|
يعتقد خبراء الحرب البيولوجية الأمريكيون أن احتمال وقوع هجوم إرهابي جديد على نطاق واسع لم يعد ضربا من الخيال، بل أصبح خطرا جسيما وشيكا ينتظرون وقوعه في أي لحظة.
ومازال الخوف من انتشار الإصابات بداء الجمرة الخبيثة يسيطر على وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الأمريكية، ويثير الفزع في عدد من بلدان العالم، التي انتشرت فيها التحذيرات من إصابات مماثلة رغم عدم ثبوت شيء من ذلك حتى الآن.
وما تزال إمكانات الكشف عن وقوع هجوم حيوي أو كيماوي مقتصرة على المختبرات العسكرية، وتعتمد على تقنيات متعددة ومعقدة، كما أن الوقاية منه عسيرة للغاية؛ لاستحالة تقدير مكان وزمان وقوع هجوم كيماوي أو جرثومي، وصعوبة تحديد طرق انتقال العدوى وانتشارها.
وتستعين الحكومة الأمريكية حاليا بأمهر الخبراء العسكريين والسياسيين وبأشهر المتخصصين في علوم الكيمياء والبيولوجيا والمعلوماتية وغيرها من العلوم، وحتى كتاب السيناريو بهوليود؛ لإعداد خطط للتنبؤ بسيناريوهات الهجمات البيولوجية أو الكيماوية المحتملة وذلك لإعداد طرق وآليات للوقاية منها، ويعكف الخبراء حاليا على دراسة كافة التفاصيل بكل دقة. ويعتمد هؤلاء على التقدم المتسارع في عدد كبير من التقنيات الحديثة لابتكار منظومات إستراتيجية متكاملة للاستشعار والإنذار المبكر والتحذير من عمليات الإرهاب البيولوجي.
وسنعرض في هذا المقال لأهم ثلاث جبهات يتم تطويرها حاليا للتنبؤ وللوقاية من الإرهاب البيولوجي:
تحسين وسائل تمييز جراثيم الأمراض الفتاكة
تتميز الأسلحة الجرثومية عن الكيماوية بطول مدة مفعولها وازدياد تأثيرها مع مرور الوقت، وجرثومة الجمرة الخبيثة –على سبيل المثال- يمكن أن يستمر مفعولها لمدة أربعين عاما، والعلاج منها ممكن في الفترة الأولى من وصولها إلى جسم المصاب وقبل أن تظهر أعراض الإصابة عليه. ولذلك فلا تكفي مواجهة استخدام الأسلحة الجرثومية بعد ظهور الأعراض، بل لا بد من إجراءات وقائية واسعة النطاق فور ظهور علامات تشير إلى وجود ما يوصف بالهجوم الحيوي أو الجرثومي، مثل وقوع إصابات ووفيات بنسبة أعلى من المعتاد، أو رصد عمليات رش مساحيق أو محاليل أو لدى ظهور أعراض مرضية معينة عند نسبة عالية من السكان في وقت واحد.
وكان العديد من التقنيات الحديثة في هذا المجال تحت التطوير لسنوات طويلة، لكن الاهتمام بتطويرها قد بلغ أشده إثر هجمات 11 سبتمبر ، ولا سيما بعد زيادة إنفاق الحكومة الأمريكية على الأبحاث وتطويرها.
والمختبر النقال الذي يكشف عن الجراثيم المستخدمة في الحرب البيولوجية، والذي لا يزيد حجمه عن حقيبة اليد قد أنتجته شركة "سيفيد" Cepheid الأمريكية منذ عدة سنوات، وتم تأسيس هذا المختبر بعد التقدم الكبير في وسائل اختبار وتحليل الأحماض النووية الخاصة بتشكيلة عريضة من المسببات المرضية، كالجراثيم البكتيرية، والجزيئات الفيروسية، ويمكن لهذا المختبر تمييز المسبب المرضي في غضون 15 دقيقة فقط.
واستخدمت هذه المختبرات النقالة على نطاق واسع لفحص العينات التي يشتبه في تلوثها بالجمرة الخبيثة. ويعيب هذا المختبر النقال أنه لا يفحص سوى العينات السائلة فقط ولا يمكنه فحص التلوث الجرثومي المتواجد في الهواء.
وطبقاً لآراء العديد من الخبراء فمن المحتمل أن يعتمد أي هجوم إرهابي بيولوجي جديد على نثر المسببات المرضية في الهواء المحيط بالمدن والتجمعات السكانية عالية الكثافة، حيث سيكون أكثر ضراوة وأشد فتكا؛ ولذا فمن المهم تصنيع أجهزة قادرة على الكشف عن هذه الملوثات في الهواء، وتقدير كمياتها بسرعة كبيرة.
ويأمل قادة البنتاجون أن يحصلوا على سيارة أو سفينة في غضون الأشهر القادمة يمكن تزويدهما بنظام جديد لاختبار الهواء بشكل مستمر للتعرف على الكائنات والجراثيم الممرضة ونسبة وجودها بدقة عالية في أقل وقت ممكن. وتقوم شركات "ديلاند" و"إنتيليتيك" و"كولومبوس" الأمريكية حاليا بتطوير وتجهيز هذا النظام الجديد.
ويعتمد النظام الجديد على استعمال أشعة الليزر وبرمجيات طورت في مختبر "لينكولن" بمعهد "إم آي تي" ليفحصا الذرات المجهرية الموجودة بشكل مستمر في الهواء.
ويقوم هذا النظام بالفحص التلقائي للجزيئات البيولوجية الموجودة في الهواء، ويقوم الجهاز الكاشف بفصل العينة ويخلطها بالماء، ثم يمررها على أشرطة ورقية تحمل جميع الأجسام المضادة لجميع الكائنات الممرضة المعروفة بتسببها في إحداث عدوي قاتلة. وبعد القيام بتحليل العينات والتعرف على ما بها، يقوم برنامج الكمبيوتر الملحق بالنظام، الذي يعمل ذاتيا، بإرسال البيانات لغرف التحكم والطوارئ بالإدارة المركزية.
ومن ناحية أخرى أعلن مختبر أمريكي ابتكار تحليل للحمض النووي يسمح بكشف الإصابة بالجمرة الخبيثة في أقل من ساعة. وأوضح عالم الجراثيم "فرانكلين كوكريل" الذي توصل إلى هذا التحليل أن "هذه الوسيلة السريعة لاكتشاف الإصابة ستسمح للأطباء بالشروع فورا في معالجة الأشخاص المصابين بالجمرة الخبيثة، وسيطمئن بسرعة الأشخاص الذين لم يصابوا بالمرض"، وستتولى شركة "روش" السويسرية للأدوية إنتاج التحليل وتوزيعه بسرعة على الأسواق. وقال أحد المسؤولين في الشركة: "إن وضع هذا الاختبار في متناول الجميع في غضون فترة وجيزة سيكون مساهمتنا في مكافحة الإرهاب البيولوجي".
كما تقوم شركة "سيفيد" حاليا بتطوير نظامها بحيث يعمل باستخدام رقائق الـ"دي إن إيه" DNA chips التي يمكنها تمييز البصمات الوراثية لمئات من الأحياء الدقيقة الممرضة والمستخدمة في الحرب البيولوجية.
الإنذار المبكر وتطوير نظم المراقبة الحيوية
تقوم الإدارة الأمريكية حاليا بتطوير نظم المراقبة الحيوية بها عن طريق ابتكار طرائق جديدة لتجميع ومعالجة البيانات لسرعة الاستشعار أو التنبؤ بقرب وقوع الهجمات الإرهابية.
وتعتزم إدارة شبكة مترو الأنفاق في العاصمة الأمريكية تركيب مجسات قادرة على رصد المواد الكيماوية السامة في الشهر المقبل في محطتين من محطات المترو. ويقوم جهاز في حجم صندوق أحذية بامتصاص الهواء باستمرار وتحليله، وحين يرصد وجود واحدة من مواد كيماوية مختلفة، تنطلق صفارة إنذار موجودة في غرفة للتحكم. وكان هذا النظام يخضع للتطوير منذ عامين، إلا أن وتيرة العمل على إخراجه لحيز الوجود تسارعت بشكل كبير بعد هجمات 11 سبتمبر. ووافق الكونجرس على تخصيص 15 مليون دولار لتركيب مجسات مماثلة في عشر محطات أخرى. ويمكن أيضا استخدام هذه المجسات في المطارات ومراكز التسوق وغيرها من الأماكن العمومية الكبرى المغلقة. ولم يكشف عن نوع الغازات التي يمكن لهذه المجسات رصدها، لكن من المؤكد أنه ليس بوسعها الكشف عن آثار المواد البيولوجية. ويؤكد العلماء المشاركون في هذا البرنامج أنه يمكن تطوير مجسات لرصد تلك العناصر في غضون العامين القادمين.
وبدأت وزارة الدّفاع الأمريكية ووكالتا الصحة والطوارئ الإقليميتان في توزيع استمارات استبيان خاصة على المرضى والمترددين على العيادات العسكرية والمستشفيات المدنية، وصممت هذه الاستمارات لاستخدامها في نظم الاستشعار المبكر بأية هجمات إرهابية.
