|
| أفغانستان.. البعض يموت جوعا |
"تعددت الأسباب والموت واحد" مثل ينطبق على كثير من المناطق في أفغانستان.. فهناك البعض يموت من الجوع، وآخر يموت من "البرد" القارس.. والبعض لا ترحمه الحروب الأهلية.. أو الأمريكية، بلد يعاني من مشاكل عديدة.. وكارثة الجفاف واحدة من أعقدها.
في السنوات الثلاث الماضية، ضرب الجفاف عدة مناطق في جنوب شرق آسيا من أهمها باكستان، إيران، والهند، إلا أن أفغانستان كانت دائمًا الأكثر تضررًا؛ بسبب سلسلة الحروب التي واجهتها في السنوات الماضية، فهذه الموجة من الجفاف هي الأسوأ منذ عامي 70 و71، أي منذ ما يقرب من 30 عامًا، وقد أصابت كل أرض أفغانستان تقريبًا بنسب متفاوتة - أكثر المقاطعات تأثرًا هي قندهار، وهيلماند، وزابول، وأوزجان، ونمروز، ويتأثر مباشرة بمشكلة الجفاف 12 مليون أفغاني، من 3 إلى 4 مليون منهم يعانون بشدة من الكارثة.. وانخفض محصول البلاد عامة بنسبة 30% مقارنة بعام 1998م، وسجلت بعض مقاطعات الشمال تلاشي 70% من المحصول بسبب ندرة سقوط الأمطار، وهو مفتاح المشكلة الرئيسي، حيث يعتمد 85% من سكان البلاد على الزراعة، كما ارتفعت نسبة فناء قطعان الماشية بنسبة 50 إلى 60%، وهو ما زاد من كارثة قلَّة الطعام.
وبالمقارنة ببلاد العالم تأتي أفغانستان أيضًا على رأس قائمة أكثر خمس دول متأثرة بثنائي الجفاف والحرب، يليها الصومال، فأثيوبيا، ثم الفليبين، والهند...
وفي تقرير للأمم المتحدة في أغسطس لعام 2001م، حذَّرت الأمم المتحدة من أن الوضع يزداد تدهورًا، وأن هناك 8 مليون أفغاني ينتظرون المساعدة في هذا الوقت من العام قبل قدوم الشتاء، ومتوقع أن تتعمق مشكلة النزوح والجوع والمرض بحلول 2002م، ولن يكون هناك محصول يُذْكر.
تفسير الظاهرة
تهبُّ الرياح الموسمية من المحيط الهندي على جنوب شرق آسيا.. وتأتي باتجاه الجنوب الغربي في الفترة من إبريل إلى أكتوبر، وتهبُّ للاتجاه العكسي الشمالي الشرقي من أكتوبر إلى إبريل.. وهذه الرياح عادة ما تكون محملة ببخار الماء، وتتسبَّب في سقوط الأمطار على الهند وجيرانها.. إلا أنه قد يحدث أن تنحني هذه الرياح عن مسارها فلا تحمل بخار الماء الكافي لسقوط الأمطار الملاءمة.. وهي تغيرات طبيعية تحدث بصورة دورية غير ثابتة لا يرجعها الخبراء إلى أسباب محددة، وهذا ما حدث لأفغانستان منذ 3 سنوات، حيث قلَّ سقوط الأمطار بشدة بسبب الرياح الموسمية الجافة، وقلَّة سقوط ثلوج الشتاء.
يزيد من حجم المشكلة.. حفظ المياه بصورة تقليدية غير محدثة.. وبسبب الخلل الشديد في نظم الريّ، فإن نصف الأماكن التي كان يصلها مياه الري.. لا تصلها الآن.
وأدَّى ذلك بدوره إلى التأثير بشدة على المياه الجوفية، وجفَّت مياه كثير من البرك في أنحاء البلاد، فعلى سبيل المثال 520.000 بركة في أندهرا مُلِئت بالطمي وجفَّ ماؤها، وكذا 43.000 بركة أخرى في كارنتاكا أصابها ما أصاب مثيلتها في أندهرا.
