|
| أنفلونزا الطيور.. يأخذ منحنى أكثر خطورة ووعورة
|
نعرف أن لكل صناعة عصابة من الإعلاميين يدورون في فلكها، ولهم قدرة على تحويل دفة اهتمام المستهلكين إلى منتج أو صرفهم عنه، بل يمكنها –وما أسهل– أن تجعل الرأي العام كله مع هذا المنتج أو ضده لاتباعها أساليب تبتعد كثيرا عن المواثيق المحترمة للمهن الإعلامية وأخلاقياته المرعية، وتقترب أكثر من النفعية والانتهازية وأي سلوك أو خلق غير قويم.
ونعرف أيضا أن هناك بعض المعاهد والكيانات التي توصف بالعلمية تستطيع أن تصدر بيانات أو تنشر نتائج "أبحاث" لصالح المنتج أو ضده، وبالتنسيق مع عصابة الإعلاميين يرتفع منتج لعنان السماء أو يخسف بآخر لسابع أرض.
وبالتناغم مع هذا وذاك داخل حتى المنظمات الدولية المحترمة والمرموقة يتم شراء ذمم حفنة من ضعاف النفوس من المسئولين يشكلون "لوبي" أو طابورا خامسا يعمل لصالح كيانات ضخمة من صناعات وتجارات بغض النظر عن الصالح العام لتتكامل منظومة الترغيب والترهيب التي تدير الأسواق في العالم.
وفي مسألة أنفلونزا الطيور لنرى كيف يتم!
عن المنظمات الدولية أو الوطنية
لنبدأ من الأخير، خذ على سبيل المثال مركز CDC أو مركز مقاومة الأمراض الذي يفترض أنه يعمل لصالح الإنسانية بشكل مجرد يعلن في بيان له أن في أمريكا وحدها يموت 36000 سنويا شخص متأثرين بالأنفلونزا، لكن لسوء حظ المركز فإنه هو نفسه سبق أن أعلن إحصاءات عن وفيات الأنفلونزا في تقرير سابق له (صفحة 16) أعلن عنها كالتالي:
753 شخصا عام 2002
257 شخصا عام 2001
1765 شخصا عام 2000
1665 شخصا عام 1999
كيف قفز الرقم من 257 على أقل أقرب تاريخ أو 1765 حسب أكبره إلى 36 ألف شخص، فهل حتى تلك الأرقام عن ضعفها دقيقة؟ إن إحصاءات المركز تقسم وفيات الأنفلونزا مصحوبة بأمراض أخرى كالتالي:
1 - أنفلونزا مصاحبة بإصابات رئوية influenza plus pneumonia
2 - أنفلونزا مصاحبة بأعراض في الجهاز التنفسي influenza plus other respiratory manifestations/symptoms
3 - أنفلونزا مصاحبة بأعراض أخرى (غير متعلقة بالجهاز التنفسي) influenza plus other manifestations/symptoms (non-respiratory)
ومعلوم للجميع مدى نفاسة حياة وصحة الأمريكيين وكيف لا يدخرون وسعا ويسترخصون الغالي في سبيل ذلك، ولهذا سوف يبدأ الأمريكيون ومطلع عام 2006 في تعاطي التطعيمات السنوية الدورية ضد الأنفلونزا.
هذا بالنسبة للأنفلونزا العادية أو الموسمية فما بالنا بأنفلونزا الطيور (الوباء الغول)، ثم قس على ذلك ما شئت من منظمات وهيئات دولية ووطنية.
عن الإعلام والإعلاميين
سبق البيان أنه عندما تتحدث وسائل الإعلام عن أنفلونزا الطيور تستخدم أحد تعبيرين باللغة الإنجليزية هما epidemicو pandemic والمختصر المفيد في بيان الفارق بينهما هو أن الأولى تعني تفشي مرض في مكان وزمان محددين، والثانية تفيد تفشي مرض في قطر بأكمله أو عدة أقطار معا.
