|
| مقياس النيل عند قدماء المصريين |
عام فيض، وعام قحط، ثم عام فيه يغاث الناس.. هذا ما عودنا عليه النيل منذ قديم الأزل، ارتفاع وانخفاض في منسوب مياهه، ففي عهد سيدنا يوسف عليه السلام بدأ التنبؤ بأعوام القحط والفيض بتفسير الأحلام، ولما انقضى زمن الأحلام آثر قدماء المصريين التنبؤ بأعوام الفيض والقحط بوضع مقاييس مختلفة للتنبؤ بفيضان النيل، استمرت من عهد الفراعنة إلى ما بعد الفتوحات الإسلامية، والآن تحولت المقاييس إلى مزارات سياحية، حيث تم الاستعاضة عنها بمركز ضخم للتنبؤ بالفيضان، يحوي أجهزة ومعدات وأقمارا صناعية على أعلى مستوى من التقنيات.
حكاية النيل ومقياسه
تبدأ قصة قياس منسوب المياه في نهر النيل من عهد قدماء المصريين، عندما حاولوا استخدام ما يعرف بمقياس النيل Nilometre، وكان هذا المقياس أحد أشكال ثلاث: لوح أو عمود أو سلم، كل منها يحمل تدريجا، وكانت وحدة القياس ثابتة للأشكال الثلاثة، وتعرف بالكيوبت cubit، وهو مقسم بدوره إلى وحدات صغرى، لتعطي نتائج أدق للتنبؤ بأعلى مستوى للفيضان، ومن خلال استنتاجاتهم لعام الفيضان يتم تحديد مواعيد للزراعة وأخرى للحصاد.
ومنذ عهد الفراعنة وحتى عهد الرومان انتشرت العديد من المقاييس في فيلة، وإدفو، وكوم أمبو، ودندرة (بجنوب مصر) وتم توريث هذه المقاييس عبر العصور، وتطورت بشكل كبير خاصة بعد الفتوحات العربية، لنجد العديد من المقاييس التي أنشئت في مصر، ويأتي أشهرها على الإطلاق مقياس الروضة بالقاهرة الذي أنشئ بالعصر العباسي، وبدأ العمل به سنة 247هـ..
ووظيفة المقياس كما عرفها قدماء المصريين هي معرفة منسوب مياه النيل، وبناء عليها يتم التعرف على ما إذا كانت جميع الأراضي ستروى أم سيأتي موسم جفاف أو فيضان، ويتضح هذا من ملاحظة منسوب المياه مع ارتفاع العمود المدرج.
فإذا كان ارتفاع مياه النيل 16 وحدة يعد بشيرا بوفاء النيل، وأن الأراضي ستروى، ويكون الخراج كافيا لسد احتياجات الدولة. أما إذا كان ارتفاع المياه أقل من 16 وحدة كان علامة على قدوم الجفاف، ومن ثم تتهيأ الدولة لأخذ الاحتياطات اللازمة. وفي حال ارتفاع المنسوب أكثر من 19 فهذا ينبئ بقدوم كارثة الفيضان، ولا بد أن تبدأ الدولة في ترتيب خطوط دفاع لها.
المقياس.. في ذمة التاريخ
|
|
|
مقياس الروضة بالقاهرة
|
ومع مرور الأيام وما تتركه من أثر التطور على الحياة أصبحت مقاييس النيل مزاراً سياحياً، وحلت التقنيات الحديثة بما تحمله من أقمار صناعية وأجهزة تكنولوجية محلها. ففي الفترة من (1991-1992م) تم البدء في إنشاء مشروع المراقبة والتنبؤ والمحاكاة لنهر النيل كواحد من مشاريع إدارة نظم الري بمصر، وهو يتضمن 4 وحدات أساسية هي: وحدة استقبال الصور الجوية، ووحدة استقبال البيانات المناخية، وهما يخدمان معا وحدة التنبؤ التي ترسل ما تتوصل إليه من معلومات لوحدة طباعة وإعداد النشرات الدورية.
بدأت مرحلة التجهيز لهذا المشروع بتدعيم المركز بأجهزة الحاسب الآلي، والبرامج الرياضية الخاصة بإدارة عملية التنبؤ، ووحدات لاستقبال الصور الجوية من القمر الصناعي "ميتوسات"، إضافة إلى تجهيزات وحدة استقبال البيانات المناخية.
ويعمل المركز بآلية متتالية تبدأ بالصور المرسلة جوياً التي تصل كل نصف ساعة بثلاثة أطوال موجية مختلفة، وهي: الأشعة تحت الحمراء، والأشعة المرئية، وبخار الماء، حيث يتم معالجة هذه الصور وضبط جودتها، ثم تنقل تلقائيا إلى وحدة التنبؤ بهدف:
-حساب كميات الأمطار الساقطة فوق منطقة نهر النيل اعتمادا على صور الأشعة تحت الحمراء لمنطقتي حوض النيل الأزرق وحوض النيل الأبيض.
-مراقبة ومتابعة الظواهر الجوية فوق قارة أفريقيا، وخاصة حوض نهر النيل.
-تجميع هذه الصور لتستخدم في معايرة وتصحيح المعاملات المستخدمة في طرق حساب الأمطار اعتمادا على صور الأقمار الصناعية.
-تحليل الأنماط المناخية على مدى طويل للتنبؤ بالتغيرات الموسمية للأمطار فوق حوض نهر النيل حتى يمكن استخدامه في التنبؤ الموسمي طويل المدى لتصرفات نهر النيل.
في نفس الوقت تدعم وحدة استقبال البيانات المناخية وحدة التنبؤ بجميع البيانات المتاحة لقياسات المطر في منطقة حوض نهر النيل، وكذلك خرائط التنبؤ بالطقس، والخرائط التحليلية للظواهر المناخية فوق المنطقة.
|
|
|
الميتوســــــات
|
تقوم وحدة التنبؤ -التي تدار أتوماتيكيا- بعدها بدورها في تشغيل تلك البيانات بشكل يومي، وإضافتها إلى قاعدة البيانات الخاصة بها لتجري بعدها عملية التنبؤ بمنسوب المياه وبكمية الأمطار المنتظرة. ثم يأتي دور وحدة طباعة وإعداد النشرة الدورية التي تصدر بانتظام خلال موسم الفيضان.
ومن المخطط له تطوير برنامج التنبؤ الخاص بالمركز ليشمل كل حوض نهر النيل حتى يمكن حساب أقصى إيراد مائي له، وذلك لمساعدة مصر والأقطار الأخرى في مخططها السياسي (طويل المدى، قصير المدى) للتطوير الزراعي والصناعي وتنمية وتقوية التعاون الفني بين دول حوض نهر النيل.
الفيضان لا يقبل التنبؤ
وبالرغم من التطور المتتابع الذي يشهده برنامج التنبؤ بفيضان النيل فإن الطبيعة عادة ما تعلن امتعاضها من إصرار البشر على معرفة كل أسرارها. وكان هذا مضمون رسالة النيل لنا عام 2003م، حيث أتى فيضانه مخالفاً لكل التوقعات والتنبؤات. فقد أشارت كل التنبؤات التي أجريت إلى أن فيضان النيل عام 2003م أقل من المتوسط، حيث بدأت سلسلة السنوات المنخفضة منذ 2002م، بعدما مرت 4 أو 5 سنوات عالية الفيضان. إلا أن الفيضان أتى أعلى من المتوسط ليعلمنا درسا لا بد أن نتذكره دائماً، وهو أن نحسب لكل شيء حسابه، لكن في النهاية لا يعلم ما في الغيب إلا الله.
محررة القسم العلمي والصحي بشبكة "إسلام أون لاين.نت"، وحاصلة على بكالوريوس العلوم الصيدلية، يمكنكم التواصل معها عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم وتكنولوجيا oloom@islamonline.net
|