يزداد الأمر تعقيدًا حينما تغلق الدول المجاورة حدودها في وجه الأفغان، كما حدث بعدما أغلقت باكستان، وإيران، وطاجكستان حدودها بعد العقوبات الدولية الأخيرة، وأصبح الأفغاني المسكين يدور في دائرة مغلقة، ويلجأ من مكان إلى مكان آخر بداخل البلاد، خاصة في المناطق الغربية والشمالية الشرقية؛ ليبحث عن قوت عياله، وظهر ما يسمَّى بظاهرة "نازحي الداخل"، بل إن كثيرين لا يجدون مالاً يتنقلون به فيقبعون في أماكنهم يائسين.
ويزيد الطين بلَّة، نزوح الثعالب والثعابين والخنازير البرية من الصحراء؛ بسبب الجفاف وقتلها لأهل البلاد، وكأنهم كانوا في حاجة لمتاعب أخرى.
هذا زيادة بالطبع على ما يعاني منه الأهالي من نقص حاد في العناية الصحية المخيفة، ومن ثَم انتشار العديد من الأمراض والأوبئة الفتاكة، ومنها الأمراض الناتجة عن المياه الملوثة غير الصحية إذا ما وصلت إلى فم البعض.
ثنائي الحرب والجفاف
وتختلف المناطق في أفغانستان من حيث التأثر بثنائي الحرب والجفاف:
- ففي المنطقة الوسطى.. هناك ما يقرب من 450 ألف شخص (ربع السكان) يتلقون خبزهم من وكالات الإغاثة (WFP,CARE)، ونزح ما يقرب من 108 ملايين شخص من كابول وحدها في الـ 6 إلى 8 سنوات الماضية.
كما يقل منسوب المياه من متر إلى مترين مقارنة بالعام الماضي، وهناك مشكلة حقيقية في أمراض المياه الملوثة وسوء التغذية.
- المنطقة الجبلية الوسطى بها 8 مقاطعات هي الأكثر تضررًا، وتسمى مجتمعة "هارزوجات"، حيث نزح ما يقرب من 30 ألف من وسط "بايمان"؛ بسبب المشكلة الزراعية، ونفوق قطعان الماشية زيادة على الحرب، وهناك ما يقرب من 34 ألف طفل يعانون من سوء التغذية بدرجات متفاوتة، و6 آلاف منهم مدرجون في برامج الغذاء العالمي WFP، ولم تجد هذه المقاطعات أي محصول في النصف الثاني من عام 2001م.
- أما المنطقة الغربية، ففي خلال النصف الأول من 2001م، كان معدل النزوح إلى هيرات 75 عائلة يوميًّا، حتى وصل العدد في الأسبوع الثالث من إبريل إلى 300 عائلة يوميًّا، وهناك الآن 140 ألف نازح في الخيام يعانون من مشاكل عديدة، مثل: قلة الخيام، والعناية الصحية، واللوازم الأساسية.
- المنطقة الشمالية تسجِّل حالات عديدة من موت الأطفال والأمهات صغيرات السن في المعسكرات، ونزح ما يقرب من 100 ألف شخص، حيث تشتعل الحروب الأهلية هناك فضلاً عن الجفاف، وانهارت الزراعة في جاوزان، وسامنجان، وفارياب، وتُرْوى 35 إلى 45% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة في الجانب الشرقي.
- المنطقة الشمالية الشرقية: تعاني من ارتفاع شديد في أسعار السلع يصل إلى 10 أضعاف، وتسجل حالات ملحوظة من الشلل؛ بسبب أكل الأعشاب الضارة، وتعترف الأمم المتحدة بوجود خلل كبير في المساعدات هناك.
- في المناطق الشرقية يقف 10 آلاف على حدود باكستان (قبل حرب أمريكا)، وانخفضت احتياجات الطعام الأساسية للعائلة إلى 70%، كما ارتفع نسبة المتسولين من الأطفال والنساء بصورة ملحوظة.
- في المنطقة الجنوبية، هناك تحسن طفيف في 2001م نسبة إلى العام الماضي، إلا أن 23 ألف عائلة نزحت من صحراء ريجستان ولم يرجع منهم إلا حوالي 20% فقط. فقد الفلاحون 90% من قطعانهم، ويتداين 90% منهم لشراء الحبوب والسماد.. وهو ما يزيد الأمر وضوحًا، فإن نهر الهيلمند الأساسي يقطع سيرًا على الأقدام في بعض المقاطعات الجنوبية.
