|
شهد شهر مارس الحالي تطورات خطيرة على الصعيد البيئي؛ فرغم تصدر أمريكا لقائمة الدول التي تنتج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الذي يعتبر المسبب الرئيسي لحدوث ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض أو ما يطلق عليه "ظاهرة الاحتباس الحراري"، وبعد أن وعد الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في أثناء حملته الانتخابية بفرض قيود على محطات توليد الطاقة من أجل تخفيض نسب انبعاث ثاني أكسيد الكربون منها، فقد تراجع الرئيس عن وعده في خلال 60 يومًا فقط من تولّيه الرئاسة؛ حيث أرسل خطابًا إلى أحد أعضاء مجلس الشيوخ يخبره فيه بأنه لن يفرض تلك القيود.
كما أعلن بوش عن اعتراض حكومته على بروتوكول "كيوتو" الذي فشلت دول العالم في شهر نوفمبر الماضي في أثناء مؤتمر المناخ من الاتفاق على تفاصيل تفعيله، والذي يفرض على موقعيه تخفيض انبعاثات غازات الصوبة الخضراء (أهمها ثاني أكسيد الكربون، وبخار الماء) إلى 5.2% أقل من نسبها عام 1990، وذلك قبل حلول عام 2012 على أقصى تقدير.
أمريكا طليعة الاحتباس الحراري
ينبعث من دول العالم حاليا حوالي 6.8 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، 22.4 % منها تصدر عن الولايات المتحدة الأمريكية، يليها الصين بـ13.4%.. ويعتقد أن تزداد كمية انبعاث ثاني أكسيد الكربون عند حلول عام 2100 إلى 35 - 40 جيجا طن سنويا؛ مما سيكون له الأثر البالغ في زيادة درجات حرارة الأرض.
آخر التوقعات تشير إلى زيادة درجة حرارة الأرض عند نهاية هذا القرن 1.4- 5.8 درجة مئوية؛ مما سيؤدي إلى إذابة الجليد القطبي، وبالتالي ارتفاع مستويات المحيطات والبحار، مما يؤدي إلى اختفاء الكثير من سواحل العالم، بالإضافة إلى تغيرات مناخية جوهرية من فيضانات وجفاف وعواصف وانهيارات أرضية، وأيضا إلى تأثير واضح على المحاصيل الزراعية، وعلى غابات العالم.
بوش يسدد ديونه على حساب العالم
يأتي تراجع الرئيس الأمريكي عن وعده السابق بعد ضغط صناعات الفحم والبترول، بالإضافة إلى الجمهوريين المحافظين عليه، وإقناعهم للرئيس بأن مثل هذا الإجراء سيؤدي حتمًا إلى موت صناعات الوقود الحفري، بالإضافة إلى زيادة ملحوظة في أسعار الطاقة بالبلاد.
ومن المعلوم أن الصناعات- خاصة الفحم منها- كانت من أكبر المتبرعين لحملة الدعاية الانتخابية للرئيس بوش ولأعضاء الكونجرس الجمهوريين؛ حيث بلغت تبرعاتهم 696 مليون دولار أمريكي، ويبدو أنه قد آن الأوان للرئيس الأمريكي لكي يسدد دينه.
مظاهرة عالمية ضد بوش
ولم يقف العالم وقفة متفرج إزاء هذا التغير السريع في سياسات الرئيس الأمريكي؛ فقد طالب قادة الاتحاد الأوروبي في أثناء قمتهم في السويد الأسبوع الماضي من الولايات المتحدة الأمريكية الانضمام إلى المجهود العالمي، من أجل تخفيض نسب انبعاث ثاني أكسيد الكربون، كما أعربوا عن قلقهم البالغ إزاء قرار الرئيس الأمريكي التخلي عن وعده في أثناء حملته الانتخابية.
كذلك أصدر "كلاوس توبفر"- المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة- بيانا قال فيه: "إنه دون قيادة الولايات المتحدة لن يكون لمجهود العالم لمكافحة التغير المناخي أثر يذكر، كما أكد على أهمية نتائج تقرير هيئة مستشاري الأمم المتحدة للتغيير المناخي الذي صدر أوائل هذا الشهر، والذي يؤكد على الآثار المدمرة لارتفاع درجات الحرارة المتوقعة نتيجة ظاهرة الاحتباس الحراري".
أما "بل هير" مدير منظمة السلام الأخضر للسياسات المناخية؛ فقد علق بقوله: "إننا لا نستطيع أن نتوقع غير هذا الموقف عند دخول رجلين من رجال البترول البيت الأبيض"؛ مشيرًا إلى كون "بوش" رجل بترول سابقًا بولاية تكساس، وتاريخ نائبه "دك تشيني" الطويل في الصناعات البترولية.
أما منظمة الدفاع البيئي؛ فقد أصدرت بيانا شديد اللهجة، قالت فيه: "إن تحجج بوش بعدم تأكده من سلامة النظريات العلمية التي تربط بين انبعاث ثاني أكسيد الكربون والاحتباس الحراري يظهر اعتراضا صريحا على حكم علماء العالم في التغير المناخي، متمثلا في التقرير السابق ذكره، وإن على الولايات المتحدة- كآخر دولة عظمى في العالم، وكأكبر دولة انبعاثا لغازات الصوبة الخضراء- التزاما خاصا لقيادة العالم لحل هذه القضية".
أما اتحاد العلماء المعنيين Union of Concerned Scientists؛ فقد قام بمطالبة الجماهير بأن يبعثوا للرئيس بوش خطابات منددة لسياسته الجديدة، وقال الاتحاد: "إذا كان الرئيس بوش راغبا حقا في تنويع مصادر الطاقة في البلاد من أجل حماية المستهلكين، من تقلب أسعار استهلاك الطاقة؛ فإن عليه تحين هذه الفرصة التاريخية من أجل تقليل اعتماد البلاد الزائد على مصادر الطاقة الملوثة مثل الفحم.. وكان عليه تشجيع استخدام مصادر أمريكا الثرية للطاقة المتجددة النظيفة وللطاقة الفعالة".
نظرية الشك "البوشي"
من الغريب في الأمر، أن الرئيس بوش لم يحفظ ماء وجه مديرة هيئة الحفاظ على البيئة التي اعترفت في مقابلة مع محطة الـ"سي. إن. إن" الأمريكية أوائل شهر مارس الحالي- وقبل إصدار الرئيس لقراره الجديد بأيام- أن نظريات الاحتباس الحراري سليمة، وأن انخفاض نسب انبعاث ثاني أكسيد الكربون يعتبر خطوة مهمة للأمام؛ حيث يصر بوش على التشكيك في صحة النظرية القائلة بمسئولية الانبعاثات الصناعية عن ظاهرة الاحتباس الحراري، كمحاولة منه لتبرير موقفه الأخير.
وباتخاذ الرئيس بوش لهذا القرار، يظهر اهتمامه بتكاليف استهلاك الطاقة على المدى القصير دون الالتفات إلى التكاليف الباهظة التي ستتكلفها بلاده على المدى البعيد؛ نتيجة ارتفاع درجات الحرارة من آثار مناخية وصحية وغيرها.. هذا التفكير الذي لا ينم إلا عن أنانية وعدم اهتمام بما سيأتي للأجيال القادمة نتيجة أفعاله.
|