English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 7, 2004

علوم و صحة » صحة » طب بديل

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الدوريات الطبية العربية.. في الميزان

د. سحر طلعت

غلاف تقرير منظمة الصحة عن الدوريات الطبية في مجتمعاتنا
غلاف تقرير منظمة الصحة عن الدوريات الطبية في مجتمعاتنا

قد يتصور القارئ العادي أن موضوع الدوريات الطبية لا يعنيه؛ لأنه أمر شديد التخصص لا يؤثر في حياته، ولا يمكن أن يكون له دور فعال في نقده وتقويمه فضلا عن تطويره وتفعيله.. فهو موضوع لا يعني إلا المتخصصين من الأطباء، ولكن الحقيقة التي لا تنكر أن الإنسان أيا كان موقعه وأيا كانت حالته الصحية لا يشعر بالأمان والرفاهة الصحية إلا في ظل نظام صحي منضبط يكفل له الاستمرار في حالة من الصحة بمعناها الأشمل؛ الذي يعني حسب تعريف منظمة الصحة العالمية: "حالة من اكتمال الصحة الجسدية والعقلية والنفسية وليس مجرد الخلو من المرض".

وكفاءة المنظومة الصحية وقدرتها على أداء الأدوار المنوطة بها تعتمد على عناصر متعددة.. تشمل:

- أفراد المنظومة الصحية (الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان/ أساتذة الجامعات والباحثين/ طاقم التمريض والفنيين/ الإداريين).

- المؤسسات الطبية المختلفة التي ينتظم هؤلاء الأفراد فيها (المستشفيات والمراكز الطبية الحكومية والخاصة والجامعات والمعاهد ومراكز الأبحاث ومؤسسات صناعة الدواء).

- العمليات المتراكبة والمتداخلة التي يتعاون فيها هؤلاء الأفراد، والتي يمكن حصرها في التطبيب (أو الخدمة الطبية سواء كانت علاجية أو وقائية) والتعليم الطبي والبحث العلمي.

والتداخل بين هذه العناصر الثلاثة الرئيسية يحمل دلالة؛ مفادها أن حال الخدمة الصحية المقدمة للمجتمع لن ينصلح إلا بإصلاح كافة عناصر المنظومة؛ فلن تتواجد خدمة طبية متميزة دون نظام للتعليم الطبي يهدف لخلق طبيب متميز خلقيا وعلميا واجتماعيا ومدرك لدوره نحو مجتمعه، ولن تتوافر الخدمة الطبية المتميزة إلا في ظل نظام يدعم البحث العلمي الذي يدرس واقع المجتمع ومشاكله المختلفة في محاولة لإيجاد أفضل الحلول لها.

ومن خلال تلك الرؤية الشاملة يمكننا أن ندرك ما للنشر الطبي (سواء الموجه للمختصين أو للجمهور) وما للدوريات الطبية كوسيط تعليمي وتدريبي مهم وحيوي من دور يمكنه أن يساهم -إذا تحسنت أحواله وأوضاعه- في تحسين أوضاع التعليم الطبي والبحث العلمي وبالتالي الخدمة الصحية.

الدوريات العربية بعيون الـ WHO

والنظرة المدققة لأحوال الدوريات الطبية في المنطقة توضح أن الأسباب الأساسية لما تعانيه تعود لضعف الإمكانات المادية (والمصدر الأساسي للتمويل المادي هو شركات صناعة الدواء والمنتجات الطبية التي تسخر البحث العلمي للترويج لمنتجاتها)، وضعف الإمكانات التقنية، وغياب تمثيل هذه الدوريات في القوائم العالمية، وتردي مستوى البحوث المقدمة وضعف المراجعين، وضعف الهياكل الإدارية لمعظم الدوريات.

وانطلاقا من الوعي بأهمية النشر الطبي أصدر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في منتصف عام 2004 تقريرا عن الدوريات الطبية في مجتمعاتنا، وهو يمثل نتاج أعمال الندوة الإقليمية الأولى للمجلات الطبية في منطقة شرق المتوسط التي عقدت بالقاهرة في الفترة من 7 إلى 9 أكتوبر 2003. وقد أكدت مقدمة التقرير على أن دعم النشر الطبي من أهم أدوات دعم البرنامج المقترح لمنظمة الصحة العالمية لسنة 2004 – 2005 الذي ينص على: "اعتبار المعلومات الموثقة حجر الزاوية لسياسات صحية مؤثرة وفاعلة لتحسين الصحة والتنمية في المنطقة".

