|
الجماعات البيئية والمنظمات غير الحكومية تستغيث في بالي بأندونيسيا .. والولايات المتحدة الأمريكية ترفع شعار "أنا ومن بعدي الطوفان".. فقد اتهمت تلك الجماعات والمنظمات واشنطن بالعمل على إفشال مساعي وزراء دول العالم من أجل الوصول إلى إقرار خطة عمل تخص معالجة الفقر وحماية البيئة؛ لتقدم لقمة الأرض الدولية الثانية التي من المقرر أن تفتتح في جوهاسمبرج بجنوب أفريقيا في 26 من أغسطس المقبل، وتأتي بعد عقد من انعقاد قمة الأرض الأولى في ريو دي جانيرو التي أبرزت قضايا البيئة إلى الساحة الدولية.
فقد وصل الاجتماع وبعد أسبوعين من المداولات في جزيرة "بالي" الأندونيسية إلى طريق مسدود عند اختتام الاجتماع الوزاري يوم الجمعة (7-6-2002م)، وجمد الاتفاق ولم يوقع عليه، وهو ما سيرفع الخلافات إلى القمة، وقال المراقبون من الجماعات البيئية والحقوقية بأن ما اتفق عليه في "بالي" وما سيرفع لقمة الأرض بعد أقل من 3 أشهر لن يأتي بالنفع لثلاثة مليارات نسمة من فقراء العالم هم نصف سكانه ممن يعيش الواحد منهم على أقل من دولار يوميًّا.
وزراء البيئة.. ما زال هناك أمل
ولم يحاول 120 من وزراء التنمية والبيئة والمسؤولين المشاركين قبل مغادرتهم إخفاء شعورهم بالخيبة من النتيجة غير المرضية للاجتماع التحضيري لقمة الأرض الثانية التي يراد لها أن تكون أكبر اجتماع تعقده الأمم المتحدة في تاريخها، حيث دُعِي إليه أكثر من 175 زعيم دولة و60 ألفًا من المشاركين، غير أن بعضهم أصرَّ على أن فشل اجتماع بالي التحضيري لا يعني بالضرورة حسم نتيجة القمة الرئاسية بالفشل.
وقد لاقت الولايات المتحدة الأمريكية انتقادات جماعات ومنظمات عديدة عدة مرات، وقال دانيال ميتلر من جمعية أصدقاء الأرض بأن واشنطن لم توافق على تحقيق بعض الأهداف داخل بلادها وقدمت المصالح التجارية على ما تسعى إليه دول العالم الأخرى، وقال وزير البيئة الأسباني جاومي ماتاس: "لقد جئنا إلى بالي للتوصل إلى اتفاق وجدول أعمال زمني لخطط تستهدف حماية حياة الناس ومعالجة الفقر، لكننا لم نحقق ذلك "إشارة إلى عدم الاتفاق على الخطة العشرية المقترحة التي تتناول التنمية المتوازنة، والفقر، والطاقة، والمياه، والتنوع الحراري، ونقل التقنيات من الدول الغنية إلى الفقيرة".
في الوقت نفسه حاول البعض الإشارة إلى وجود أمل بالتوصل إلى اتفاق في القمة الرئاسية، مثل: إيميل سليم الوزير الأندونيسي السابق للبيئة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المداولات لم تتوصل إلى ما هو أهم في جدول الأعمال كتحديد جدول أعمال تنفيذي ملزم وتحديد أساليب ومصادر تمويل التعهدات المذكورة في الخطط، وقال: "إنها بالفعل معركة مصالح بين الدول الصناعية والدول النامية والفقيرة".
3 تكتلات في الاجتماع
وأكَّد سلامات هدايت أحد أعضاء الوفد الأندونيسي بأننا "لم نصل إلى أي اتفاق لقد وصلنا لطريق مسدود.. لقد كان هذا اجتماعنا التحضيري الرابع والأخير، ولم يبق سوى أسابيع قبل انعقاد القمة.. كان الانقسام واضحًا حول قضايا التجارة والتمويل بين دول الشمال الصناعية ودول الجنوب النامية والفقيرة".
وأضاف هدايت بأن التكتل الأول للدول في المفاوضات ضم الصين والدول الـ77 النامية، وكان التكتل الثاني يضم دول الاتحاد الأوروبي، فيما عرف التكتل التفاوضي الثالث بمجموعة "جوسكانز" التي ضمت الولايات المتحدة، واليابان، وكندا، وأستراليا، ونيوزلندة، وقد وافق تكتل الدول النامية بالإضافة إلى نيوزلندة والنرويج على الخطة المقترحة، فيما ظلت البقية من مجموعة جوسكانز وعلى رأسهم الوفد الأمريكي وعدد من الدول الأوروبية حجر عثرة أمام الاتفاق النهائي لكثرة ما عارضوه أو تحفظوا عليه في الاتفاق.
