التحقيقات، فقد أصدرت الخطوط الأمريكية الأوامر بفحص جميع زعانف طائراتها من نوع إيرباص A300 من أجل البحث عن خيط قد يشير إلى ضعف أو تلف إنتاجي في مركب البلاستيك الكربوني.
وهكذا، فان السلطات الأمريكية أمامها شهور طويلة من الفحص والتدقيق واتباع الخيوط من أجل كشف غموض حادث الطائرة رقم 587، التي مات على متنها 260 شخصا بخلاف خمسة أشخاص على الأرض.
ويبقى السؤال: هل سيصدق الشعب الأمريكي ما ستتوصل إليه السلطات من نتائج أم أن فوبيا الإرهاب قد سيطرت عليه ودخل الشك والريبة في قلبه، وسيظل يعتقد أن أسامة بن لادن –السوبر إرهابي- هو أيضًا المسئول عن هذا الحادث الغامض!.
|