فرغم توافر أكثر من 400 دورية طبية عربية؛ فإن ضعف تمثيلها في قوائم البحث العالمية وعدم وصولها للقاعدة العريضة من جمهور الأطباء دفع بمعظم العاملين في الحقل الطبي لاستيقاء معلوماتهم من شركات الأدوية أو من المجلات الطبية العالمية؛ وهو ما يثير تساؤلات عدة عن المدى الذي تعكس فيه الدوريات المختلفة الحالة الصحية والأبحاث الحيوية، ومقدار مساهمة هذه الدوريات في علاج المشاكل الصحية لمجتمعاتنا، وكذلك نظرة المؤسسات المهنية والأكاديمية للدور الذي تلعبه هذه الدوريات.

تحت الميكروسكوب

وبتشريح الوضع الحالي لنشر المجلات الطبية بالمنطقة العربية وجد التقرير أن الدوريات الطبية العربية تعاني من قصور شديد.. فنسبة قليلة جدا هي التي تندرج ضمن قوائم البحث العالمية، ونسبة أقل هي التي نجد لها موقعا على الإنترنت، ومن ثم تظل المعلومات البحثية غير مرئية.

كما أن معظم الدوريات تصدر بالإنجليزية.. أحيانا مع ملخصات باللغة العربية، ومعظمها تنشر كل ما تتلقاه من أبحاث، معتمِدة على نظام مراجعة الزملاء وهو يكون عادة دون أجر.. والمشاكل المتعلقة بهذا النظام تنبع من نقص عدد المراجعين ونقص كفاءتهم؛ وهو ما يبرز أهمية وجود معايير حاكمة للتقويم، وتدار هذه الدوريات بالمؤسسات والمنظمات البحثية بالاعتماد على الإعلانات والاشتراكات ومساهمات الناشرين في التمويل.

ويتصدر قائمة المعوقات التي تواجه الدوريات الطبية في مجتمعاتنا العربية الانخفاض الكيفي للأبحاث المقدمة؛ وذلك بسبب انخفاض مستوى القدرات البحثية؛ فالباحثون المتميزون وأصحاب الأبحاث الجيدة يفضلون نشر أبحاثهم في الدوريات العالمية. كذلك قلة الوقت المتوافر للكتاب والمحررين والمراجعين، ومعظمهم يعمل بنظام بعض الوقت، وغالبا بدون أجر. هذا بخلاف قصور الدعم المادي والتقني الذي يضاعف من حجم مشكلات المجلات الطبية.

ومما لا شك فيه أن غياب الوعي بأهمية دور النشر الطبي في دعم وتنمية الخدمات الصحية، وغياب السياسات والقوانين التي تحكم المحررين يعتبر من أهم العوامل التي تؤثر سلبا على النشر الطبي في مجتمعاتنا.

الحل هو الدعم

تحسين أوضاع الدوريات الطبية يحتاج لدعم ضخم، سواء ماليا أو إداريا؛ فجودة المجلات الطبية تعتمد على عناصر متعددة هي: الرؤية والتغطية وجودة المحتوى والتصميم والطباعة والتقنيات واللغويات.. وكذلك وصول الخدمة لمستخدميها، والبنية التحتية للمجلة التي تعاني من ضعف شديد في المنطقة العربية هي وحدها القادرة على التحكم في كل هذه العوامل.

فالمحتوى يعتمد على جودة الأبحاث المقدمة والفائدة التي تحققها للمجتمع، وجودة الأبحاث تعتمد على كفاءة الباحثين والمراجعين وكذلك قدرة المجلة على جذب الأبحاث الجيدة، وكفاءة الباحثين لن تتحقق إلا بنظم تكفل التدريب لتنمية مهارات العقل الباحث أثناء المراحل الدراسية المختلفة بل وتدريبه على المعايير العالمية للكتابة العلمية، مع إدراج مناهج البحث العلمي في الدراسة الطبية، وكذلك خلق آلية لتعهد الباحثين المحتملين.

ومن المهم اعتماد نظام التقويم الموضوعي للأبحاث والأوراق عن طريق قائمة للضبط (Checklist) تعين المراجعين على تحليل الأوراق إلى عناصرها الأولية؛ بدءا من العنوان والملخص والمقدمة وحتى الخاتمة، وذلك لتجنب التقويم الشخصي للأوراق. ومن المهم ألا تكتفي قائمة الضبط بالجوانب العلمية فقط، ولكن من الضروري التركيز على الجوانب الأخلاقية.