في محاولة لتطويق المشكلة
إستراتيجيات وكالات الإغاثة في أفغانستان تتمثل في:
- التأكد من توفير الطعام اللازم للناس في ديارهم حتى لا يضطر أحد للنزوح.
- توفير ما يلزم لمعسكرات اللاجئين.
- توفير مياه شرب صالحة.
- عناية صحية ملائمة.
- الاهتمام بالبنية الزراعية.
- توسيع دائرة أعمال الإغاثة.
تعتمد هذه الوكالات على الحمير والتي تستطيع قطع مسافات طويلة بالساعات والأيام لحمل الطعام والماء، كما تعتمد على الشاحنات التي تجد صعوبة كبيرة في التنقل داخل أفغانستان خاصة في الشتاء؛ بسبب الثلوج التي تغلق كثيرًا من الطرق (مثل ممرات الأودية في كابول)، وبسبب الحرب التي تغلق طرقًا أخرى كثيرة، وقد تقطع مسافة 140 ميلاً في 4 أيام.
إلا أن الكثيرين يعترفون بأن المساعدات الدولية هزيلة لا تفي أبدًا بالمطلوب، ومنهم طالبان والتي طالما اتهمت الأمم المتحدة بالتقصير في حق المشكلة الأفغانية، وتحاول جاهدة توصيل صهاريج المياه بالهليكوبتر إلى الأماكن المنكوبة.
من جهة أخرى.. تلقي الأمم المتحدة بالاتهامات على طالبان بأنها رأس المشكلة، وتقحم الخلاف السياسي في مساعداتها الإنسانية للشعب الأفغاني.
معركة الخبز والكبرياء
والآن يفتح العالم صفحة جديدة مع أفغانستان، وخاصة شمالها.. ففقراء الشمال أسعد حظًّا من فقراء الجنوب.. وتتدفق الأموال والمساعدات في محاولة لكسب الأفغاني البسيط إلى صفِّ أمريكا ضد طالبان.. مُلوِّحَة له برغيف الخبز الأمريكي الذي سقط هو الآخر من الطائرات الأمريكية التي قد تحمل القذائف في وقت لاحق. ومعروف عن المواطن الأفغاني كبرياؤه وإخلاصه فترى من ينتصر في معركة الخبز والكبرياء؟
تأمل معي أرقام المساعدات قبل وبعد 11 من سبتمبر لتعلم أبعاد المعركة:
- في 9 مايو 2000م، الأمم المتحدة تطلب 108 ملايين دولار فورًا لمواجهة مشكلة أفغانستان كدفعة أولى.
- في يوليو 2000م الأمم المتحدة تطلب 67 مليون دولار أخرى للمساعدة، إلا أنها تلقَّت بكل أسف 200.000 فقط، برغم أن ربع شعب أفغانستان يعتمد على المساعدات.
- أما في 28 سبتمبر 2001م كوفي عنان يحدد 584 مليون دولار لمساعدة الأفغان الذين يواجهون ندرة الطعام والمياه.
- في 3 أكتوبر.. وصل من اليونسيف وبرنامج الغذاء العالمي آلاف الأطنان من القمح، ووصلت مساعدات إنجلترا إلى "مشهد" شرق إيران على الحدود وبها 400 خيمة، بمعدل 20 فردًا في الخيمة الواحدة للحماية من برد الشتاء، كما وصلت طائرة تحمل 45 طنا من الغطاء إلى بيشاور الباكستانية.
- أما أمريكا.. فقد خصَّصت 320 مليونًا للمساعدات، وأسقطت 35.000 حزمة طعام على جوعى الشمال.
- كما خصَّصت شاحنات لنقل 200 طن من المواد الغذائية للشمال، وخصص 4 آلاف حمار (بالمقارنة بـ 700 من قبل)؛ لنقل المساعدات على ظهرها.. هذا فضلاً عن مساعدات روسية وفرنسية.
حينما ترتبط لقمة العيش في فم ولدك بمذهبك السياسي أو الديني تكون المأساة التي تظهر لنا في أفغانستان.. تلك الدولة التي تجمعت عليها الكوارث بأنواعها:
بلاد إسلامية بمساعدات هزيلة.. جفاف، وجوع، وعطش، وفقر، وثلوج، وطرق وعرة، وحروب أهلية، وحيوانات مفترسة، وأمراض،... وأخيرًا أمريكا.
|