وتعميما للفائدة فإني أسوق الفارق باللغة الإنجليزية نقلا عن قاموس وبستر وهو كالتالي:
Epidemic: affecting or tending to affect a disproportionately large number of individuals within a population, community, or region at the same time
Pandemic: occurring over a wide geographic area and affecting an exceptionally high proportion of the population
وعلى خجل ربما تضاف كلمة "محتمل" أو تسبق أحد التعبيرين، ثم لا تلبث أن تسمع أو تقرأ أيا منهما مجردة باعتبارها واقعا لا متوقعا، مما يرسخ في الوعي الجمعي لدى الرأي العام العالمي أننا نواجه وباء بالفعل.
بل ومما يغلب ويساعد في سبق مدلول التعبير الثاني إلى ذهن المتلقي إلحاح وسائل الإعلام وتأكيدها على ظهور حالات وفيات أو عدوى في عدة بلدان؛ وهو ما يجعل الشكل الأكثر وحشية من الوباء هو الأقرب لكن أحدا لا يتلفت إلى أن كل تلك الحالات فقط تتجاوز الستين من الوفيات ومائة وثلاثين من المصابين.
يزيد على ذلك أنه غالبا ما تلحق لفظة "Outbreak" وهي وإن كانت تعني" التفشي" هنا؛ إذ نحن في سياق الحديث عن وباء، فإنه فضلا عن دلالتها أن المرض فاش بالفعل، فإن اللفظة لها مدلولات أخرى لدى المتلقي تزيد الهلع وترسخ الرهبة، حيث تعني ضمن ما تعني الانفجار والثورة، مما يضيف إلى رصيد التهويل والترهيب لدى المتلقي.
لكنه نادرا ما يحدث أن يتحدث إعلامي بعزف منفرد خارج الجوقة بلفظة ثالثة وهي endemic وتعني محدودية المرض لمكان أو لفئة، وهذا هو الأقرب للواقع رغم أنه حتى في ذلك شيء من التجاوز، فنحن نسمع عن حالة إصابة أو إصابتين كل أسبوع، وليس هلاك مئات الألوف في جائحة تكتسح كل ما يقابلها.
ومرة أخرى أسوق الفارق بين الثلاث باللغة الإنجليزية لنفس السبب:
Difference between endemic, epidemic, and pandemic: Endemic is peculiar to a district or particular locality, or class of persons ("diseases endemic to the tropics"). That which is epidemic is common to, or affecting at the same time, a large number in a community ("an epidemic outbreak of influenza"). Pandemic is epidemic over a wide geographical area
وتجاوزا عن العمد من عدمه وتبييت النية من سوء الاستخدام وهذه فرضية بعيدة في تقديري، فإن لوسائل الإعلام مع الساسة طريقة تبدو –وضع خطوطا تحت تبدو هذه- مقنعة في مسألة انتشار المرض وتفشيه ليصبح وباء عالميا، وهي قيام الطيور المهاجرة في أثناء مواسم الهجرة بنقل المرض من آسيا لسائر القارات الأخرى لا سيما وفصل الشتاء يطرق الأبواب على نصف الكرة الشمالي وفيه يقع معظم سكان العالم.
سيناريو الانتقال عبر الطيور المهاجرة
لا تجد تحذيرات أنفلونزا الطيور صدى لدى كل مسئولي الصحة، ومن هؤلاء الدكتور مارك سيجال الأستاذ المشارك بكلية الطب بجامعة نيويورك، وأحد الذين لا يتجرون في سيناريو الهلع بالبيع أو الشراء.
يهمل سيجال عدوى أنفلونزا الطيور وانتشارها عبر الطيور البرية والمائية المهاجرة ويقول: "لو كان هناك شيء معد الآن.. فهو الحكم مستظلا بالخوف"، في عبارة بليغة تصف كيف ينشر الهلع الذي ألقى بظلاله على كل مكان في الأرض حكم الناس على الأشياء، ويجعل منه أمرا معديا.
فإن وسائل الإعلام شرعت في نشر خرائط ترسم خطوط سير الطيور المهاجرة من آسيا إلى كافة الأنحاء الأخرى؛ وهو ما رسخ لدى الكثير من الناس الذين يرون بلادهم تمر بها طيور حاملة للفيروس لن تنجو من الوباء، فإما راحوا ينتظرونه، أو هرعوا للإفلات منه بأي وسيلة.
تذكرون بوتشر الاختصاصي المتخصص في فيروسات الطيور؛ إنه يصف درجة تسامح السلطات في أمريكا مع ظهور حالة واحدة لمرض أنفلونزا الطيور إلى حد الصفر، مما يعني أن حتى في حالة وصوله لن يسمح له بالتفشي والانتشار، خاصة أن أمريكا تصدر ثلث إنتاجها من الدواجن وهي صناعة يصل حجمها هناك لـ 9 مليارات دجاجة سنويا.
أما سيجال فيواصل متهكما "تخيل أن طائرا مهاجرا هزيلا حاملا لفيروس أنفلونزا الطيور تدبر أمره واستطاع الوصول لشواطئنا في أمريكا بطريقة أو بأخرى".
لماذا أمريكا؟
في المثالين السابقين اهتممت بأمريكا رغم أن الاهتمام عالمي، هناك عدة أسباب أولها أن آلة الإعلام الأمريكي الجبارة تتبعها كل وسائل الإعلام، وما تبثه تجد له صدى يفوق بل ويغطي الاهتمام المحلي في أي مكان وفي أي دولة مهما كانت، وأجندة اهتمام الإعلام الأمريكي تسبق أي أجندة أخرى ولعل في السنين الماضية ما يؤكد ذلك أيما توكيد كأحداث 11 سبتمبر وتوابعها من حربي أفغانستان والعراق، وما تخللها من خوف من الجمرة الخبيثة وغير ذلك الكثير من الشواهد والأمثلة.
أما السبب الثاني فهو أن الأمريكان يدفعون سنويا نظير ما يتناولونه من أدوية نصف حجم مبيعات صناعة وتجارة الأدوية في العالم؛ بالضبط حوالي 230 مليار دولار أمريكي من جملة نصف تريليون هو حجم الأموال المتداولة في هذه الصناعة والتجارة الرائجة جدا.
ثالث الأسباب هو أن الإدارة الأمريكية تعيش حالة حرب مع الرأي العام العالمي والداخلي، وتتقاذفها أزمات عديدة اقتصادية وسياسية واجتماعية ودبلوماسية، وصرف الأنظار عن كل ذلك يتطلب حزمة من الأزمات والقضايا ذات الطابع الجماهيري مثل تسليح كوريا الشمالية وإيران غير التقليدي أو النووي على وجه التحديد، وأسامة بن لادن والظواهري والزرقاوي، ومحاكمة صدام، وأخيرا أنفلونزا الطيور وهي قضية تحمل في طياتها اهتماما عظيما من جانب الكافة داخليا وخارجيا ثم أنها خارج نطاق السيطرة ومن ثم يمكن الإلحاح عليها بشكل مستمر، ثم التصعيد كلما دعت الحاجة لصرف الانتباه إليها عن غيرها من قضايا لا يراد لها أن تتوسط بؤرة الاهتمام.
لقد ذهب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في أول نوفمبر 2005 إلى المعهد القومي للصحة عاقدا مؤتمرا أعلن فيه عن خطة وضعت في نحو 381 صفحة وأطلق عليها خطة إستراتيجية وباء أنفلونزا الطيور.
ذهب الرئيس يحوطه نصف رؤوس وزارات إدارته حيث حضرت كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي السابقة ووزيرة الخارجية حاليا ووزير الأمن المحلي، ووزير الزراعة، ووزير الصحة والخدمات الإنسانية، ووزير النقل، للعجب المسئول الأول عن شئون قدامى المحاربين، ماذا يفعل المواطن الأمريكي عندما يرى ذلك الحشد وعدد تلك الصفحات وتسمية الأمور بتسميات مرعبة مثل إستراتيجية وباء أنفلونزا الطيور، لو تجمد رعبا ما لامه أحد.. ثم هناك من يتابع الشأن الأمريكي بحسبانه مؤشرا على أهمية القضايا والمسائل والذي على مقياسه يتم قياس خطورة القضايا والمسائل الوطنية في البلدان الأخرى
أضف لما سبق أن هناك توقعات بنمو تلك الصناعة والتجارة بنحو 11% حيث يتوقع في المستقبل أن يتم تطعيم كل الأمريكان ضد الأنفلونزا سنويا، وهذا السيناريو أعلنت عنه اللجنة الاستشارية للإجراءات المناعية (ACIP) التابعة لمركز مقاومة الأمراضCDC (Center for Desease Control) .
هذه هي توصية مركز مقاومة الأمراض CDC، ثم إنها تأخذ دورها في الترهيب وإشاعة الهلع عندما يصدر بيان لها يقول إن معدل الوفيات التي سببتها سلالة فيروس أنفلونزا الطيور H5N1 بين المصابين بها بلغت 76% (تخيل فلكية النسبة)، رغم أن سلالة فيروس الأنفلونزا الأسبانية الذي انتشر عامي 1918-1919 وقضى بسببه نحو 18 مليون شخص نحبه، منهم حوالي نصف مليون أمريكي، لم يتجاوز معدل الوفيات التي سببتها سلالته 1 إلى 2% من المصابين به، فضلا عن الترويج إلى أن التشابه بين السلالتين يقترب لحد التطابق.
لاحظ المعدل المتوحش لأنفلونزا الطيور رغم أن كل الذين توفوا متأثرين بعدواه وصل عددهم بالكاد لـ 70 شخصا.
فإذا ما تطرقنا للحديث عن علاج أنفلونزا الطيور فإننا أمام عقار واحد فقط هو التامي فلو الذي يروج له على أنه المكافح الأوحد ضد المرض الذي يبث في النفوس الرعب منه، وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها بصدد شراء نحو 80 مليون جرعة من العقار يبلغ سعر الجرعة الواحدة منها نحو 100$، بل أصدرت أوامر بشراء دفعة أولى تبلغ نحو 20 مليون جرعة، أي أننا نتحدث عن 2 مليار دولار أمريكي.
كذلك فإن صديق أمريكا المخلص توني بلير أمر بشراء جرعات تكفي لحوالي 25% من البريطانيين البالغ إجمالي عددهم حوالي 56 مليون نسمة.
عند هذا الحد سوف يأخذ الحديث عن أنفلونزا الطيور منحنى آخر أكثر خطورة ووعورة، لأننا وغيرنا نرى أن تسويق الهلع من أنفلونزا الطيور يمثل الأوزة التي تبيض ذهبا لشركات الدواء، فالشركات الرابحة تزداد ربحا، والشركات المتعثرة تقال بالهلع من عثرتها، ومالكو الأسهم في تلك الشركات تتفاحش ثرواتهم، ورجال الإعلام لا يعدمون المادة المثيرة التي ترفع مبيعاتهم من صحف ومجلات وجرائد، وشبكات التلفزة تستطيع أن تجتذب أنظار المشاهدين أربع وعشرين ساعة في أيام الأسبوع كله (24/7).
وينبغي ألا يغيب عن وعينا أنه منذ مقدم الإدارة الجمهورية الحالية برئاسة جورج دبليو بوش وجوقة المحافظين الجدد، ونحن نعيش مسلسلا للرعب متعدد الحلقات، منها الخوف الدائم المستمر من الفيروسات والحرب البيولوجية بدءا من الجمرة الخبيثة والجدري مرورا بفيروس غرب النيل وسارس وأخيرا أنفلونزا الطيور. وهذا ينقلنا إلى الشق التالي من الملف.
اقرأ أيضًًا في هذا الملف:
كاتب في الشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم وتكنولوجيا oloom@islamonline.net
|