|
طب العطارين الذي جربه المحبون لمداواة الهجر، وغنى به المطربون في قصائدهم ومارسه العامة بفطرتهم والخاصة بخبرتهم ..، وكل الناس يعرفونه بالواقع ، وكثير يسمونه "الطب الشعبي" ، هو أصل الطب قبل أن يظهر كعلم وهو دين عند كثير من الشعوب التي تخلطه بالسحر والكهانة، فهو معتقدات وسلوك الناس نحو المرض، والأفكار السائدة حول مسبباته وردود الأفعال التي تبدو في سلوكهم وتصرفاتهم لمواجهته، وذلك خارج نطاق الطب الحديث.
وهو بذلك يمثل جزءًا من نسيج الثقافة الشعبية أو الفولكلور الذي تختلط فيه الخبرة والتجربة الجمعية المتراكمة، كما تختلط فيه الاعتقادات بما قد يشوبها من شوائب وتشوش، وهي بذلك نسق طبي Medical System متكامل يشمل المعتقدات والممارسات.
وقد بدأ الاهتمام بدراسة الطب الشعبي كنظام مختلف في الغرب في إطار الدراسات الأنثروبولوجية، بل إنه يمثل أحد جذور نشأة الفرع العلمي الحديث نسبيًا المسمى بالأنثروبولوجيا الطبية، وقد ظهرت أول دراسة مسحية مقارنة للمعتقدات السائدة لدى الشعوب حول مسببات الأمراض عام 1932، وقدمها كليمنتس Clements واستفاد فيها من 229 دراسة إثنوجرافية (وصفية) سابقة، وقبل ذلك قدم ريفرز Rivers عام 1924 دراسة بعنوان: "الطب والسحر والدين" لفت فيها الأنظار إلى أن الأنساق الطبية الفطرية هي أنظمة اجتماعية تدرس بنفس الطريقة التي تدرس بها سائر الأنظمة الاجتماعية، وأن الممارسات الطبية الفطرية يجب النظر إليها على أنها منطقية في ضوء المعتقدات السببية السائدة.
أما في المنطقة العربية فقد ظهر الاهتمام بدراسة الطب الشعبي كجزء من الاهتمام بالثقافة الشعبية ككل.
مجالات الاهتمام
هناك العديد من الجوانب مناط الاهتمام في دراسة الطب الشعبي وتشمل:
-
الجانب التاريخي:
في ظهور وتطور الطب والتطبيب عمومًا، والطب الشعبي خصوصًا، ومتى ظهرت وضعية الشعبي والرسمي في السياق الغربي وفي السياق غير الغربي، وكذلك وضعية الغربي وغير الغربي، الحديث والبدائي، ومتى ظهرت التعددية في الأنساق الطبية Medical Pluralism في إطار المجتمع الواحد.
-
الجانب الفلسفي:
وهو المتعلق برؤية الشعوب المختلفة لمفهوم الجسد ومفهومي الصحة والمرض وأسباب كل منهما، فالمعتقد الشعبي مثلا يفسح مكانًا كبيرًا للعوامل النفسية والغيبية والسحرية، إلى جانب تلك التي ترجع لأسباب مادية معروفة، سواء كمسببات للمرض أو مسببات للشفاء، وذلك مثل الاعتقاد في العين الشريرة أو الحسد، والكائنات فوق الطبيعية وبخاصة الجن كمسببات للأمراض، كما يعتقد في الرقى والتمائم والسحر والأحجبة كوسائل للعلاج-صحت أم لم تصح- إضافة إلى الاعتقاد في الوسائل الطبية التقليدية، وهذا الجانب الغيبي-غير المادي - من الاعتقادات يحدث فيه الخلط بين الحقائق وبين الظنون والأوهام.
-
الجانب العملي:
ويشمل جميع أشكال الممارسات بما فيها الوصفات الوقائية والجمالية والوصفات العلاجية والممارسات الجراحية، وينقسم هذا الجانب إلى ثلاثة أنواع من الأعمال؛ الأول والثاني وهما الوصفات الوقائية والعلاجية، وهما ما يمكن أن نسميه بلغة الطب الحديث المعالجة التطبيبية الحفاظية أو Conservative Medical Treatment والثالث هو الممارسات الجراحية أو Invasive Surgical procedures.
-
الوصفات الطبية (النوع الأول والثاني): تستخدم فيها كل العناصر التي تتاح في البيئة الطبيعية من نباتات وحيوانات وجمادات، مما أدرك الناس -من خلال تراكم الخبرة على مر الزمان- أن لها منافع صحية في حالات مرضية معينة، وهي قد تستخدم كما هي أو تعالج على نحو معين قد يكون شديد التعقيد، وقد يقصر استخدامها على وقت معين لزيادة فاعليتها أو لضمان نجاح العلاج.
-
الوصفات الوقائية: وهي تنقسم بدورها إلى أنواع متعددة حسب الغرض منها؛ فبعضها ليست له طبيعة طبية واضحة، ولكنها أقرب إلى النصائح أو الوصفات الجمالية العامة Cosmetic ، كما أن هناك وصفات وقائية بالمعنى الدقيق Prophylactic وتكون أقرب إلى النصائح والإرشادات الطبية المتخصصة في الوقاية من أعراض مرضية معينة.
-
الوصفات العلاجية Therapeutic وهي تنقسم بدورها إلى طائفة متنوعة:
-
فبعضها ينطلق من العنصر العلاجي نفسه: فنسمع مثلا عن الخصائص العلاجية للينسون أو لزيت الخروع وكيفية استخدامهما في الحالات المختلفة.
-
وصفات علاجية تنطلق من المرض نفسه: فنقرأ أو نسمع عن وصفات لعلاج الحمى، أو لعلاج الكساح.
-
الممارسات الجراحية: حيث إن هناك بعض الأمراض التي لا يفيد فيها العلاج التقليدي بالعقاقير المعروفة، ومن أمثلة تلك الممارسات: الكي والحجامة، وعمليات العيون، وتضميد الجراح وغيرها.
-
ممارس الطب الشعبي:
ويتم في إطاره دراسة:
الشخص: الذي يحترف الممارسة الطبية سواء كانت سحرية أم طبيعية أم جراحية، والذي يلجأ إليه الشخص بسبب قدرته-أو اعتقاد الشخص في قدرته-على تقدير الحالة المرضية، وتحديد احتياجها للتعامل معها بالوصفات أو الطرق الجراحية أو السحرية، ومن أمثلة هؤلاء الأشخاص حلاق الصحة في البيئة المصرية، و"العشّابين"، أو "العطّارين"، وهناك الطبيب المشعوذ Witch Doctorفي البيئات البسيطة في أفريقيا وفي مجتمعات الهنود الحمر، وهناك أحيانًا شيوخ الطرق الصوفية والقساوسة، وغيرهم.
كيفية التخصص: ويدخل في إطارها كيفية اختيار وتدريب ذلك الممارس، فقد ينتقل التخصص عن طريق الوراثة أو باصطفاء أحد التابعين أو المساعدين أو بالتدريب، والتعهد والإجازة، أو بالادعاء.
العلاقة بين المريض والممارس: بداية من الاعتقاد في الممارس وقدراته، والنظرة إلى الممارس ودوره، مرورا بشكل العلاقة بين المريض والممارس أثناء فترة المرض، وانتهاءً بالمقابل الذي يتقاضاه نظير قيامه بالخدمة.
-
أدبيات الطب الشعبي:
وهي القصص والحكايات والنوادر والمواويل والأراجيز والأمثال والأقوال التقليدية حول الصحة والمرض، أو التي تتحدث عن تغير حال الإنسان بينهما وأسباب حدوث المرض، وبعض أحداث التشخيص أو العلاج والنظرة للطبيب.
-
العلاقة بين الطب الحديث والطب الشعبي:
قبل أن تعرف الدنيا شيئًا اسمه الطب الحديث كان الطب الشعبي هو الطب فقط، ولما دخل ذلك الطب الغربي المسمى بالحديث كل مجتمعات الدنيا بطريقة أو بأخرى، بدأ الطب الشعبي يتراجع في مناطق كثيرة، وبدرجات متفاوتة، لكنه بقي بشكل أو بآخر في معظم المجتمعات، ومن ثم ظهرت الثنائية أو التعددية الطبية Medical Pluralism التي تستوجب نوعًا ما من إدارة العلاقة بين النظم الطبية الرسمية والشعبية، يتم فيها إعادة اكتشاف الطب الشعبي، وتطبيع العلاقات بينهما، ودراسة تجارب هذا التطبيع في المجتمعات الشرقية في الهند والصين على سبيل المثال، والأشكال الجديدة من العلاقات التي بدأت تظهر في المجتمعات الغربية مع ظهور موجات الطب البديل Alternative medicine ليتم الاستفادة بها في المجتمعات العربية التي تعيش حالة من التجاهل التام للطب الشعبي، والنظرة الدونية إليه.
رئيس تحرير موقع نماء (تحت التأسيس) التابع لشبكة إسلام أون لاين.نت ، ورئيس مجلس إدارة الرابطة العربية للإعلاميين العلميين، ويمكنك التواصل معه عبر بريد صفحة العلوم والتكنولوجيا: oloom@iolteam.com
|