|
في سابقة إيجابية أعلنت شركة "بريستول مايزر سكويب" إحدى الشركات العملاقة في صناعة الدواء، عن تنازلها عن حقوق تصنيع وتسويق بعض عقاقير علاج الإيدز لصالح أفريقيا؛ مما سيسمح بقيام بلدان القارة السوداء بإنتاج مثل هذه العقاقير الباهظة بتكلفة بسيطة.
وترجع أهمية هذه الخطوة إلى أنه مع مطلع عام 2005 سوف يتم تطبيق بنود اتفاقية الجات والخاصة بتحرير التجارة العالمية وعلى رأسها الدواء، وتأتي على رأس هذه الاتفاقية: المحافظة على الملكية الفردية والتي تقضي بأحقية مكتشف العقار في تصنيعه وإنتاجه وتسويقه في جميع أنحاء العالم لمدة 20 عامًا.
وقد أعلنت الشركة أيضًا قيامها بتوفير الدواء بسعر يقل عن سعر التكلفة الحقيقية، بل وأقل من الأسعار التي تم الاتفاق عليها بين بلدان أفريقيا وشركة "سيبلا" الهندية التي تنتج أيضًا هذه العقاقير.
وفي هذا الصدد يقول "جون ماكولدريج" النائب التنفيذي لرئيس شركة بريستول مايرز سكويب: "نحن لا نبحث عن أي عائد مادي من وراء تسويق عقاقير الإيدز في أفريقيا، ولن نسمح بأن تكون حقوق الملكية الفردية عائقًا أمام قيام دول القارة السمراء بإنتاجها"، وتأتي هذه البادرة الطيبة كنتيجة طبيعية عقب المفاوضات والاتفاقات العديدة بين الشركات العملاقة المنتجة لعقاقير الإيدز وبين عدد من دول أفريقيا التي كانت تشكو التكلفة الباهظة للعلاج.
وقد استقبلت الهيئات القائمة على مكافحة مرض الإيدز هذا القرار بترحاب شديد، ووصفه "سول والكر" من المجلس القومي البريطاني لمكافحة الإيدز بأنه "قرار حكيم وتستحق الشركة كل التهنئة عليه"، وتوقع أن تحذو بقية الشركات المنتجة لعقاقير الإيدز حذو شركة بريستول مايزر سكويب في هذا الشأن.
حرب الدواء
من ناحية أخرى ما زالت أصداء القضية الشهيرة بين ما يقرب من 40 شركة دواء عالمية وحكومة جنوب أفريقيا فيما يتعلق بحقوق الملكية الفردية، تتصدر الصحافة العالمية، خاصة أن القانون موضع الخلاف يسمح لحكومة جنوب أفريقيا باستيراد كافة العقاقير الطبية من الخارج بما فيها عقاقير الإيدز، ولا يلزمها بشراء هذه الأدوية من قبل الشركات الهندية؛ مما يهدد حقوق الملكية الفردية لشركات الدواء العالمية.
وقد صرح متحدث رسمي لاتحاد منتجي الدواء في جنوب أفريقيا لمجلة new scientist الأمريكية في عددها الأخير بأن عرض شركة بريستول مايرز سكويب -وهي إحدى الشركات المعارضة للقانون جنوب الأفريقي- لن تضعف قضيتنا على الإطلاق، فهناك فرق شاسع بين التنازل عن حقوق الملكية الفردية لبعض العقاقير الطبية، وبين التنازل عن حقوق الملكية الفردية لكافة العقاقير.
الجدير بالذكر أنه تم توقيع اتفاقية بين شركات "بريستول مايرز سكويب" و"جلاكسوسميث كلاين" وكذلك شركة "ميرك" وأربع دول أفريقية منذ عدة شهور، يتم بموجبها إمداد هذه الدول بعقاقير الإيدز بأسعار مخفضة، إلا أن حكومة جنوب أفريقيا رفضت هذا العرض.
ويرى المراقبون أن إحجام الدول الأفريقية الأخرى عن توقيع اتفاقية مشابهة مع الشركات العالمية، يعود لرغبتها في اشتعال المنافسة بين هذه الشركات والشركات الآسيوية المنتجة لهذه العقاقير، وهي سياسة نجحت بشكل ملحوظ.
ويبدو أن حرب الدواء سوف تستمر حتى يتم تطبيق اتفاقية الجات، وعندئذ سوف نرى لمن تكون الغلبة في هذه المعركة التي يبدو أن الخاسر الوحيد فيها هو الإنسان البسيط في دول العالم؟!.
* أستاذ الأدوية و السموم بكلية الصيدلة جامعة الأزهر.
|