وفي حديثنا عن المحتوى وجودته لا يفوتنا أن نذكر أن المشاكل الصحية للدول المتقدمة تختلف عن مشاكل الدول النامية؛ لذا فالأولى بالدول النامية ضعيفة الإمكانات والتي لن تستطيع أن تدخل في منافسة مع الدول المتقدمة أن ترتب أولوياتها البحثية بعناية؛ فتهتم بالمشاكل الموجودة على أرضها، وتقدم لها حلولا فاعلة ومناسبة؛ أي أن الأولى بالدول النامية أن تعتمد على الطب الجغرافي.

أما بالنسبة لمسألة إتاحة المجلة..فهناك نموذجان أحدهما يدعو للوصول المفتوح وغير المقيد للمعلومة؛ بحيث لا يتحمل القارئ أي تكلفة؛ حيث تُحمّل التكلفة على الناشر والباحث ومؤسسته أو الجهات المانحة، وهناك النموذج العادل؛ حيث يدفع متلقي المعلومة المقابل ويحصل الباحثون والمحررون على أجور نظير ما يؤدونه من أعمال.

الدورية الطبية لإقليم شرق المتوسط

ولعل دعم وتشجيع انتشار المعلومات بالاستفادة من تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عبر النشر الإلكتروني يمثل أسلوبا متميزا يحل جزءا ضخما من معضلة الإتاحة، إلا أنه ما زال هناك عدم تقبل لدى بعض الباحثين للخدمة بهذا الشكل. وهناك على أرض الواقع بعض التجارب المتميزة والرائدة في مجال النشر الإلكتروني، منها تجربة الـ HBINET (Health and Biomedical Information Network )، وكذلك FAME (Forum for Medical Journal Editors) و(Eastern Mediterranean Medical Journal ).

أما الإدراج في قوائم البحث العالمية ومحاولة الوصول لمستخدمي الخدمة عبر وسائل أقل تكلفة من البريد، وتقليل عدد المجلات المنشورة بحيث يصدر عدد أقل من المجلات بجودة أعلى، وكذلك إنشاء موقع إلكتروني واحد يضم المجلات الطبية العربية.. فكلها مقترحات وأهداف لتحسين وصول الخدمة لمستخدميها. ولعل خلق شبكات بين المجلات الطبية المختلفة في المنطقة يساهم بشكل فعال في إتاحة المزيد من التعاون والتكامل وتبادل الخبرات التي تؤدي في النهاية لرفع مستوى كفاءة الدوريات المقدمة. ومن الشبكات التي بدأت تتبلور نجد JAMA Middle East للنشر باللغة العربية، Arabization for Health Sciences Network (AHSN) وIndex Medicus for the Eastern Mediterranean Region (IMEMR). وهذه التجارب الجديدة والواعدة تحتاج لاحتضان ودعم لتتمكن من تأدية دورها في دعم النشر الإلكتروني ودعم التواصل الإلكتروني بين الدوريات العربية المختلفة.

أخلاق النشر.. خاتم الجودة

 الاتحاد العالمي للمحررين الطبيين

ولتكتمل الصورة من المهم أن يدرك القائمون على تدريس الطب أهمية دراسة أخلاقيات البحث العلمي والنشر الطبي، والطريقة القائمة على المشكلات تعتبر من أفضل الوسائل لتدريس هذه الأخلاقيات، وبناء القدرات وتبادل الخبرات يعين كثيرا على القيام بهذه المهمة، وموقع الاتحاد العالمي للمحررين الطبيين WAME يحتوي على استفسارات حول تدريس أخلاقيات النشر الطبي للباحثين.

وإذا كان واجبا على الباحث أن يلتزم بأخلاقيات البحث العلمي والنشر الطبي؛ فإن الدورية يجب أن تحرص على الالتزام مع الباحثين؛ فتلتزم بمواعيد النشر وتعلم الباحث بمسار بحثه، ويحق للباحث أن يقوم بسحب بحثه إذا لم يتم النشر في خلال 6 أشهر.

بهذا التقرير تم إثارة الجدل والنقاش حول الدوريات الطبية العربية لأول مرة، ولعلها لن تكون الأخيرة؛ حيث ستعقد الندوة الإقليمية الثانية للمجلات الطبية في منطقة شرق المتوسط في الفترة من 10 إلى 12 أكتوبر 2004 بالرياض لتستكمل البحث والاجتهاد لإيجاد السبل المناسبة لتحقيق مستوى أفضل لهذه الدوريات؛ بحيث تتمكن من أداء دورها في تحسين التعليم الطبي والبحث العلمي، وبالتالي الخدمة الطبية المقدمة لمجتمعاتنا العربية.


أستاذة علم الأمراض بكلية طب القصر العيني،ويمكنك التواصل معها عبر البريد الإلكتروني التالي: Sahar_mt2001@yahoo.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم