|
| هذا ما جنته الهندسة الوراثية!
|
أخذا يركضان في الشارع هربا من هذه المطاردة الشرسة، ومطاردوهما مدججون بأسلحة تتوعدهما بالموت المحقق.. هما صحفيان يعملان بجريدتين كبيرتين، اكتشفا أن إحدى الشركات تحقن الماعز بهرمونٍ ليدر لبنا وفيرا، غير أن اللبن سيكون مسرطنا (يسبب السرطان لشاربيه)، هذه قصة لفيلم أمريكي، غير أنها قصة واقعية.
فشركات الهندسة الوراثية وعلى رأسها شركة "مونسانتو" كبرى تلك الشركات وأكثرها نفوذا، فاق بطشها ما جاء بالفيلم. فهذه الشركات الأخطبوطية أرست قواعدها وثبتت أقدامها بشرائها كبار السياسيين ثم بدأت بأذرعها الخانقة في تطويق كل من حاول كشف جريمتها بشتى السبل، بدءا من محاولة الرشوة، والتهديد بتشويه السمعة مرورا بتدمير الأبحاث العلمية والتقارير، وصولا إلى الفصل من الوظائف. وسنحاول استعراض بعض القصص الرئيسية التي حاكتها أذرع الأخطبوط وكشفتها يد الأيام.
يستقي أخطبوط شركات الهندسة الوراثية قوته المهولة من عدة أمور، منها شراؤه للسياسيين الأمريكيين، وقد بدأ هذا يظهر بقوة منذ عهد الرئيس السابق للولايات المتحدة بيل كلينتون، والذي كان شائعا لدى الجميع أن حكومته موالية لشركات الهندسة الوراثية وتروج لها بشدة، بدعوى أنها سوف تجلب الأموال الطائلة للولايات المتحدة، وكان هذا الشيء المتوقع من كلينتون بعد أن مولت شركة مونسانتو حملته الانتخابية.
وظن الجميع أنه بترك كلينتون للرئاسة سينحصر نفوذ الشركة، إلا أنها تعاظمت في عهد بوش الابن. فـ"جون أشكروفت" وزير العدل الأمريكي كان من أكثر المؤيدين لترويج الأغذية المعدلة وراثيا في دول العالم الثالث ومن معضدي مبادرات إقناع أوربا بقبول هذه الأغذية، بالطبع بعد أن قبض ثمن هذا التأيد مسبقا. أما "آن فنمان" وزيرة الزراعة الأمريكية فكانت مديرة شركة الهندسة الوراثية "كالجين" التي اشترتها مونسانتو وكانت المسئولة عن القيام بمباحثات دولية لمساندة الشركات الأمريكية في تصدير هذه المحاصيل إلى الدولة النامية. أما دونالد رامسفيلد وزير الدفاع فقد كان يرأس شركة "سيرل" للأدوية حين اشترتها مونسانتو.
مونسانتو تلعب بالـFDA
ولا يقتصر الأمر على هؤلاء فقط، ولكنْ هناك الكثيرون ممن يستفيدون من الشركة وفي المقابل يساعدونها في تحقيق أهدافها، فبعد ترسيخ قوتها ونفوذها السياسي أرادات "مونسانتو" شراء شرعيتها وموافقة منظمة الأغذية والأدوية الأمريكية الـFDA على منتجاتها، وبالطبع لم يكن هذا ليستعصي على هذه الشركة الأخطبوطية.
وكان حصانها الرابح هو مايكل تايلر نائب رئيس شركة مونسانتو، والذي عمل كمحام للشركة من عام 1984 إلى 1991 وواضع سياسات وضوابط تعامل الشركة مع الحكومة بجانب إعداده أوراقها القانونية لمحاربة وضع أي علامة تفرق بين المنتجات المهندسة وراثيا عن غيرها من المنتجات. فعندما أرادت الشركة اعتماد عقار يحتوي على هرمون مهندس وراثيا يسمى RBGH يحقن به البقر ليزيد من إدرارها للبن، أنشئت بالـ FDA وظيفة جديدة خصيصا لمايكل تايلر، ليصبح مسئولا عن وضع سياسات وضوابط تعامل المنظمة مع شركات الأغذية المهندسة وراثيا. وبديهيا تضمنت تلك السياسات منع شركات الألبان من اتخاذ أي إجراء يفرق بين المنتجات المستخدم بها هرمون RBGH والتي لم يستخدم بها، ونصت على أن الأغذية المعدلة وراثيا ليس لها أي مخاطر أكثر من الأغذية الطبيعية وأن منظمة الأغذية والأدوية لا تملك أية أدلة على عكس ذلك.