والسبب في ذلك يرجع لأن المسببات المرضية لا تُرى بالعين المجردة، ومن الممكن نثرها بطريقة سرية لا يمكن كشفها عن طريق التقنيات المتوفرة حاليا إلا بعد عدة أيام. ويبدأ الإحساس بوجود مثل هذا الخطر الداهم عندما تظهر أعراض المرض على المصابين من ضحايا الهجمات الإرهابية.
وقامت الإدارة بتجربة لجمع البيانات وتحليلها في شهر يناير 2001م، وقام جهاز كمبيوتر مزود بأحدث البرمجيات بتحليل شكاوى المرضى بشكل سريع إلى سبعة أعراض رئيسية مثل الطفح الجلدي وآلام الحنجرة، وأعراض أخرى تُشير لأعراض مبكرة تنبئ بهجوم بيولوجي.
ويؤدي وجود نظام استبيانات جيد وسريع لدعم واتخاذ القرارات الصائبة والحاسمة لصد أي هجوم بيولوجي بشكل فعال وسريع. ولهذا فكر خبراء الكمبيوتر في استحداث نظام جديد للمراقبة الحيوية Bio-surveillance للإنذار المبكر والتنبؤ بوقوع هجوم إرهابي بيولوجي. وطور هؤلاء أنظمة تحذيرية تعمل كأجهزة إنذار، ويمكنها ملاحظة مؤشرات مبكرة لهجوم بيولوجي، مثل زيادة الشكاوى من أعراض مرضية معينة مثل الطفح الجلدي، والحمى، والسعال والمشاكل المعوية، إلى الزيادة الواضحة في أعداد الطلبة المتغيبين عن الدراسة، وإقبال المواطنين على شراء الموالح وفيتامين "سي". ويهدف هذا الحقل الجديد لتجميع وتحليل تشكيلة عريضة من البيانات اليومية للكشف عن الإصابة بأمراض وبائية في الأيام الأولى لحدوثها، وقبل تفشيها وانتشارها لتصيب قطاعا أكبر من المواطنين.
تطوير أدوية جديدة
منذ اكتشاف حالات الإصابة بالجمرة الخبيثة في أمريكا والجدال مستمر بين المطالبة باستخدام لُقاح واق ضد المرض، ورفض ذلك لصعوبته تنفيذه من الناحية العملية في الوقت الراهن، وتتذكر "البنتاجون" أن اللقاحات التي قررتها لجميع أفراد القوات المسلحة عام 1998م وبينهم العناصر التي تتمركز في منقطة الخليج اصطدمت بعقبات غير متوقعة، بعد أن رفض جزء من العسكر وأعضاء في الكونجرس ذلك بسبب ما ظهر من آثار جانبية من الحساسية محدودة الأثر. ومع كل ذلك فإن الولايات المتحدة قد تحتاج سنوات قبل أن تستطيع تطعيم جميع جنودها وتوفير مخزون من اللقاح يكفي جميع أفراد الشعب.
لكن كل هذا الجدال لم يمنع علماء معهد "باستور" في باريس من إجراء تجارب لإعداد لقاح فعال على القوارض المصابة بمرض الجمرة الخبيثة. وتوصل الخبراء بهذا المعهد العريق إلى تطوير لقاحين للبشر والحيوانات. ووضعوا نموذج اللقاح المستخدم في الحالتين استنادا إلى بروتين يدخل في تركيبة المواد السامة في جرثومة الجمرة الخبيثة. ويعتبر نجاح التجربة مهما؛ لأن اللقاح الفعال غير متوفر حاليا للإنسان، ولأن اللقاح المستخدم حاليا في الولايات المتحدة له آثار جانبية ولا يؤمّن مناعة لمدة طويلة. ومن ناحية أخرى، أحرز الباحثون تقدما كبيرا في فهم كيفية مهاجمة البكتيريا المسببة لمرض الجمرة الخبيثة "Bacillus Anthracis" للخلايا المناعية للجسم وطرق مقاومتها، وهو ما يجدد الآمال في اكتشاف ترياق ناجع لهذا المرض المهلك.
وكان فريقان من العلماء في جامعة "هارفارد" قد قاما بأبحاث مكثفة على الفئران لدراسة طرق تطور المرض، وقاما بمحاولة لإيقاف البكتيريا المسببة لمرض الجمرة الخبيثة، ومنعها من دخول خلايا المناعة، ومن المتوقع أن تؤدي النتائج الجديدة إلى اكتشاف علاج ناجع لهذه العدوى القاتلة في الأيام القليلة القادمة. ومن المنتظر أن تلعب تقنيات الهندسة الوراثية دورا مهما في إنتاج تلك الأدوية.
متخصص في علوم الوراثة الجزيئية والخلوية والتكنولوجيا الحيوية، عضو هيئة التدريس بقسم النبات –كلية العلوم– جامعة القاهرة.. يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة oloom@islamonline.net
|