|
يأتي يوم البيئة العالمي هذا العام، والذي ينعقد في الخامس من يونيو سنويا، في ظل أحداث يبدو أنها قد تكون بداية لأزمة بيئية عالمية حقيقية. فبعد فترة وجيزة من إعلان الرئيس الأمريكي "جورج بوش الابن" عن نيته الانسحاب من اتفاقية كيوتو، ما لبث أن أعلن عن خطة حكومته للطاقة، والتي تتضمن المزيد من الاعتماد على الوقود الحفري والطاقة النووية.
يأتي ذلك بالرغم من نداءات الحكومات الأوروبية والسكرتير العام للأمم المتحدة كوفي عنان للولايات المتحدة الأمريكية مراجعة نفسها في رغبتها في الانسحاب من اتفاقية كيوتو، والتي وقّعت عليها الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الأب.
ويتحجج بوش الابن معلّلا مواقفه البيئية الغريبة هذه بأن المضي في تنفيذ الاتفاقية ليس في مصلحة الولايات المتحدة، والتي تواجه أزمة طاقة لم تشهد البلاد مثلها منذ السبعينيات حين منعت عنها الدول العربية البترول.
وتعتقد الحكومة الأمريكية الحالية أن تخفيض انبعاثات الغازات التي تتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري، والذي لا يأتي إلا بتقليل الاعتماد على الوقود الحفري، سيؤثر على اقتصاد البلاد من خلال تقليل فرص العمل. بالإضافة إلى أن ذلك يعني زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي، والذي لا تملك الولايات المتحدة منه ما يكفيها، وليس لديها البنية التحتية اللازمة من أجل استيراده من دول أخرى.
حجة أخرى تُركِّز عليها الولايات المتحدة هي عدم توازن المسئوليات بين الدول الصناعية والدول النامية - حسب اتفاقية كيوتو - في تخفيض نسب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون؛ حيث تنص الاتفاقية على أنه ينبغي على الدول الصناعية تولي المبادرة الأولى في تخفيض تلك النسب بما أنها هي أكثر الدول انبعاثا في الوقت الحالي.
ولكن الولايات المتحدة تُركِّز على منطق يقول بأن انبعاثات الكربون السنوية من الدول النامية ستزيد عنها في الدول الصناعية بحلول عام 2015 كلما تحسنت الحالة الاقتصادية بتلك البلاد. جدير بالذكر هنا أن استهلاك الدول الصناعية للطاقة هو من أجل توفير المزيد من الرفاهية لأفراد شعوبها، تلك الرفاهية التي تفوق بمراحل مستوى المعيشة للفرد العادي على مستوى العالم، في حين أن استهلاك الطاقة في البلاد النامية هو من أجل توفير أساسيات الحياة.
إذا نظرنا إلى تراكم انبعاثات الكربون منذ عام 1950 يتضح أن الدول الصناعية مسئولة عن تواجد 80% من الكربون المتراكم حاليا في الجو، تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية وحدها مسئولية وجود 50.7 بليون طن من هذا الكربون المتراكم. بالمقارنة فإن الصين والتي يزيد عدد أفرادها عن أفراد الولايات المتحدة 4.6 مرات مسئولة عن وجود 15.7 بليون طن من الكربون المتراكم، والهند والتي يزيد عدد أفرادها عن الولايات المتحدة 3.5 مرات مسئولة عن وجود 4.2 بلايين طن من الكربون المتراكم.
انبعاثات الكربون المتراكمة للفترة ما بين 1950-1996
وإذا نظرنا إلى نسب انبعاثات الكربون السنوية، فإن أكثر من 60% من تلك الانبعاثات تأتي من الدول الصناعية؛ حيث يقطن 20% فقط من سكان العالم، وينبعث سنويا من الولايات المتحدة وحدها 7 مرات ما ينبعث من القارة الأفريقية بأسرها و4.5 مرات ما ينبعث من جميع دول أمريكا اللاتينية.
أما بالنسبة لانبعاثات الكربون للفرد، فهي أعلى 20 مرة بالولايات المتحدة عنها في الصين و12 مرة عنها في البرازيل و7 مرات عنها في الهند. يذكر أيضا أن الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمثل 4% من سكان العالم تستهلك 25% من الطاقة العالمية!.
انبعاثات الكربون للفرد في الدول الصناعية
وبالرغم من صحة ما يقال بأن انبعاثات الكربون السنوية للدول النامية ستزيد عنها في الدول الصناعية عند حلول عام 2015، فإن مجموع تراكم انبعاثات الدول النامية للكربون في الغلاف الجوي لن يصل إلى ما ساهمت به الدول الصناعية من هذا التراكم منذ عام 1950 إلا بحلول عام 2055. هذا التراكم هو السبب الرئيسي لما يُعرف بالاحتباس الحراري، كما أن دولا مثل الصين والهند لن تصل إلى نسب انبعاثات الكربون نفسها للفرد بالولايات المتحدة قبل عشرات السنين من الآن.
هكذا يتضح أن الولايات المتحدة تعتمد في تهربها من الاتفاقية على منطق غير سليم وغير عادل، بل قد يبدو أن الولايات المتحدة تخاف أن تلحقها بعض الدول النامية اقتصاديا إذا تركت تلك الدول دون التزامات نحو تخفيض نسب انبعاثات الكربون منها.
هذا في حين أن الكثير من الدول النامية قد بدأت بالفعل ودون سابق التزام منها اتخاذ إجراءات تستهدف تخفيض نسب تلك الانبعاثات، بل وحسب تقرير لمعهد الموارد العالمية فإن الدول النامية ربما تكون قد تخطّت الدول الصناعية منذ توقيع اتفاقية كيوتو عام 1992 في تخفيض تلك النسب!!.
ففي الفترة ما بين 1990- 1996 قامت 14 دولة نامية هي مصدر 25% من انبعاثات الكربون من مصادر صناعية بتخفيض الدعم الحكومي العام لأسعار الوقود الحفري بنسبة 45% (من 60 بليون دولار إلى 33 بليون دولار)، هذا التخفيض يؤدي إلى علوّ أسعار الوقود الحفري، وبالتالي إلى انخفاض الاستهلاك العام، وهو ما يؤدي إلى انخفاض نسب انبعاث الكربون، من هذه الدول: المكسيك والهند والمملكة العربية السعودية والبرازيل وجنوب أفريقيا. هذا في حين انخفض الدعم الحكومي العام لأسعار الوقود الحفري بالدول الصناعية المتقدمة بنسبة 20.5% فقط (من 12.5 بليون دولار إلى 9.9 بلايين دولار).
كما تقوم العديد من الدول النامية بتشجيع نشاط برامج توفير الطاقة والطاقات المتجددة، كما قامت الأرجنتين بإنشاء أكبر برنامج من نوعه على مستوى العالم للسيارات المستخدمة للغاز الطبيعي المضغوط؛ حيث تسير في شوارعها حتى الآن 450000 سيارة من هذا النوع، والتي تمثل حوالي 10% من إجمالي عدد السيارات بالأرجنتين.
رجوعًا إلى تعلل بوش بأن تولي الولايات المتحدة المبادرة في تخفيض نسب الانبعاث سيؤدي إلى هروب الوظائف والصناعات إلى الدول النامية بدلا من تركّزها في الولايات المتحدة، فالرد عليها هو أن 80% من الإنتاج الصناعي و90% من الوظائف بالولايات المتحدة متمركزة في قطاعات الصناعة التي تمثل تكاليف الطاقة بها أقل من 3% من التكلفة الإجمالية العامة.
وحتى بالنسبة للقطاعات المكلفة من حيث الطاقة، فإن تكاليف الطاقة لا تحدد اتجاهات الاستثمار العالمية؛ حيث إن أكبر الزيادات في الاستثمارات الأجنبية توجد بالدول الصناعية والنامية التي تتكلف الطاقة بها أكثر مما تتكلف بالولايات المتحدة.
ألم يأن الأوان لأمريكا أن تبدأ في تحمّل بعض مسئوليتها بدلا من إلقاء اللوم على غيرها؟ أم أنها بقصر نظرها على استعداد لتكون سببا رئيسيا لما يقبل عليه العالم من كوارث بسبب ما يعرف بالاحتباس الحراري؟.
|