|
| روبوتة ..أنثى !
|
بينانغ (ماليزيا)- بعد أن صار الهاتف النقال والكومبيوتر الشخصي متداولين بشكل واسع بين الناس، يتوقع الأكاديميون والخبراء اليابانيون أن كائنًا جديدًا سيأخذ مكانهما، ويشيع شراؤه في مجتمع القرن الحادي والعشرين خلال الـ 15 عام قادمة.
في أواسط شهر يوليو 2001 الماضي قام أحد القائمين على أشهر مشاريع بحوث الروبوت عالميا، وهو البروفيسور الياباني ماساو نيشيكاوا ( 63 عاما)، من جامعة "كايوشو توكاي"- بزيارة لماليزيا ألقى خلالها محاضرة في جامعة العلوم الماليزية في ولاية جزيرة "بينانغ" الماليزية، ذلك أن هناك محاولات لنقل الاهتمام ببحوث الروبوت إلى المختبرات الماليزية، ومن المعروف أن اليابان تحتل موقع الصدارة في هذا المجال اليوم.. في بداية حديثه قال بأن بداية تفكيره في إنتاج الروبوت كانت في إبريل من عام 1986 عندما بدأ يحلم بأن ينزل إلى الأسواق "إنسان آلي" يساعد الكبير والصغير في المجتمع الصناعي، خاصة مع تفكك الأسر الكبيرة إلى أسر صغيرة وتفرق الأقارب.
وربط ماساو تخيلاته وضرورة تنفيذها بتزايد أعداد كبار السن مقارنة بالشباب وصغار السن في المجتمع الياباني وغيره من المجتمعات الصناعية التي تشهد "شيخوخة سكانية"، وحسب ما رواه من دراسات سكانية فإن هذه الظاهرة ستكون واضحة في الكثير من الدول النامية المتحولة إلى دول صناعية.
وقد انشغل ماساو في السنوات الخمس الأولى من أبحاثه (1986-1991) بتقنيات المشي الدينامي بسرعة 4.7 كم في الساعة وبتطوير طرق صعود الروبوت على السلم وعلى ما هو مرتفع، وفي المرحلة الثانية (1992-1996) تركّزت الأبحاث على القسم العلوي من جسد الروبوت بما في ذلك الذراعان والرأس، وبدأ التركيز على حركات ردة الفعل أو الحركات الأوتاماتيكية المرتدة على سلوك خارجي، وبعد تلك الأبحاث وبالتعاون مع شركة هوندا ظهر في 20/12/1996 نموذجان للروبوت هما بي1 وبي 2، كانا نتاج البحوث في السنوات العشر الماضية.
آسيمو.. روبوت هوندا الأول
|
|
الروبوت أسيمو
|
واستمرت البحوث التي تعاون فيها البروفيسور ماساو مع آخرين من شركة هوندا حتى ظهر في نوفمبر 2000 الروبوت "آسيمو" الذي يبلغ طوله 120 سم ويزن 43 كجم، وتبلغ سرعة مشيه 1.6 كم في الساعة، لكنه ما يزال أعمى وأطرش وأصم ويُتحكم به عن بُعد بالريموت كنترول، وسيُستخدم قريبا بشكل محدود كإرشاد الزائرين لمكان أو مبنى ما.
ويقول ماساو بأن بحوث تطوير الروبوت في السنوات القادمة يجب أن تتم بالتوازي والمقارنة مع تطور صناعة السيارات والمنتجات الأوتاماتيكية الدقيقة الأخرى، ولكن باعتراف البروفيسور ماساو فإن العائق الكبير أمام المُصنِّعين هو تطوير "الذكاء الآلي"، ويلي ذلك "استهلاك الطاقة" المطلوبة للعمل لساعتين متواصلتين على الأقل، وإمكانية التحكم به، ثم كلفة الروبوت الذي لو تم تطويره كثيرًا لصار سعره يساوي كلفة سيارة فاخرة.. كل هذا يثير سؤالا آخر هو: إلى أي مدى يمكن لمستخدم أو مشتري الروبوت أن يعتمد عليه في حياته اليومية؟.. وهي بحد ذاتها مجالات أبحاث الحاضر والمستقبل في مختبرات إنتاج الروبوت اليابانية.
