|
سارت الركبان بمثل يقول "لا يحس بالنار إلا كابشها"، حقيقة لا تقبل المراء، لكن أهل الإنترنت لهم في ذلك القول نظر، وما كان مسلمة بالأمس يمكن أن نعصف به اليوم، نقلنا الهمس، وسننقل اللمس.
تخيل أنك دخلت في كشك مزود ببعض المستشعرات التي يمكنها أن تجعلك تحس بأنك تمشي فوق سطح المريخ، وأنت تشعر بذلك شعورا يمنحك الإحساس بما انخفض من أرضه، وما علا، وما استوى، الآن يمكنك أن تدير حاسوبك لترى صورة حية لابنك القادم توا للحياة، وخرج للدنيا في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، لكن في المستقبل القريب ما إن تضع يديك في قفاز خاص حتى تشعر كما يشعر به من يحمله؛ تحس بملمس بشرته فائقة النعومة، وشعره الخفيف، وعندما تأخذ كفه "النونو" في راحتك فسوف تحس طلاوة أنامله الغضة.
خيال.. أليس كذلك؟! لكن العلماء يقولون: إن المراحل الابتدائية من البحث ستقودنا لنصل في النهاية لتطبيقات تسحبنا من العوالم التي تدور الإنترنت في فلكها الحالي إلى دنيا يمكن أن تصل ما انقطع من روابط، وتجلب الدفء المفقود في العلاقات، وتعيد الحميمية الضائعة التي بتتها الحدود، وبتت معها الأسر من خلال التلامس عبر الإنترنت.
بدايات مبشرة
فمثلا يقول الباحثون بجامعة بافلو في نيويورك: إنهم قاموا بتجربة يمكن من خلالها "إرسال" أو "بث" الإحساس بحاسة اللمس عبر الإنترنت، وبرغم أن وظائفها وقدراتها ما زالت محدودة فإنهم يأملون ألا يكون اليوم الذي يتعاون فيه من امتهنوا النحت والتصميم والطب عن بعد مع بعضهم البعض.. ليس ببعيد.
في الوقت نفسه فإن العلماء بالإدارة الوطنية للطيران والفضاء في أمريكا يصلون أجهزة ومستشعرات خاصة بتكنولوجيا اللمس ببعضها البعض عبر شبكات ممدودة في الفضاء وفوق بعض الكواكب؛ بحيث يمكن في النهاية لعلماء الفلك على الأرض -وحتى لبعض الراغبين- لمس حجارة الكواكب، وأن يتواصل رواد الفضاء وهم في المحطات الفضائية التي تدور في أفلاك بعيدة مع أعزائهم باللمس.
"على حد علمنا فإن تقنيتنا هي الوحيدة التي يمكن أن تربط شخصا وآخر باللمس".. هكذا يزهو ويفخر ثينكروزي كيفاداس مدير معهد الواقع الافتراضي بجامعة بافلو.
صحيح.. ما زال الطريق طويلا أمام هذه التقنية حتى تتمكن من نقل الإحساس برمية سهم من قوس مثلا؛ بمعنى أن تحس بمقدار شد الوتر والقبضة على ذيل السهم، وانفراجة الأصابع عن الوتر لإطلاق السهم.
لكن بالفعل نجح كيفاداس هو وفريقه في نقل الإحساس بلين جسم ما وصلابته، وكذلك محيطه، وذلك عن طريق قفازات خاصة مزودة في نهاية أطرافها بمستشعرات مصممة على هيئة "كشتبان"، حيث تنقل الإحساس للأنامل، وأطلقوا على هذه التقنية "Sympathic Haptics"؛ لأنها تمنح المرء الشعور بما يشعر به الغير.
هذه القفازات عندما يضعها شخص في يديه ينتقل ما يشعر به عبر الإنترنت -طبعا باستخدام برامج وعتاد خاص- ثم يتم تحليله وتحويله لبيانات على هيئة "خوارزميات" Algorisms رياضية معقدة جدا؛ أي أنها أصبحت بيانات قابلة للإرسال والاستقبال.
وإذا لبس تلك القفازات شخص آخر متصل بالشخص الأول، فالبرامج والعتاد المشار إليهما يعيدان تحويل البيانات إلى أحاسيس يشعر بها الشخص المستقبل لها عبر الإنترنت.
والحديث عن التطبيقات يتطرق لآفاق شائقة، مثل تعليم الأطفال الكتابة؛ فنحن نعلم أطفالنا الكتابة عن طريق جر يد طفل على الورق وهي تمسك قلما، لكن كيفاداس يعترض على تلك الطريقة؛ لأنها تقف عند حد جر الطفل، ويعيبها التقييد الذي يحسه الطفل، وعدم مطاوعة يد الطفل أحيانا، لكن بالتقنية الجديدة ستتحرر اليدان؛ يد المعلم ويد الطفل المتعلم، وعلاوة على إرشاده على اتجاهات كتابة الحروف صعودا وهبوطا أو يمنة ويسرة، فإنها ترشده إلى مقدار الضغط الذي يجب أن يطبقه على الورق، أثناء كتابة الحرف، فهو يخف مثلا أثناء الاستدارة ويزيد أثناء الاستقامة، وهكذا.
التفاؤل يحدو فريق كيفاداس رغم إدراكهم أن الطريق طويل أمام ظهور تطبيقات معقدة، لكنهم يتوقعون أن ترى الأسواق خلال 3 أو 4 سنوات فقط تطبيقات بسيطة، خاصة في مجال الألعاب الإلكترونية.
ويزيد في طول طريق تقنية نقل الإحساس باللمس أن الإنترنت لها مشاكلها، خاصة المتعلق منها بقدرتها المحدودة حاليا على نقل البيانات، وسرعتها البطيئة نسبيا، مما قد يتسبب مع "الفروق الزمنية" بسبب بعد المسافة في ضياع بعض البيانات الخاصة بالأحاسيس، لكن التحسينات التي ستظهر مع الجيل الثاني للإنترنت سوف تعالج هذه العيوب، وبذلك يمكن التغلب على تلك المشاكل، وكل ذلك له تأثيره سلبا وإيجابا على التقنية التي نتحدث عنها.
شبكة عبر "المجرات"
ندرك أن البعض قد يرى تقنية نقل الإحساس باللمس عبر أرجاء الأرض بالإنترنت ضرب خيال، لكن عندما يشطح بنا الحديث عن إنترنت بين الكواكب "Interplanetary Internet"، يصعب أن نتصور ما الذي يمكن تذهب إليه أذهان هؤلاء.
فعندما سمع الدكتور أدريان هوك -وهو عالم متخصص في معمل الدفع النفاث لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" بكاليفورنيا- عن مسألة نقل الإحساس باللمس عبر الإنترنت، أثارته وتحمس لها.
فالدكتور أدريان يرأس فريقا يبذل جهودا لتطوير معايير قياسية يمكن باتباعها بناء شبكة إنترنت بين الكواكب تربط الأقمار الصناعية السابحة حول الكواكب Galaxy Wide Web، وكل إنسان يدب فوقها، وسفن الفضاء، وأي معدة فضائية أخرى، واستقبال كافة البيانات الواردة من تلك "الفضائيات" عن هوائيات "antennas" عملاقة، طبعا لأغراض علمية.. وعسكرية.
ويقول الدكتور هوك بأن مفهوم التواجد في الفضاء سوف يسود خلال الـ15 عاما المقبلة، ونحن نستقبل بيانات بشكل ما من إنسان يدب فوق المريخ مثلا، لكن باستخدام تقنية الإحساس باللمس، سوف ننتقل لآفاق أخرى، فبدلا من الصورة التي ينقلها "الروبوت" أو حتى الصوت، يمكننا أن نحس -إحساسا- ونحن فوق الأرض بجولاته فوق سطح المريخ و"دبيبه"، نحس بالتضاريس.. صحيح سوف نكون أقرب لبيئة الخيال، ونحن في بيئة تقترب من الخيال الافتراضي، وهي خبرة لها فوائدها العلمية الجمة.
وقد يدفع البعض مثلا 6 دولارات ليمسك بحجر من المريخ "على سطح المريخ" وهو يقف بقدميه على الأرض.
نعود للتحديات التي تعترض المصممين والمبرمجين وهم يخطون خطواتهم الأولى على ذلك الطريق، وأولها "الفروق الزمنية" أو لنقل ببساطة عامل "الزمن"، فالبيانات سوف تنتقل عبر الفضاء السحيق من نقطة إلى أخرى في زمن وليس في التو.
وللتقريب فإن البيانات التي يتم تبادلها على الأرض بشكل "آني" أي في "اللازمان" تقريبا، سوف تحتاج لما يقترب من ثمن ثانية للوصول للقمر، وقد تأخذ دقائق للوصول لكواكب أخرى، وقد تمتد لساعات كلما بعدت هذه الكواكب خاصة التي يتعدى منها مجرتنا؛ مجرة "درب التبانة"، وهذا الوضع يخلق فرصا متزايدة لحدوث أخطاء عديدة أثناء انتقال البيانات.
أضف لما سبق أن الاتصال مع الأرض يحدث فقط في وقت معين، ولا تلتقط إشاراته الهوائيات العالقة في الفضاء إلا في ظروف خاصة، أي أن الاتصال ليس مستمرا في الأربع وعشرين ساعة، والحل الذي توصل إليه هوك هو وفريقه لتلك المشاكل بعد بحث ودرس هو أن تقوم الهوائيات بتجميع الإشارات الواردة من الفضاء وتخزينها على مدار الأربع والعشرين ساعة، ثم يتم إرسالها دفعة واحدة للأرض، ويتم التعامل معها بعد ذلك كما لو كانت تحدث الآن.
دعونا نرجع لما سبق الإشارة إليه في بداية الموضوع؛ أن تشعر وتمسك بحجر على سطح المريخ قد يحدث في غضون عقد، لكن بعد 5 عقود مثلا يصور هوك معاملتنا مع المريخ كما لو كان دولة على سطح الأرض.
هوامش ومصادر:
كاتب في الشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم وتكنولوجيا oloom@islamonline.net
|