هذا على الرغم من أن بعض علماء الـFDA حذروا من مخاطر الأغذية المهندسة وراثيا، وأوضحوا أنها سوف تؤدي إلى زيادة السموم المعروفة وخلق سموم جديدة، بل وإحداث مشاكل غذائية لدى البشر أهمها انتشار مختلف أنواع الحساسية، بالإضافة لخلق أمرض جديدة.
غير أن انتقال مايكل تايلر لمنظمة الأغذية والأدوية لم يكن حادثة فردية، فمن أجل أن تحدد الـ FDA هل هرمون RBGH الخاص بمونسانتو يصلح أم لا، كان على مونسانتو أن تقدم تقريرا علميا عنه. وقد أعدت مارجريت ميلر إحدى باحثات الشركة التقرير وبعد تقديمه مباشرة تركت ميلر الشركة لتلحق بالـ FDA، وكانت أول مهمة تطلب منها هي تقييم وتحديد مصير التقرير العلمي الذي قدمته مونسانتو وقامت هي بكتابته.
سموم الأخطبوط تتوجه لكندا
استدار الأخطبوط بعد اعتماد الهرمون بأمريكا لينفث سمومه في كندا. حيثواجه العلماء الست الذين خولت إليهم Health Canada وهي الجهة الكندية المختصة بالموافقة على العقاقير مسئولية تقييم هرمون الـ RBGH الكثير من المشاكل وتعرضوا للكثير من الضغوط ومختلف أنواع الاضطهاد الذي انتهى بفصل ثلاثة منهم من وظائفهم، وهم شيف شوبارا ومارجريت هايدون وجيرارد لامبرت.
|
|
ما هو مستقبل الأغذية بعد التلاعب في الجينات الوراثية؟
|
ومثال لما لقوا كان مبلغ مليون دولار حاولت مونسانتو رشوهم به للموافقة على ضغط رؤسائهم عليهم لتغيير تقاريرهم، بل وسرقت ملفات "لامبرت" من مكتبها في أوتاوا عام 1994، وتحفظ رؤساؤهم على ملفات الهرمون حتى لا يضطلع عليها أحد الأمر الذي انتهى بتدمير هذه الملفات.
وقد اكتشف هؤلاء العلماء أن الهرمون يرفع في اللبن نسبة بروتين يدعى IGF1 مما يمكن أن يتسبب في إصابة شاربي اللبن بسرطان الثدي والمثانة. بجانب أنهم انتقضوا البحث الذي قدمته مونسانتو وعلى أساسه اعتمدت الـFDA هذا الهرمون، بل واستنكروا اعتماد الـFDA له، وتجاهلها للأخطاء العلمية التي ارتكبت بالدراسة مثل أنها أجريت على ثلاث أبقار فقط، وأن تلك الأبقار لم تحقن بهرمون شركة مونسانتو، بل بهرمون شركة أخرى هذا بجانب أنه تم حقن الأبقار بشكل يومي بـ10.6 ملليجرامات من الهرمون، والطبيعي والذي يتم فعليا على أرض الواقع أن تحقن الأبقار مرة كل أسبوعين بـ500 ملليجرام من الهرمون أي 47 ضعف الكمية التي استخدمت بالفعل. كما تم تعقيم ألبان تلك الأبقار بغليها لمدة نصف ساعة وهي 120 ضعف المدة المتعارف عليها في التعقيم وهي 15 ثانية فقط.
أوربا تعاني نفس العرض
أربود بوستاي أكبر العلماء في أبحاث الألبان وهو ضمن الفريق الذي يضع برتوكول اختبار الأغذية المهندسة وراثيا لتعتمده بريطانيا ومن ثم الاتحاد الأوربي. وهو أكثر العلماء الذين ارتبط اسمهم بالهندسة الوراثية بسبب ما عاناه من هذه الشركة. فعندما قام باختبار البطاطس المعدلة وراثيا على الفئران وجاءت نتيجة بحثه أن البطاطس تسببت في تدمير الجهاز المناعي للفئران، تليف الكبد، وجود خلايا سرطانية بالأمعاء الدقيقة والغليظة هذا بجانب اكتشاف صغر حجم الكبد، والمخ والخصية بهذه الفئران. وعندما أعلن "بوستاي" عن نتيجة بحثه أخذ مديره -وهو مدير معهد Rowett الإنجليزي الذي يعمل به بوستاي- في الإشادة بكفاءة البحث وعمقه واعتباره نجاحا كبيرا للمعهد، إلا أن هذا الموقف تغير تماما فجأة ليتم فصل بوستاي وتنحية فريق البحث بأكمله ومنع أي شخص من الوصول إلى ملفات الدراسة وشن هجمات من الاستهزاء به وعدم السماح له بالدفاع عن نفسه وتهديده بأنه في حالة إفصاحه عن نتيجة بحثه فسوف يتم رفع دعوى قضائية عليه بتهمة تشويه سمعة المعهد وإضراره ماديا.
أما الصحفيان اللذان جاءا بالفيلم الأمريكي فقرناؤهما في الواقع هما الزوجان جاين آكر وستيف ويلسون اللذان لم تغن شهرتهما عن أن تفتك بهما أيدي شركة مونسانتو ولم تشفع لهما الجوائز العالمية التي حصداها -مثل جائزة "إمي" التي فاز بها ستيف وآسونشيتدبرس التي فازت بها جاين- أن يطعن في صحة تحقيقهما والتشكيك في مصداقيتهما بل وطردهما من عملهما في نهاية المطاف عندما أرادا الكشف عن بعض مخططات الشركة.
فقد تعاقد آكر وويلسون مع المحطة التليفزيونية WTVT في نوفمبر عام 1996 ليعملا بوحدة التحقيقات الإخبارية. وبدآ في تحقيقهما حول المخاطر الصحية المحتمل حدوثها جراء استخدام اللبن المعالج بالـ RBGH وبالفعل قام آكر وويلسون بتصوير التحقيقات التي تضمنت ما حدث بالـ FDA، ومرض بعض القطيع من الأبقار بولاية فلوريدا بعد حقنها بالهرمون، ومحاولة رشو العلماء الكنديين... إلخ.
وبعد الانتهاء منه وتقديمه للإدارة التي حددت تاريخ بثه في 27 فبراير عام 1997 قامت القناة بعمل حملة دعائية مكثفة لحلقات التحقيق الأربع، ولكن وسط غمار هذه الحملة وصل خطاب إلى رئيس القناة من محامي الشركة وفيه اتهم المحققين بتحيزهم وطالب بإلغاء عرض الحلقات، وبالفعل تم تأجيل إذاعة الحلقات لمدة أسبوع ليقوم بمراجعتها محامي الشبكة ولكنهم لم يجدوا أي أخطاء بها. وتوالت خطابات التهديد على القناة، ثم بدأ يطلب آكر وويلسون إعادة كتابة الحلقات مرات غير متناهية. وتم تأجيل ميعاد البث ست مرات. وأغلقت القضية بفصلهما من العمل كنهاية كل من وقف أمام هذا الأخطبوط.
والآن هل سيجرؤ أحد أن يتصدى لهذا الأخطبوط ويغامر بسمعته ومستقبله من أجل المحافظة على صحة الناس؛ فالمسلسل عرضه مستمر.. أم أن الدروس التي لقنوها لمن حاولوا كانت أقوى من أن يفكر أحد في ذلك؟.
|