|
ألقت الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية يوم الثلاثاء 11 سبتمبر الجاري بظلالها على كل شيء في أمريكا.. وفي أمريكا المتقدمة وبلد التكنولوجيا الأول هناك من يكيل للتكنولوجيا المديح، ويزجي لها آيات الشكر، وهناك من يلعنها؛ لأنها هي التي أوصلتهم للحال التي هم عليها الآن.
فإذا كان الأمريكان حمدوا الله على نعمة البريد الإلكتروني؛ لأنه مكنهم من الاطمئنان على الأقارب والأصدقاء، ومكنهم من طمأنة غيرهم عليهم، فهاهم يلعنون التكنولوجيا ومن يستغلها، ويخدعهم؛ ليحصلوا منهم على المال بدعوى التبرع لمد يد العون إلى الذين دهمهم الخطب الجلل من أهالي نيويورك وواشنطن.
وراحت المباحث الفيدرالية الأمريكية تفتش بقدر ما تطيق في البرد الإلكترونية عن أي دليل يمكن أن يقود إلى الجناة الذين ارتكبوا تلك الفعلة، وأطلقت يدها في أكبر الشركات التي تزود بخدمة البريد الإلكتروني، وبينما تحث خطى البحث والتفتيش تمتدح الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال؛ لأنهما قد يمدانها بخيط يوقع بالجناة، فهي تلعن في نفس الوقت البريد الإلكتروني والتكنولوجيا اللذين يسرا للإرهاب أن يتواصل عبر قارات المعمورة الخمس، وما أصعبها من مهمة إذا كان عليها أن تقتفي أثر الجناة في كل القارات.
نجاح اتصالاتي بعد الكارثة
وبعيدا عن المدح والذم، فقد أثبتت تلك الأحداث أهمية الإنترنت كوسيلة اتصالات فعالة في الطوارئ والكوارث، فما إن وقعت الواقعة حتى هرع الناس إلى التليفونات العادية والجوالة للاطمئنان على ذويهم أو طمأنتهم، إلا أن الشبكات التي تدعم كليهما سقطت تحت ثقل كثافة الاتصالات التي أجريت في هذه الأثناء، ولم يبق أمام الناس إلا المكاتب التي تتصل بالإنترنت بتقنية الـ leased_line كي تتمكن من الاتصال، بل إن بعضهم لجأ للويب لعمل المكالمات التليفونية كوسيلة بديلة للتليفونات المعتادة، وذلك من خلال المرسال الفوري instant messenger وغرف الدردشة.
وصمدت الإنترنت ونجحت ولم تسقط شبكاتها مثل غيرها من شبكات الاتصال، والسبب في ذلك أن الإنترنت أعدت بطريقة أكثر مرونة؛ إذ تتم الاتصالات عبرها بطريقة ذكية تمكنها من الالتفاف حول أي اختناق أو كثافة عالية مهما بلغت كثافة تلك الاتصالات، بينما ينبغي على خطوط التليفونات العادية المرور عبر شبكات محددة، وكذلك الهواتف المحمولة تتم اتصالاتها عبر عدد محدود من هوائيات الراديو.
بل في بعض الظروف قد تستغل موارد شبكة الإنترنت لعدة بلدان في إتمام الاتصالات المحلية في بلد آخر، وهو ما مكن الإنترنت من الصمود والعمل بكفاءة، بينما تداعت شبكتا التليفونات الأرضية والمحمولة، ونذكر أن الإنترنت صمّمت ابتداء؛ لإمداد القوات المسلحة الأمريكية بشبكة الاتّصالات يمكنها العمل والنجاة من أي دمار قد يلحق بوسائل الاتصال الأخرى.
فمواقع الإنترنت يمكنها أن تذيع المعلومات المهمة أثناء حالات الطوارئ، وهو ما استغله أهالي نيويورك أثناء وقوع الكارثة؛ حيث دشنوا بسرعة موقعا على الإنترنت لحصر المفقودين بعد انهيار مبنيي مركز التجارة العالمية، وهو ما دعا منظمات الإغاثة إلى الإشادة بالإنترنت، ووصفوها بأنها قد أصبحت أداة قوية، كذلك كان موقع إنترنت الصليب الأحمر الأمريكي وسيلة اتصال رئيسية وفّرت عليهم الكثير من المجهود فيما يخص مسألة الاتصالات وكان على مستوى الحدث.
الأخبار من شهود العيان ونجاح إعلامي
وإذا كانت الإنترنت قد نجحت كوسيلة اتصال أثناء الكوارث في بلد كالولايات المتحدة الأمريكية، فهي لم تخفق في اختبارها كوسيلة إعلامية، ففور وقع الكارثة اجتاح طوفان من الزوار مواقع الأخبار على الإنترنت مثل محطة CNN ،وBBC والتي أمدت الزوار بخدمات إخبارية ديناميكية تختلف نوعيا عن البث الميكانيكي للأحداث على شاشة التلفاز، بالإضافة إلى تنوع وغزارة المادة المعروضة على صفحاتها مقروءة ومسموعة ومرئية في نفس الوقت، وتتيح آنيا اختيارات عدة للمتلقي بدلا من مادة واحدة مفروضة عليه من قبل التليفزيون.
والنجاح الأكثر بروزا من الناحية الإعلامية ظهر بعد لجوء الكثير من مستخدمي الإنترنت إلى القوائم البريدية mailing lists كوسيلة بديلة لتلك المواقع الإخبارية التي ناءت تحت ذلك الثقل، فلم يستطع أكثر من 57% من زوار الـ "بي بي سي" الوصول إلى موقعها على الإنترنت، وأصبح الوصول للموقع أبطأ كثيرا عن المعتاد، وبشكل وصفه القائمون عليها بأنه أفظع من البطء الذي تسببت فيه دودة code red.
المثير في الموضوع أن سرعة الأفراد العاديين في تغطية الأحداث المتلاحقة باستخدام الإنترنت، لم تقل عن سرعة أطقم التليفزيون التي تبث إرسالها حيا من مواقع الأحداث، فقد كان شهود العيان يرسلون عبر مواقعهم الشخصية تقارير فورية عما يقع، نافست بعض الشيء المحطات التليفزيونية.
إخفاق قبل الكارثة
والنجاحات التي حققتها تكنولوجيا الاتصالات بعد وقوع الواقعة، وإن استحقت الثناء والشكر، لم تشفع للتكنولوجيا عامة وتكنولوجيا الاتصال والاستشعار والمراقبة، ولم تعفها من السؤال، فإن كان الدور الهام الذي قامت به الإنترنت كوسيلة اتصال وكوسط إعلامي محل تقدير، فإن وقت الحساب قد حان، وإن سؤالا مُهمًّا يطرح نفسه بقوة وإلحاح، وهو: لماذا فشلت تكنولوجيا التجسس والاستشعار في إعطاء أي تحذير سابق؟
والإجابات في اعتقاد بعض المحللين تتركز في الاعتماد المفرط في المراقبة والتجسس على التكنولوجيا، وإهمال استثمار العنصر البشري في مجال الاستخبارات، الأمر الذي أدى إلى نقص مأسوي في الحيطة والحذر الواجب اتخاذهما، فقد كان الاتجاه السائد في السنتين الماضيتين يركز على استشعار الإشارة signal وليس على التجسس والتنصت البشري.
فبرغم إدارة الولايات المتحدة لشبكة المراقبة الدولية المتطورة والبالغة التعقيد المعروفة بـ "إيشلون" بالتعاون مع بعض الأمم الغربية الأخرى، وكذلك نظام كارنيفور carnivore الذي يتنصت على البريد الإلكتروني حول العالم، وغير ذلك من وسائل التجسس والمراقبة التي تعتمد كليًّا على التكنولوجيا المتقدمة، فإن أيًّا منهم لم يُفلح في الإنذار بوقوع الحادث الجلل الذي ألم بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي يجدر الإشارة إلى أن بعض الحيل البسيطة يمكن أن تصيب "إيشلون" هذا بالدوار.
تكنولوجيا ركوب الموجة واستغلال الكارثة
وبجانب العجز الذي أثبتته شبكات التجسس الكونية، هناك الفشل الذي مُنيت به أجهزة الكشف عن الأسلحة في الطائرات، فلما تناهت أنباء عن استخدام المختطفين لسكاكين وأدوات بدائية في إخضاع الطائرات لهم، سارعت بعض الشركات التي تنتج أجهزة الكشف والتحري بالمطارات بعرض ما أسفرت عنه نتائج آخر أبحاثها في ذلك المجال، في تجاهل واضح لسبب المشكلة الرئيسي وهو الارتماء في أحضان التكنولوجيا وحدها، وهو ما يجسد تكرارا واستمرارا لنفس الخطأ.
وتعللا بأن هناك بعض الأسلحة والسكاكين ليست معدنية، ومصنوعة من مواد لا تكشفها أجهزة رصد الأسلحة المعدنية، نشر موقع abcnews تحت عنوان تكنولوجيا جديدة تدعم أمن المطارات ما يشبه الترويج والتسويق لمنتجات بعض الشركات العاملة من تقنيات الكشف والتحري بالمطارات؛ منها ماكينة جديدة تستخدم أشعة إكس بطريقة غير تقليدية حيث تخترق الملابس والجلد واللحم بضعة مليمترات من جسد المسافر، وبينما تنعكس من الملابس وأنسجة الجسم إشارات ضعيفة، فإن الأشياء الأصلب من عملات وأسلحة وسكاكين حتى ولو كانت غير معدنية تعكس الأشعة في شكل إشارات قوية تقوم أجهزة الكمبيوتر بمعالجتها ببرامج متقدمة وترسم صورة لهذه الأشياء، وهي على حد زعم الشركة أقل ضررا من التقنيات المستخدمة حاليا؛ إذ لا يستغرق الكشف سوى ثلاث ثوانٍ.
شركة أخرى عرضت جهازا يستقبل فروق درجات الحرارة المنبعثة من جسم المسافر وهو ما يعطيها القدرة على كشف الأسلحة المخبئة، وهي لا تنطوي على أي ضرر بالمسافر؛ حيث لا تستخدم أية إشعاعات أو موجات في هذه التكنولوجيا "غير الضارة"، وطبعا نردد "مصائب قوم عند قوم فوائد"! فالتكنولوجيا عند هؤلاء تستحق اللعن والذم، وعند أولئك أهل للمدح والحمد.
كاتب في الشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم وتكنولوجيا oloom@islamonline.net
|