English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 30, 2003

علوم و صحة » تكنولوجيا » معلومات واتصالات

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بنجلاديش بين حق الكلام وحق التنصت

هشام سليمان

فلاحة بنجالية معدمة، تتحدث في الموبايل
فلاحة بنجالية معدمة، تتحدث في الموبايل

بالرجوع سنة للوراء، ومطالعة عناوين الأخبار في دكا عاصمة بنجلاديش.. نجد أن نجمها شخص اسمه محمد إسماعيل. أما لماذا تصدر هذا المواطن بؤرة اهتمام الإعلام، وسقط من السماء على كل الصفحات الرئيسية للجرائد وأغلفة المجلات؟ فالإجابة لأنه استطاع الحصول على تليفون..

هذا شيء عادي، لكن غير العادي أن ذلك حدث بعد 27 عاما من الانتظار حتى يحصل على التليفون "المعجزة".. إلى هذا الحد تعد الاتصالات شبه منعدمة في بنجلاديش التي لا نسمع عنها إلا مقترنة بأخبار الفيضانات والكوارث الطبيعية.

ومن أشهر الأخبار شبه الروتينية عن بنجلاديش "غرق العبّارات وعلى متونها المئات"؛ ذلك لأن الوسيلة الأسهل والأكثر شيوعا بين السكان لكي يخاطب أحدهم شخصا في بلدة بعيدة هي السفر إليه. أما أحوال الاتصالات هناك فيمكن إجمالها بأن تتصور أحوالها في بلد متقدم بعد عقدين من اختراع التليفون الذي خرج به للنور جرهام بل.

تقدر الخطوط الأرضية المتوفرة في بنجلاديش بسبعة تليفونات فقط لكل ألف شخص، وهي نسبة خادعة بعض الشيء؛ لأن الخطوط التليفونية الأرضية متوفرة فقط في العاصمة والمدن الرئيسية، مع ملاحظة أن تعداد السكان هناك يقترب من حوالي 138 مليون ونصف المليون نسمة، ينتشر غالبيتهم خارج المدن في القرى النائية في أعماق الريف البنجالي.

جوال.. لكل قرية

هذا الوضع المزري قفزت عليه مؤسسة جرامين للاتصالات بالتعاون مع بنك جرامين المعروف دوليا بقروضه التنموية، وأسسا مشروع تليفون القرية Village Phone ؛ في إطار تجربة فريدة ومتميزة يتم بموجبها منح القرويين في بنجلاديش فرصة الاتصال ببعضهم البعض عن طريق الهاتف الجوال.

تصوروا.. الجوال مرة واحدة! وفي بنجلاديش التي تعدم شبكة اتصالات أرضية متواضعة، أصبح ممكنا الآن لـ50 مليون فلاح بنجالي موزعين على 26 ألف قرية نائية.. إجراء اتصالات مع بعضهم البعض عن طريق الهاتف الجوال!!

المؤسسة صاحبة التجربة تؤكد أن المسألة ليست مجرد "بيزنس"، وأن الأمر في حقيقته "تنمية"، وترفع شعار "التنمية الجيدة هي البيزنس الجيد"، وتقول: إنها أعطت لفلاحات القرى النائية فرصة كسب عائد مادي لم تكن لتتحقق لولا مشروعها؛ لأنها بعد أن مدت معداتها وشبكاتها لتغطية أقاليم بنجلاديش الستة دربت هؤلاء الفلاحات على استخدام الهاتف الجوال بعد تزويده بطريقة لحساب مقابل المكالمات، وكل ذلك مقابل قرض لا يتجاوز 12 ألف تكا (التكا حوالي 0.57$)، وتسديده يتم بطرق غاية في الراحة.

وبشرح أكثر تفصيلا واستنادا إلى دراستين في هذا الصدد تؤكد المؤسسة أن تجربتها أحدثت تأثيرات اقتصادية واجتماعية إيجابية واضحة على "مجتمع الفلاحين" في بنجلاديش؛ حيث وسعت من معارف ومدارك الفلاحين، ووضعت أقدامهم على طريق التعامل مع تكنولوجيا القرن، وغيرت من طريقة تعاملهم مع بعضهم البعض فيما خلق مناخا مناسبا للوقوف على أساليب اللياقة الاجتماعية (الإتيكيت).

الدراسة الأولى أجراها بالتعاون كل من جامعة جاهانجريناجار البنجالية ومركز أبحاث التنمية بجامعة بون الألمانية، أما الدراسة الثانية فقام بها مجموعة تيليكومونز للتنمية من كندا لصالح وكالة التنمية الدولية الكندية.

وبالضغط على العائد المادي الإيجابي بينت المؤسسة أن إجراء مكالمة هاتفية كان يستدعي الانتقال إلى العاصمة دكا أو أي مدينة رئيسية أخرى، لكن المهاتفة عن طريق الجوال ألغت تلك الرحلة -التي قد يفقد فيها الشخص حياته غرقا بالعبّارة مثلا- كما أنها لا تتكلف سوى مبلغ ضئيل يتراوح ما بين 2.64 إلى 9.8 من دخل الشخص.

أما في حالة الاضطرار إلى القيام بالرحلة إلى المدينة؛ فإن تكلفتها تزيد عن تكلفة المكالمة بحوالي ضعفين إلى 8 أضعاف، كان ينبغي على الفلاح البنجالي ذي الفقر المدقع أن يدفعها.

تكلم.. لكن التنصت مباح

إذن.. طاقة نور انفتحت للبنجاليين وسط دياجير الظلام التي تلف البلد الشديد الفقر والمبتلى بكوارث لا تعد، وأصبح الكلام ممكنا، لكنها الآن تضيق وبصيص النور راح يتقلص، والسبب أن الحكومة في بنجلاديش في سبيلها لإجراء تعديلات على قانون الاتصالات الذي سنّته عام 2001 بحيث يمكنها التنصت على مكالمات التليفون الجوال.

حجة مسئولي الحكومة تتلخص في أن تلك التعديلات حتمية وحاسمة بالنسبة لمعركتها مع الإرهاب والجريمة والخروج على القانون.. وجماعات حقوق الإنسان ومؤسسة جرامين أبديا عدم ارتياحهما للتعديلات؛ لأنها "تمثل خرقا واضحا لحقوق الاتصال".

أبو سيد خان الخبير بالمؤسسة في بنجلاديش يقول عن التعديلات "إذا تم تفعيلها فسوف تنسف حرية الكلام، وتحول البلد إلى دولة بوليسية".

ويضيف أبو سيد أن "بنجلاديش لديها بالفعل أكثر القوانين تقييدا فيما يتعلق بالهواتف في كل آسيا"، ويضرب مثلا على ذلك بإقليم تشيتاجونج جنوب شرقي البلاد، حيث القوانين هناك جعلت استخدام الهواتف الجوالة مستحيلة؛ لأن السلطات هناك تزعم أنها تهدد القانون وتفسد النظام.. هكذا يقول.

ويؤكد أن تلك القوانين التعسفية لا يعمل بها حتى في كشمير، حيث الانفلات الأمني يفوق بكثير الوضع في بنجلاديش بل لا مقارنة بين الوضعين؛ حيث الإجراءات الأمنية تطغى على الاهتمام هناك.

الحكومة بدورها تدافع عن نفسها بأن الجريمة ترتع في البلاد، والمجرمون يستخدمون تلك التقنيات الحديثة في إجرامهم، ولا بد من إجراءات عنيفة تجاه الجريمة، ومحاربة ذلك الوضع تقفز لأعلى سلم الأولويات، وتؤكد أن حق الناس في التحرر من الخوف من الجريمة والإرهاب أهم بكثير من مسألة خرق حريات الأفراد وخصوصياتهم.

ما بين هذا وذاك يرى المعارضون أن المخاطرة بالانتقال للحديث شفاهة، وأن مواجهة مع شخص في قرية أخرى قد تكون في الطرف الآخر من البلد.. أفضل من التنصت الحكومي "الضروري"على مكالماته الشخصية، وعلى البنجالي أن يفاضل بين حق الكلام وحق التنصت!


كاتب في الشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم وتكنولوجيا oloom@islamonline.net

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم