|
"لن نجد أنفسنا أمام بضعة ملايين من المصابين، بل سيزيد تعدادهم بأكثر من مائة مليون إنسان، وليس هذا مجرّد تكهّن من التكهنات المستقبلية، بل هو واقع بين أيدينا، سنواجهه قطعًا إذا بقينا نتعامل مع الوباء بأسلوب تعاملنا معه خلال عشرين عامًا مضت على نشأته"، هذا ما قاله بيتر بيوت، مدير الوكالة التابعة للأمم المتحدة لمكافحة وباء نقص المناعة المكتسبة/ الإيدز، وهو يصوِّر ما وصل إليه حجم المشكلة في هذه الأثناء، وفي أي اتجاه تجري بها الريح، وذلك في المؤتمر الدولي الأخير للأمم المتحدة في نيويورك.
ولكن.. بعد بضعة عشر مؤتمرًا دوليًّا وإقليميًّا سابقًا، هل أسفر المؤتمر الدولي الأخير بإشراف الأمم المتحدة مباشرة، عن تعديل أسلوب التعامل مع هذا الوباء؟.. هل تبدَّلت النظرة إليه وإلى متطلبات مكافحة انتشاره، لا سيما عند أولئك المسؤولين الذين يملكون المفاتيح الرئيسية لمواجهة المشكلة، عبر ما يسيطرون عليه ويوجّهونه من إمكانات مادية وتقنية كبيرة؟..
إن ما يكشف عن بعض وجوه انحرافات التعامل الدولي مع مكافحة الوباء عالميًّا، هو ما يعبِّر عنه رولف كريبس، رئيس الاتحاد العالمي للصناعة الصيدلانية، عندما يعارض دون تردّد إلغاء امتيازات التصنيع – وهذا موقف يمثل في واقع الأمر حصيلة صناعة القرار السياسي الدولي لا الاقتصادي فقط – فيمنع بذلك إنتاج العقاقير والأمصال التي أمكن التأكّد من فائدتها حتى الآن، إنتاجًا واسع النطاق وبأسعار معقولة؛ لدعم مكافحة الوباء في البلدان الفقيرة لا الثرية فحسب.
ولكن كريبس الذي يعبِّر عن أسلوب تفكير أصحاب المال والأعمال في قطاع الصيدلة ينكر من جهة أخرى – وبحقِّ - حصر المشكلة في تأمين الدواء الرخيص الثمن فقط، فيشير إلى نقص كبير آخر لا تجري مواجهته أصلاً، وهو عدم توفر المنشآت الأساسية الضرورية على صعيد وسائل النقل والمعدّات والمراكز الصحية وغيرها، ليمكن إيصال الدواء على فرض توفيره إلى المصاب الذي يحتاج إليه.
صندوق يموِّله الفقراء
في مؤتمر نيويورك الأخير كان أحد المواطن الرئيسية للخلاف منصبًّا على تمويل صندوق مالي لمكافحة الوباء، ويمكن القول إنّ مجرَّد الاتفاق على تأسيسه كان حصيلة جهود بضعة عشر مؤتمرًا سابقًا، لكن وكما هو الحال مع مشكلات التمويل الأخرى لغايات مماثلة على المستوى العالمي، تؤكّد الدول الصناعية هنا أيضًا عدم استعدادها لتحمّل قسط من الأعباء المالية، ما لم تتحمل الدول المنكوبة القسط الأعظم، وأسفرت الوثيقة الختامية عن التزام الدول الفقيرة المعنية بتخصيص 15% (خمسة عشر) في المائة من وارداتها لتحسين الأوضاع الصحية فيها، بما يشمل مكافحة الوباء، وهو ما لا يمكن أن يحقق فوائد فعلية؛ إذ لا يكاد يساوي شيئًا عند النظر في حجم ميزانيات تلك الدول من جهة، ثم النظر فيما تتطلبه جهود مكافحة الوباء في المرحلة الراهنة من جهة أخرى، وهو ما تقدره الأمم المتحدة بزهاء عشرة مليارات دولار سنويًّا، كما ذكرت لويزة فريخيتي، نائبة الأمين العام للمنظمة الدولية، بينما بقي مجموع ما تعهّدت به الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا معًا للإسهام في تمويل الصندوق دون 500 مليون دولار، وهي الدول الرئيسية الثلاث التي ظهر فيها الوباء قبل سواها.
في طاحونة الأرقام الميتة
الحديث عن مكافحة المرض والمال المطلوب لتحقيق درجة ما من هذه المكافحة على الأقل إنّما هو في حصيلته الحديث عن "المأساة" الكبرى الحالية في الدول الإفريقية، ومرة أخرى تتحوّل المآسي الإنسانية والاجتماعية الفردية والجماعية إلى أرقام مجرّدة ميتة، كتلك التي تردّدت على هامش مؤتمر الأمم المتحدة الأخير في نيويورك، ففي الدول الإفريقية المعنية انتشرت الإصابة بين عشرة في المائة من كافّة السكان، أي بات يوجد في تلك المنطقة ما لا يقلّ عن 25 مليونًا من أصل 36 مليون مصاب في أنحاء العالم، أو هم يعادلون خمسة وسبعين في المائة من كافة المصابين، بينما يناهز تعداد السكان في تلك الدول خمسة في المائة فقط من "الأسرة" البشرية. هذا مع ملاحظة أنّ الأرقام المذكورة تقتصر على من أصيب وظهرت عليه أعراض المرض فبدأت مرحلة انتظار وفاته، ولا تشمل المصابين بالفيروس ولم تظهر عليهم أعراض المرض بعد، وهؤلاء يبلغ تعدادهم أضعافًا مضاعفة.
وإذا كان من المعروف عن معظم الأمراض أنَّها تأتي غالبًا نتيجة قصور شخصي في جانب من جوانب الوقاية الصحيـة، وأن أخطرها هو ما يأتي نتيجة ارتكاب ما يُعتبر من أخبث خطايا العصر، كالإدمان بأنواعه، فإنّ وباء نقص المناعة الذاتية الذي انتشر في أوساط الإدمان والشذوذ والدعارة في البداية، أصبح "الأبرياء" من تلك السلوكيات في مقدّمة ضحاياه، وهذا بصورة مباشرة، أي عبر انتشار الإصابة بنسبة تسعين في المائة على مستوى الأطفال والناشئة، والواقع أن نسبة عالية من هؤلاء هم في الأصل أبرياء، ولكن أصبحوا من ضحايا تجارة الدعارة، أو الرقيق الأبيض، أو عصابات نشر الإدمان، أو هم من مواليد المصابين أنفسهم، هذا علاوة على فئة أخرى من الأبرياء، وأصبحت من ضحايا المرض بصورة غير مباشرة، ففي الدول الإفريقية جنوب الصحراء أصبح يوجد في هذه الأثناء أكثر من 12 مليون طفل وناشئ ممّن يسري عليهم وصف "أيتام الإيدز" بعد أن أودت الإصابة بحياة آبائهم وأمّهاتهم.
صحيح أنّ الفقر المنتشر في تلك البلدان الإفريقية يمثل الأرضية لانتشار المرض انتشارًا سريعًا، ثم للعجز عن معالجته علاجًا فعالاً، ولكن اكتملت الحلقة المفرغة في هذه الأثناء؛ إذ أصبح المرض نفسه هو الأرضية التي تسبب انتشار الفقر أكثر ممّا مضى، بعد أن خسر بعض البلدان الموبوءة أكثر من نصف الأيدي العاملة، بل بدأ بعضها الآخر يشهد تناقص عدد السكان عامًا بعد عام، بعد أن كانت المؤتمرات الدولية تشكو من "الانفجار السكاني" المزعوم في البلدان النامية، حتى إنّ المسؤولين في كينيا كانوا يتحدّثون في نيويورك عن "انقراض" سكان كينيا عن بكرة أبيهم عام 2050م من الناحية الحسابية، إذا استمر سقوط الضحايا بمعدّله التصاعدي الحالي.
وتمضي لعبة الأرقام المأساوية إلى رسم الصورة القاتمة عن الوضع الراهن، فتذكر مثلاً أنّ عدد من أودى الوباء بحياتهم خلال ثلاثة أيام استغرقها النقاش حول مكافحة مرضهم بين ممثلي 188 دولة في مؤتمر نيويورك، بلغ حوالي 18 ألفًا، فمنظمة الصحة العالمية تقول: إنّ الوباء يقضي حاليًا على إنسان مصاب في مكان ما من أنحاء العالم كلّ 14 ثانية.
الثابت في هذه الأثناء أنّ الدول الأوروبية الشرقية، الشيوعية سابقًا، وعددًا من دول جنوب شرق آسيا – ومنها الهند - تشهد ارتفاع عدد المصابين بسرعة متزايدة تنذر بأن تلحق بالدول الإفريقية المنكوبة بالوباء، وقد يسري هذا على الاتحاد الروسي قبل سواه، فالإصابات فيه تزداد بمعدّل 100% سنويًّا.. والمفروض بالبلدان التي باتت تستقبل – للأسف - كثيرًا من العاملين والعاملات "مصدر الخطر الأول" من بعض تلك البلدان، كروسيا والهند، أن تعيد النظر في سياسة فتح الأبواب أمام الوافدين لأغراض توصف بالترفيهية وتواري غالبًا نشر الإباحية، لا سيما إذا كانت تلك البلدان تمارس على كل حال سياسة الحدّ من الوافدين في مجالات أخرى، فعلام مثل هذا "التساهل" في غير موضعه؟!.
الانتحار الخلقي
المشكلة الأكبر التي سيطرت على مؤتمر نيويورك كما سيطرت على مؤتمرات أخرى، وكانت سبب الجدال الأكبر بين الدول الغربية والمتغرّبة من جهة، والدول الإسلامية وتلك المعروفة بالنفوذ السياسـي الكنسي القوي فيها من جهة أخرى، هي مشكلة الخلاف حول الزاوية التي ينبغي النظر إلى الوباء والمصابين به من خلالها، ثم تبعًا لذلك أين ينبغي التركيز في مكافحة انتشاره؟ وأين يجري إنفاق ما يُخصّص من أموال لذلك؟
ولا غرابة أن نجد ارتفاع الإصابة يتناسب بصورة طردية مع انتشار السلوكيات الغربية في الميدان الإباحي في أنحاء العالم، علاوة على ما ساهمت به "السياحة الجنسية" التي ارتكزت "اقتصاديا" على الفقر وبالتالي استغلال الأطفال والناشئة في الدعارة، وقد باتت تزيد بتعداد أفرادها وحجمها على ثلث مجموع حركة السياحة الغربية إلى شرق آسيا، لا سيما تايلاند والفليبين، وإلى شرق إفريقية لا سيما كينيا، وفي هذه البلدان بالذات كان انتشار الوباء بأشدّ صوره.
أمام هذه الخلفية لا نستغرب في مؤتمر نيويورك الأخير تشديد الدول الإسلامية والكاثوليكية على رفض فتح أبوابها أكثر مما انفتحت حتى الآن أمام سلوكيات اجتماعية منحرفة وافدة، بينما كانت كلمة الأمين العام للأمم المتحدة، ومعظم كلمات المشاركين من الدول الغربية، وقليل من المتغرّبين، تنصبّ على أمرين:
- أوّلهما: تقبّل المصابين والحرص على اندماجهم في المجتمع حولهم، وليس المقصود هنا الأطفال الأبرياء المصابين، أو الناشئة الذين تدفعهم طاحونة الفقر وتجارة الرقيق الأبيض وعصابات نشر المخدرات دفعا إلى السقوط في مختلف الأوحال بما في ذلك الأمراض الجسدية الخطيرة .. إنّما المقصود في تلك الكلمات عامة المصابين، لا سيما أولئك الذين كانت عَدواهم نتيجة ممارساتهم المنحرفة، وهذا مع عدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى أي دعوة لاقتران ذلك مثلا بالحيلولة دونهم ودون متابعة الإدمان، سواء على المخدرات أو على الإباحية الجنسية .. بل على النقيض من ذلك، تقول وزيرة الصحة الألمانية أولا شميدت – ولم تكن الوحيدة في هذا الاتجاه- "إنّ مكافحة الإيدز مكافحة فعالة تفرض علينا كسر سائر المحظورات كما لو أنها لم توجد أصلا ".. وهذا في ردها على رفض المشاركين من الدول الإسلامية والكاثوليكية المحافظة نسبيا إدراج نصوص تقول إن الشواذ جنسيا والمدمنين على المخدرات هم من "ضحايا الوباء" .
- والأمر الثاني: هو ما يوضع تحت عنوان "التوعية الجنسية" .. والدعوة إلى التوعية لا تقف إطلاقا عند حدود التوعية القويمة الهادفة، أي باحتمالات الإصابة وطرقها وكيفية الوقاية منها، الواقع أنّ المقصود بمفهوم الكلمة الغربي والمتغرّب، هو التوعية الهادفة إلى رفع حواجز القيم والبقية الباقية من عراقيلها القائمة اجتماعيا في وجه انتشار الإباحية الجنسية على مختلف المستويات وبين سائر فئات الأعمار.. وهذا ما ينسجم مع ما هو معروف عن مؤتمرات دولية أخرى.
كاتب ومفكر متخصص في الشئون الأوربية والإسلامية مقيم بألمانيا، ويمكنك التواصل مع عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة: oloom@islamonline.net
|