إغراق الخطة بعبارات غامضة
ومن الأمور التي لم تتعاون بشأنها الدول الصناعية جزئية تمويل المشاريع في الدول الفقيرة، كما أن الوثيقة المقترحة من قبل وفد جنوب إفريقيا التي ظهرت في 39 صفحة، وتضم 100 نقطة توسعت إلى 158 نقطة في 75 صفحة؛ بسبب كثرة التعديلات التي طالبت بها الدول الصناعية، وقد احتجت العديد من المنظمات غير الحكومية على محاولة كتلة دول جوسكانز إغراق النسخة الأصلية من الاتفاق بالكثير من الكلمات والعبارات المطاطية، مثل: "يعزز"، و"يستكشف"، و"يشجع"، و"يسعى"، و"نقر".. والتي لا تحدد إلزامًا معينًا على الدولة الموقعة على الخطة، ومن بين المنظمات المحتجة "السلام الأخضر" التي نظمت احتجاجًا سلميًّا داخل ممرات المؤتمر في وقت متأخر من ليل الجمعة إثر انتهاء الاجتماعات بالفشل.
كما كانت هناك مجموعات أخرى غير حكومية تجمعت في ظلِّ تكتل إيكو البيئي، وتكتل أوكسفام، وتكتل السلام الأخضر التي قالت إحدى مندوبيها: إننا وبعد عشر سنوات من القمة الأولى ما زلنا نناقش ما تم مناقشته آنذاك فنحن ما زلنا في "ريو" ولسنا في "بالي"، إشارة إلى رفض الولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى المتحالفة معها لأن يحدد جدول زمني تنفيذي ملزم لأية خطط تتعلق بالقضايا التنموية والاجتماعية والبيئية المطروحة.
الإمبريالية العالمية!
أما التلفظ بكلمتي "الإمبريالية العالمية" فقد عاد من جديد يظهر على ألسنة المشاركين في الاجتماع الذين اتهم الكثير منهم الولايات المتحدة بمحاولة الحفاظ على نفوذها، وبسط سيطرتها على شؤون حياة سكان العالم أجمع، وإفشال مساعي إنقاذ الإنسانية من الكوارث الصناعية والبيئية والفقر، فحتى محاولة بعض الوفود تحديد جهود التنمية المتوازنة بدوائر إقليمية عوقت من قبل الوفد الأمريكي الذي رفض المشاركة في تمويل أي مشاريع أو جهود تخصص لبرامج يتم تحديدها والإشراف عليها إقليميًّا وليس دوليًّا، واتهم البعض الولايات المتحدة "بارتهان مجتمعات العالم لمصالحها" منذ أن أفشلت تنفيذ خطط قمة الأرض الأولى قبل 10 سنوات.
الدول النامية والفقيرة ومع أن كثيرًا منها تفتقد لاستخدام "إستراتيجية الهجوم" في التفاوض فقد كانت وفودها نشطة في اتباع "إستراتيجية الدفاع"، في الوقت الذي تعهدت المنظمات غير الحكومية الإقليمية والعالمية إلى نقل "المعركة من أجل تنمية أفضل" إلى جوهانسبرج، وقال كيم كاريستنسون من الصندوق العالمي للطبيعة بأن "ضغوطات المجتمع المدني يجب أن تستمر لتظل روح السعي لتنمية عادلة ومتوازنة حية".
هل ستنجح القمة القادمة؟
وحسبما يشير إليه مسح أجراه مجلس الدفاع عن الثروات الطبيعية بأمريكا فإن معظم رؤساء دول العالم المدعوين لحضور قمة الأرض لم يؤكدوا مشاركتهم على الرغم من قصر الفترة المتبقية للإعداد للقمة، ويقول المجلس بأن زعماء الدول الكبرى والصناعية كأمريكا والصين والهند وروسيا وقرابة 90 من زعماء دول أخرى لم يؤكدوا مشاركتهم حتى الآن، فيما تأكدت مشاركة 40 زعيمًا، وقال وفود 40 دولة أخرى بأن زعماءها سيشاركون "على الأرجح".
وتساءل "جاكوب سشير" مدير البرامج الدولية بالمجلس عما إذا كانت قمة جوهانسبرج ستبوء بالفشل أو بخطابات رنانة لا تلزم الدول المشاركة بأية التزامات ولا تلقى تنفيذًا كما حصل في قمة الأرض الأولى التي عقدت في عام 1992م!.
|