أدوار ونماذج للروبوت
|
|
بعض نماذج روبوت أيبو
|
ومن ضمن الأدوار التي يحاول الباحثون اليابانيون تطبيقها، جعل الروبوت رفيقا لكبار السن والمرضى الذين يعيشون في وحدة ودون صديق أو شريك حياة معهم، فتبدأ مهمة الروبوت بالنسبة لهم من الإيقاظ وتنظيف البيت أو غسل الملابس وجلب الدواء والشراب والتذكير بمواعيد معينة، وقبل ذلك حراسة المنزل في عصر امتلأت مدنه بالجرائم!! وافتقد الأمان في نواحيه، ثم تقفز طموحات المصنعين إلى جعل الروبوت يقوم ببعض أعمال المكاتب والشركات، من الصغيرة وحتى الكبيرة منها للإشراف على التصنيع بدلا من الإنسان، بل يمتد إلى آلة تشارك الشخص لعبة الشطرنج وأمثالها من الألعاب، فالباحثون يحلمون بجعله أكثر من "روبوت" بالمعنى الميكانيكي، ويتحدثون بحماسة عن "صديق آلي" أو "حيوان آلي" أو خادم أو موظف...!!.
بعض هذه النماذج من الروبوت المنزلي أو المكتبي بدأت بالظهور في المجتمع الياباني، ولكنها تقوم بوظائف محدودة جدا حتى الآن.. فقد تخطَّى البعض تقاليع الغرب التي جعلت من بني البشر مصاحبين لكلب بدلا من إخوانهم من بني آدم الآخرين لينتقلوا إلى العيش مع روبوت معدني!!، هذا ما يمكن ملاحظته في بعض المنازل اليابانية اليوم أو في بعض المستشفيات التي يُترك فيها الروبوت مع المريض ليؤنسه عندما لا يجد من يقوم بذلك له من بني جنسه!، ولعل انتشار الروبوت وتقبله من قبل سكان شقق العمارات السكنية والبيوت الصغيرة على وجه الخصوص يرجع إلى عدم إمكانية تربية حيوانات أليفة وصعوبة رعايتها وإطعامها لمن يعمل طوال النهار وليس لديه مجال لخدمة أحد.
لم يكن البروفيسور ماساو هو الوحيد في الساحة اليابانية، فهناك العديد من الباحثين المتخصصين في هذا المجال، ومنهم باحثون في كلية العلوم والتقنية في جامعة "واسيدا"، مثل البروفيسور أتسو تاكانيشي الذي يتعاون مع شركة سوني الذي تبدو منافسًا آخر لهوندا، فقد أنزلت سوني إلى الأسواق طراز "أيبو "(بقيمة 1500 دولار أمريكي) والذي يبدو ككلاب صغيرة، ويستطيع إظهار بعض المشاعر كالغضب والحزن والتعجب والخوف والكره.
وكان أول إعلان عن تسويق أيبو في يونيو 1999 على شبكة الانترنت قبل نزوله إلى الأسواق، وبعد أن ظل الطلب منخفضا لعدة أشهر، واستغرق إنتاج الواحد منه نصف ساعة.. تسارعت عجلة التصنيع لتبيع سوني منه حتى الآن 90 ألف وحدة، وقد تسبب نجاح سوني في تسويق أيبو إلى توجه أنظار مخططي التصنيع المستقبلي نحو الإمكانات المستقبلية للروبوت المنزلي بعد نجاح "أشباه الروبوت" الصناعي، كما أنزلت سوني إلى الأسواق أول روبوت ياباني للتسلية يقوم بالعديد من الألعاب وحده أو يشارك صاحبه فيها.
ما بعد أيبو وآسيمو
لعل ولع بعض الشخصيات المسؤولة عن صناعة القرار والتخطيط في الشركات الصناعية الكبرى كان هو السبب وراء الإنفاق الكبير على البحوث في مجال الروبوت، فما يقارب من 10 مراكز بحث أكاديمية وتجارية كبرى تتسابق حاليا لإنتاج طرازات جديدة من الروبوت في اليابان، وبالإضافة إلى هوندا (التي أنفقت 100 مليون دولار على أول روبورت لها منذ 1986) وسوني، وتعاون كل منهما مع مختبر جامعي صناعي -فقادة شركات ماتسوشيتا إليتكتريك وإن إي سي وأومرون ينفقون عشرات الملايين في أبحاث تطوير الروبوت.
ومن الجامعات الأخرى التي دخلت هذا المجال جامعة تسوكوبا في مقاطعة ايباركاي التي أنزلت إلى مستشفاها الروبوت "بارو" الذي جُعل مؤنسا للأطفال في المستشفى، وصُنع على أساس سلوكيات الحيوان من قبل باحث قام بنسخ بعضها إلى حركات آلية يقوم بها بارو، كما يهتم بهذا المجال من البحث التقني المعهد الوطني لعلوم الصناعة والتقنية المتقدمة.
وفي نوفمبر 2000 وبينما الجماهير المعجبة مشغولة بطرازي أيبو وآسيمو أنزلت سوني إلى الأسواق "روبرت" أنثى! بطول 50 سم فقط تقفز وتتراقص وتلعب كرة قدم مصغرة، وذلك في معرض "روبوديكس" الجديد، وهو آخر الأسماء ظهورا في عالم المعارض التجارية الجديدة والمتخصصة في عرض منتجات الروبوت، وحينها عرف اليابانيون عن حلم سوني القادم باسم "روبوت أحلام سوني" ( إس دي آر) الذي كان له صدى إعلامي واسع في اليابان.
وينشغل الباحثون في اليابان والولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية حاليًا بتصنيع روبرت أكثر تعقيدًا من الجيل الموجود في الأسواق حاليا، ومع أن الجدول الزمني لإنتاج تلك الطرازات ليس محددًا، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية ظهور النماذج الأولى في الأسواق في نهاية العقد الحالي مع استبعاد الأغلبية لإمكانية ظهور الروبوت بمعظم أو كل إمكاناته خلال العقد الجاري وحتى منتصف العقد القادم؛ لأنه لن يكون مختلفًا عن طبيعة التطور التصنيعي لمنتج جديد ومعقد يحتاج إلى وقت ومال وتجارب.
مهمات في كل مجالات الحياة!
وبينما ينظر الباحثون في الروبوت المنزلي إلى تنمية "المهارات الاجتماعية والعاطفية" له بما في ذلك التعبير عن مشاعر معينة برسوم فنية على وجهه، وهو من أهم أعمال شركة هوندا، فإن المصانع تريد الروبوت للمهام الصعبة والخطيرة، والجيوش تريد الروبوت للقيام ببعض المهام، بل إن الدول التي تريد التخلص من كابوس الألغام المحشوة أراضيها بملايين منها تحلم بروبوت يقوم مقام خبير مفكك الألغام والمتفجرات لتقليل عدد الضحايا بين من يقوم بهذا المهمة.
بينما ترى الحكومات ومنها اليابان التي تشهد شيخوخة سكانية في الروبوت حلا لمشاكل رعاية المسنين، وتعتقد أنها ستكون ضرورة اجتماعية لـ25% من سكانها الذين سيبلغون سن الـ65 بحلول عام 2005، أما شركة سوني فإن أبرز ما يدور في مخيلة مخترعيها هو روبوت التسلية والألعاب والترفيه لما فيه من مردود مالي كبير.
وتعتقد "هيئة الروبوت اليابانية "(!) واعتمادًا على التنامي السريع حاليا، أنه بحلول العام القادم سيكون هناك 11 ألف روبرت في المستشفيات ودور العجزة، وأن سوق "روبوت الخدمات" هذه ستقدر قيمتها بـ250 مليون دولار في عام 2005 وتتضاعف إلى مليار دولار في 2010 وهو 10% من حجم سوق الروبوت في ذلك العام!، كما تتوقع سوني أن تمتلك 46 مليون أسرة يابانية في العقد القادم "روبرت" أو روبوتين في منازلهم، وتقدر قيمتها آنذاك بقيمة أفضل أجهزة الكومبيوتر الشخصية المتوفرة في الأسواق حاليا.
كما يعتقد القائمون على أبحاث تسويق طرازات وموديلات الروبوت الياباني بأن إيرادات هذا النوع الجديد من المنتجات اليابانية ستغزو بعض الأسواق العالمية في العقود الثلاثة القادمة، كما غزت السيارات والمنتجات اليابانية كل بيت في معظم دول العالم الصناعية والنامية، وتقدر الإيرادات المتوقعة لمبيعات الروبوت بـ 33 مليار دولار على الأقل حتى عام 2025.
وقبل الحديث عن الفائدة الاجتماعية للروبوت لا بد من التأكيد على الفائدة المادية لصانعيه، فالروبوت من الناحية الاقتصادية سيكون أحد أهم مظاهر المد الصناعي الإنتاجي القادم لليابان عالميا، ولعل هذا ما يفسر سبب تخصيص وزارة الصناعة والاقتصاد والتجارة اليابانية في عام 1986 مبلغ 50 مليون دولار لدعم أبحاث الروبوت في المختبرات لغاية عام 2003؛ حيث يعتقد أن الروبوت سيكون من العوامل التي تحيي ماكينة الإنتاج الياباني بعد تأخر اليابان عن الولايات المتحدة وبعض الدول القليلة الأخرى في مجال الاقتصاد المعلوماتي في العقود الماضية.
|