English

 

الثلاثاء. فبراير. 13, 2001

علوم و صحة » علوم » هندسة وراثية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الثورة البيولوجية ..هل تدخل إلى القمقم؟

حسام تمام

Image

   حالة انبهار بالثورة البيولوجية تسود الأوساط العلمية في عالمنا العربي والإسلامي، معظم اهتمامها منبعث من كيفية اللحاق بهذه الثورة، وامتلاك أسبابها والاستفادة من تطبيقاتها وإنجازاتها العلمية الهائلة، والقليل منها فقط هو الذي يحاول البحث في آثارها الاجتماعية والثقافية، ويسعى لوضع إطار أخلاقي وقانوني يضبطها، ويحول دون أن يتسبب في كارثة إنسانية، خاصة بعدما أشيع عن اتجاه بعض المراكز العلمية في الغرب لتطبيق بعض تقنيات البيولوجيا والاستنساخ تحديدًا على الإنسان، وما يتردد من إمكانية التلاعب بالأجناس البشرية بعد النجاح في اكتشاف الخريطة الجينية للإنسان.

من المحاولات القليلة والرائدة ذلك المؤتمر الذي نظمته اللجنة العلمية بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر تحت عنوان "القانون وتطور علوم البيولوجيا".

المؤتمر عقد للبحث عن إطار أخلاقي وثقافي للثورة البيولوجية المتنامية، وسد الفجوة الهائلة بين التطورات السريعة للثورة البيولوجية والتطبيقات المتولدة عنها وبين القوانين والتشريعات المعمول بها في العالم العربي والإسلامي، وربما كانت من المرات القليلة في مؤتمراتنا العلمية أن يتحاور علماء البيولوجيا وفقهاء القانون وعلماء الدين وأساتذة الفلسفة والأخلاق على منصة واحدة في محاولة لوضع المارد البيولوجي في القمقم قبل أن تفقد البشرية السيطرة عليه.

أعمال المؤتمر والأوراق والبحوث التي نوقشت فيه على مدار يومين هي مدة المؤتمر، نجحت في تغطية معظم جوانب القضية وعالجت أبعادها المختلفة، واقترحت على الأقل تصورات حلول وأحيانا حلولا كاملة لكثير من المشكلات التي واكبت الثورة البيولوجية.

وعلى اختلاف الآراء والأفكار اتفق الجميع في نقاشات المؤتمر وبعده على أن عالمنا العربي والإسلامي يعيش حالة من الثبات القانوني والتشريعي في مواجهة تطور هائل ومستمر للعلوم البيولوجية، يجب أن يستأثر بجهود تشترك فيها كل التخصصات العلمية والفقهية والقانونية والاجتماعية من أجل تقليص الفجوة إن لم يكن سدها كاملا، وبدا الجميع مستنفرا لهذا الغرض، وخاصة علماء الدين الإسلامي الذين كانوا مهمومين بإشكالية تنزيل النصوص الدينية على الواقع البيولوجي المتغير بما يتفق والقول بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.

الحصر المبدئي للقوانين والتشريعات المتعلقة بتقنيات العلوم البيولوجية أكد أن معظم هذه التقنيات لم تصدر تشريعات تضبطها أو تعالج آثارها، وما يترتب على استخدامها حتى المعروف منها والمعمول به منذ فترة طويلة في عالمنا الإسلامي، مثل التلقيح الصناعي الذي لم تصدر قوانين أو تشريعات تنظمه إلى الآن؛ فالمسئولية المباشرة في حالة اختلاط الحيوانات المنوية عند التلقيح الصناعي غير محددة.

وما زالت المراكز الطبية التي ترتكب هذه الجريمة غير مسئولة جنائيًّا عنها ولا تتجاوز أن تتحمل مسئولية أدبية فقط، كما لم تحدد إلى الآن الكيفية التي يتم بها تحديد بداية الحمل؛ هل عند إتمام التلقيح أم بمجرد نقل البويضة، كما أن وصف الأم في عملية التلقيح الصناعي غير واضح أو محدد فعلا، هل هي الأم صاحبة البويضة أم الرحم أم الموضع؟!.

كذلك لم تصدر تشريعات وقوانين منظمة لما يتعلق بالبصمة الوراثية والاستنساخ، وغيرها من تقنيات البيولوجي. خمسة عشر بحثا ناقشها المؤتمر دارت كلها حول قضايا الاستنساخ وزراعة ونقل الأعضاء والتصرف فيها، والوسائل الحديثة في الإخصاب وعلاج العقم، والموقف من التكنولوجيا الحيوية، وحماية حقوق الإنسان المرتبطة بالمعطيات الوراثية.

البصمة الوراثية ودعاوى إنكار النسب

ماذا لو ساورت الشكوك زوجًا في أن زوجته خائنة ونسبت إليه ولدًا غير شرعي دون أن يكون معه على ذلك دليل؟هذا السؤال مشكلة تواجه عشرات الآلاف من الأزواج الذين لا يجدون في الغالب حلا سوى اللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى إنكار النسب، والتي تنتهي فيها محاكم الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية إلى تطبيق أحكام اللعان وفق المذهب الذي تتبعه.

وقد وصل عدد الدعاوى المرفوعة لإنكار النسب في المحاكم المصرية وحدها إلى 120 ألف دعوى يرفض أصحابها الاعتراف بالنسب الشرعي لأبنائهم، ولم يحدث تطوير لقانون الأحوال الشخصية الصادر عام 1929، رغم التغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع وقيم وتقاليد الزواج فيه، ورغم ظهور واستحداث تطبيقات علمية للثورة البيولوجية التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين، والتي يمكن الاستفادة منها في نظر وإثبات النسب في مثل هذه القضايا.

بعض المحاكم العربية اعتمدت في نظر دعاوى النسب على أبحاث الدم، لكن اشترطت في ذلك طلب صاحب الدعوى (الزوج) الاعتماد على نتيجة بحث الدم في دعواه، وكانت هناك مشكلة في أن نتائج أبحاث الدم كانت تقدم دليلا قاطعًا لنفي النسب فقط، ولم تكن تفيد كدليل إثبات مؤكد للنسب، أي أنها كانت واقعيا تفيد الرجل صاحب الدعوى في إنكار نسبة الولد له فقط دون أن تفيد في إثباته.

لذا، فقد كان الزوج يتقدم للمحكمة بطلب إجراء فحص للدم واعتماده حين تكون نتائج هذا التحليل لصالحه فقط، في حين يتجاهل هذا الطلب إذا كانت النتائج غير مؤكدة للنفي، بل وربما يلجأ إلى رفض طلب فحص الدم في هذه الحالة، وتكون المحكمة وقتها ملزمة بالاستجابة لطلبه وإلا اعتبر رفضها إخلالا بحق الدفاع تبعا لقاعدة أن صاحب الدعوى غير ملزم بدليل في غير مصلحته مما يستوجب معه نقض حكمها فيما بعد.

وهو ما يعني واقعيا أن الزوجة حتى ولو كانت عفيفة وبريئة مما يرميه به زوجها، فلن تجد في نتائج فحص الدم أي سند لنفي دعوى زوجها بإنكار النسب، بل كان أقصى ما تصل إليه هو مجرد احتمالات غير مؤكدة لا تؤدي بالمحكمة إلى الاقتناع بصحة موقفها.

لكن هل يمكن أن يستمر الحال على ما هو عليه رغم القفزة الهائلة في العلوم البيولوجية؟.

والأبحاث العلمية تؤكد أن الثورة في مجال الهندسة الوراثية أوجدت معطيات علمية جديدة قلبت موازين ونتائج أبحاث الدم، بحيث أصبح بالإمكان عبر فحص الحمض النووي لأي إنسان الوصول إلى ما يعرف بالبصمة الوراثية الخاصة به، والتي تحمل كل صفاته الوراثية وتبقى ملازمة له مدى الحياة دون أن تتشابه مع البصمة الوراثية لأي إنسان آخر.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن هذه البصمة التي يمكن معرفتها عن طريق فحص الحمض النووي لأحد المواد السائلة في الجسم كالدم أو اللعاب أو المني أو أحد أنسجة الجسم كاللحم أو الجلد أو أي مادة أخرى من الجسم كالشعر أو العظم، يمكن أن تكون دليل نفي ودليل إثبات أيضا في كل المجالات التي يتعين فيها تحديد الشخصية وعلى رأسها الجريمة، حيث يمكن الوصول للمجرم الحقيقي في أي جريمة عن طريق الربط بين بصمة الحمض النووي للمتهم وبين بصمة الحمض النووي الموجود في الأثر الآدمي المتروك مكان الجريمة.

هذا التطور المهم دفع بعض القانونيين إلى المطالبة باعتماد دليل البصمة الوراثية ونتائج أبحاث الدم المتعلقة بها في مجال النسب أيضا، بعد أن أصبح من الممكن عن طريق دراسة توافق الصفات المميزة الموجودة في الحمض النووي للأم وتلك الموجودة في الحمض النووي للطفل الوصول إلى تركيبة لا توجد إلا عند شخص واحد فقط هو الأب الحقيقي أو البيولوجي للطفل، وهو ما يعني أنه إذا وجدت هذه التركيبة عند المدعي بإنكار النسب فهو يعني بما يقترب من اليقين أنه كاذب في دعواه، وأنه هو الأب الحقيقي الذي كان منه الطفل، وبذلك لم تعد نتائج أبحاث الدم قاصرة على كونها دليل نفي فقط، في دعاوى النسب وإنما صارت أيضا دليل إثبات لا يرقى إليه الشك.

د/محمد أبو زيد أستاذ القانون المدني المساعد بكلية الحقوق جامعة عين شمس بمصر، أعد دراسة شاملة تقدم بها إلى المؤتمر عن هذا الموضوع بعنوان: "دور التقدم البيولوجي في إثبات النسب"، انطلق فيها من ضرورة الاستفادة من البصمة الوراثية في نظر القضايا والدعاوى القانونية الخاصة بإثبات النسب، فطالب في دراسته بتطوير التشريعات والقوانين المعمول بها في محاكم الأحوال الشخصية في قضايا اللعان بحيث تراعي التطور الذي طرأ على أبحاث وفحوص الدم بحيث تصبح نتائجها معتمدة كدليل إثبات للنسب أيضا، بالإضافة لكونها دليلا للنفي خاصة مع درجة صدقها التي تقترب من اليقين.

وهو ما يعني في رأيه إعادة النظر في قانون اللعان على هيئته المستقر عليها، والتي ينتهي فيها الحكم بالتفريق بين الزوجين وإلحاق نسب الولد بأمه بصرف النظر عن صحة دعوى الرجل؛ إذ يظل التمسك بإلحاق نسب الولد بأمه حتى في حال إثبات نتائج فحوص الدم صحة نسبه لأبيه ليس ظلما للمرأة وخلطا للأنساب فحسب، بل وإهدارا لأدلة علمية لا يصح شرعا ولا قانونا أن تهدر، خاصة إذا كانت لا تتجافى مع أحكام الشريعة؛ لأن ثبوت النسب في الفقه الإسلامي قائم على مراعاة الشرع من ناحية والأخذ بالضرورات العلمية من ناحية أخرى؛ ومن ثم فهو يعتبر بالدليل العلمي.

ويرى د/أبو زيد أن هناك سوابق تشجع على اعتماد ذلك، أخذ فيها المشرع (كالمشرع المصري مثلا) بالنتائج العلمية في تعديلاته على أحكام المذاهب الفقهية المعمول بها، ومن أبرزها تعديل أحكام المذهب الحنفي التي كانت تحدد أقصى مدة للحمل بعامين، وجعل عام واحد على الأكثر، بعد أن أثبتت النتائج العلمية استحالة بلوغ مدة الحمل عامين، واكتفى بالعام الواحد فقط استيعابًا لجميع الحالات النادرة التي قد تزيد فيها مدة الحمل عن تسعة أشهر.

ويؤكد د/أبو زيد أن هناك دولا كثيرة أخذت فعليا بنتائج فحوصات الدم، واعتبرتها وسيلة للإثبات لا تقبل الشك، مثلما فعل القضاء الفرنسي الذي اعتمد نتائجه في المنازعات القضائية الخاصة بتنازع النسب وإثبات البنوة الطبيعية…إلخ.

لكن التشريع المقترح ربما يواجه بعقبات قانونية قد تسمح بالإفلات من الخضوع لفحص الدم واختبارات الوراثة، خاصة حين يكون صاحب الدعوى سيئ النية، وأهمها القاعدة القانونية التي تقضي بعدم جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه، والمبدأ القانوني الذي يؤكد معصومية الجسد.

ومن ثم يقترح د/أبو زيد أن تُراعى هذه العقبات من خلال التأكيد على اتباع روح الشريعة الإسلامية وجوهرها، والتي تدعو إلى حفظ الأنساب من الاختلاط، وعدم تضييع الولد، ويؤكد أن التشريع المقترح أقرب للأصل المقرر في الشريعة وهو الولد للفراش، ومؤقتًا يدعو أبو زيد القضاء إلى الاعتراف بالنتائج العلمية لأبحاث الدم، والعمل بها لحين صدور التشريعات المقترحة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم