English

 

الخميس. فبراير. 23, 2006

علوم و صحة » صحة » طب بديل

 
   
روابط من إسلام أون لاين

انتصار فيتنام في الحرب الإنفلونزية

أسامة جاد

رغم أنها أكثر الدول ابتلاءً بأنفلونزا الطيور إلا أن خطتها للتعامل مع المرض كانت الأكثر نجاحاً
رغم أنها أكثر الدول ابتلاءً بأنفلونزا الطيور إلا أن خطتها للتعامل مع المرض كانت الأكثر نجاحاً

رغم تسجيلها أعلى نسبة إصابة بإنفلونزا الطيور بين البشر في العالم فإن توقف انتشار المرض بها منذ 15 ديسمبر 2005، وعدم رصد أية إصابات جديدة سواء بشرية أو بين الدواجن يؤكد بما لا يدع مجالا للشك نجاح الحملة الوطنية التي تبنتها فيتنام لمكافحة هذا المرض.

إلا أن الحملات الإعلامية التي تقوم بها حكومة فيتنام لم تتوقف، وما تزال متواصلة وكان آخرها حملة إعلامية كبيرة بدأت في 27 يناير 2006 بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة هدفها تثقيف الشعب بكيفية منع انتشار مرض إنفلونزا الطيور مرة أخرى، وهي الحملة التي جاءت بمناسبة استعدادات فيتنام للاحتفال بالسنة القمرية الجديدة والتي تقوم فيها كل ولايات فيتنام بذبح الدجاج والبط. وأكدت الحملة على أربع أفكار رئيسية تتركز في تجنب الاتصال أو التعرض للطيور المريضة أو الميتة، وذبح الطيور بطريقة سليمة، وطبخها بشكل جيد، والمحافظة على الأسس الصحية السليمة عند نقلها.

خطة محكمة للمكافحة

كانت فيتنام من أوائل الدول التي شهدت إصابات بإنفلونزا الطيور والتي سجّلت انتشارًا وبائيا للفيروس، وبعد تأكيد أول حالات إصابة في ديسمبر 2003، بدأت حالات المرض تكتشف تباعا في كافة أنحاء البلاد، حتى وصل انتشار الوباء إلى أكثر من 24% من التجمعات السكانية و60% من المدن، وحتى مارس 2004 كان أكثر من 17% من مجموع الطيور الموجودة في فيتنام قد نفق بسبب المرض وهو ما يصل إلى 3.7 ملايين طائر، وهكذا تواصلت حالات تفشي المرض في أنحاء فيتنام وبصورة وبائية خطيرة.

ومنذ بدايات انتشار الوباء في ديسمبر 2003 سجلت فيتنام أيضا أعلى معدلات للإصابة بين البشر ليصل إجماليها 93 حالة، توفي منها 42 شخصاً، وقد سجلت حالات الإصابة في 32 مقاطعة وبلدية تركزت حول دلتا النهر الأحمر في الشمال، ومنطقة دلتا الميكونج في الجنوب، بالتوازي مع حالات الإصابة بين الطيور.

وفي 18 نوفمبر 2005 أتمت حكومة فيتنام خطتها الوطنية لمكافحة إنفلونزا الطيور، والإصابات البشرية الناجمة عنها بعد دراسات مستفيضة، حيث أعلن رئيس وزراء فيتنام تفاصيل تلك الخطة ومحدداتها الرئيسية، وهي الخطة الشاملة التي وضع تفاصيلها التجمع القيادي الوطني لمكافحة واحتواء إنفلونزا الطيور، وشملت توزيعا شاملا للمهام بين 15 وزارة تشكل الهيكل العام للحكومة والأفراد في مختلف مستوياتهم وتجمعاتهم مع توضيح مظاهر الوباء ومختلف السيناريوهات التي يمكن أن يتطور انتشاره من خلالها.

وشملت الإستراتيجية العامة لمكافحة إنفلونزا الطيور في فيتنام محورين رئيسين هما:

- الرعاية البشرية:

بين صحة الطيور وصحة البشر كانت إستراتيجية فيتنام للتعامل مع الأزمة

أقر وزير الصحة الفيتنامي الخطة الوطنية لتجنب الإصابات البشرية بالإنفلونزا في 24 نوفمبر 2005، حيث حددت الخطة المناطق الموبوءة بالمرض، والمناطق محتملة الإصابة مع تحديد نظم للإشراف والإنذار المبكر، والتعريف بمخاطر الاتصال بالجمهور والعاملين في الرعاية الصحية، إضافة للتحكم في الحدود والفوارق الطبقية، وإعداد نظام رعاية استشفائية.

وتم توزيع مهام مختلفة تبعا لاختلاف أنماط ومستويات الإصابة المرضية، وذلك على ضوء قاعدة أساسية مفادها أن الاستعداد الجيد والاستجابة المناسبة لإنفلونزا الطيور سيساهمان في تحسين النظام الصحي بشكل عام، بما يحد من احتمالات الإصابة بأقصى درجة.

- صحة الطيور:

وأعلن وزير الزراعة والريف الفيتنامي الخطة الطارئة لاحتواء الانتشار الوبائي لإنفلونزا الطيور في 5 ديسمبر 2005، وشملت تلك الخطة تكليف الخدمات البيطرية الوطنية بتطوير إستراتيجياتهم لاحتواء إنفلونزا الطيور، وإنشاء مراكز للتحكم في انتشار المرض فضلا عن إصدار سلسلة من الأدلة والمنشورات الإرشادية للتعريف بالمرض والتأكيد على ضرورة التخلص من الطيور المصابة بالطرق والوسائل الآمنة التي تحد من انتقال المرض إلى كائنات غير مصابة، حيث تم توزيع تلك المنشورات والأدلة الإرشادية في وسائل النقل المختلفة وعلىأصحاب مزارع الطيور الصغيرة.

تفاصيل التجربة الفيتنامية

وتمثلت الإجراءات التفصيلية للتجربة الفيتنامية في عدد من المعايير والنقاط الهامة والتي تشمل:

- الالتزام الصارم بالسياسات العالمية للتعامل مع الطيور المصابة والتخلص منها بصورة عاجلة وبوسائل تمنع انتقال المرض.

- بدأ حملة كبرى لتطعيم الطيور غير المصابة باللقاحات والأمصال الضرورية لمنع انتقال المرض إليها.

- رفع مستوى برنامج التوعية الجماهيري لدعم القدرة على تشخيص المرض في أسرع وقت، ودعم الإمكانات البحثية.

- التأكيد على الخطورة الكبيرة للاستهانة بإجراءات الوقاية.

- تنفيذ برنامج استقصائي شامل لدراسة مسارات الطيور المهاجرة التي تمر عبر فيتنام واحتمالات إصابتها.

- وفي الوقت نفسه ولدعم الخطة الإستراتيجية على المدى الطويل تم التأكيد على دعم وتعويض أصحاب مزارع الدواجن لتحفيزهم على التخلص من الطيور المصابة أولا بأول، وهو الدعم الذي تمت زيادته بنسبة 10 إلى 15 % في عام 2004 ووصل إلى 50% في 2005، ليتم تقاسم الخسائر بصورة متساوية بين الحكومة والمستثمرين.

أما على مستوى الصحة العامة للبشر فقد تم اعتماد الإطار الصحي الذي اتبع في مكافحة مرض السارس حيث شكلت لجنة مركزية من الخبراء ولجان فرعية موزعه في جميع المراكز الصحية ومختبرات العلاج في أنحاء البلاد، مع تطوير نظام متكامل وفاعل للإنذار المبكر ونظام صارم للوقاية يقوم على آليات الحجر وإعداد المستشفيات لاستقبال حالات الإنفلونزا.

وكانت أهم عناصر البرنامج الصحي التأكيد على أهمية وخطورة الوضع وتحديد معاهد صحية رئيسة في كل إقليم لتكون بمثابة مرجعية إقليمية في إطار نظام التوعية والإنذار المبكر مع تطوير برنامج الرعاية الصحية لمرضى الإنفلونزا بأفضل صورة ممكنة، فضلا عن الحرص على وصول رسالة التوعية إلى الجميع حيث تم الاعتماد في ذلك على قطاعي التعليم والإعلام بصورة أساسية، كما تمت الاستعانة بالنظام التشريعي المحلي لتقنين وتحديد المسئوليات الفردية والعامة فيما يتعلق بمكافحة المرض.

تحديات أساسية

نظرأ لأن النسبة الأكبر من مربي الطيور في فيتنام هم الفقراء كان حل مشكلة العامل الاقتصادي للأزمة هو التحدي الأكبر

كانت أبرز التحديات في مواجهة انتشار مرض إنفلونزا الطيور هو المتعلق بالعامل الاقتصادي خاصة فيما يتعلق بالأفراد البسطاء الذين يربون الدجاج في الباحات الخلفية لمنازلهم، وهو التحدي الذي تمت مواجهته من خلال التأكيد على أن مكافحة المرض ليست مجرد مسئولية مركزية وإنما هي مسئولية مشتركة بين القطاعات المتعددة وبمشاركة جميع المواطنين.

كان التحدي الثاني فيما يتعلق بالخطة هو ما أكدته الإحصاءات من أن أكثر من 70 % من أفراد المجتمع الريفي من الفقراء يقدمون أكثر من 60% من الطيور المتوافرة في السوق المحلية في فيتنام ومعظم هؤلاء من الفقراء الذين تشكل تربية الدجاج وبيعه مصادر دخلهم الوحيدة. الأمر الذي نجم عنه تأثيرات معاكسة باعتبار أن هؤلاء المستثمرين الصغار كانوا الأكثر تأثرا من المرض.

وفي مواجهة ذلك كان برنامج التوعية محورا أساسيا وهاما من محاور الخطة للتعريف بخطورة المرض وتغيير السلوكيات في التعامل معه.

أما التحدي الأخطر فهو غياب المعلومات الكافية على مستوى الإصابات، الأمر الذي تمت مواجهته بتنفيذ نظام شامل ودقيق للإنذار المبكر، فيما كان الحل في مواجهة نقص المعرفة الكاملة بالمرض ذاته وتطور مراحل الإصابة هو في زيادة الاهتمام بالأبحاث العلاجية الخاصة بالرعاية الطبية والبحث العلمي.

مشاركة المواطنين.. هي الأهم

تبني المواطنين لخطة الدولة لمواجهة الأزمة والمشاركة الفاعلة لها كانت حجر الأساس للخروج من المأزق

ربما كان واحدًا من أهم عناصر وتفاصيل الخطة الفيتنامية لمكافحة المرض هو ما يتعلق بمشاركة المواطنين في تبني الإستراتيجية العامة لمكافحة المرض، فمن خلال برنامج التوعية تم تأكيد مفهوم عام لدى المواطنين بأن الخسائر العاجلة أفضل إلى حد بعيد من استمرار انتشار المرض بما يتسبب في خسائر فادحة على المدى الطويل.

ومع تقنين برنامج للتعويضات وآخر للعقوبات بدأت المبادرات الأهلية في مساعدة اللجان الفرعية والرئيسية لمكافحة المرض تؤتي ثمارها وبصورة متسارعة إلى أن تمكنت الدولة من احتواء هذا الوباء بصورة شبه متكاملة.

التجربة الفيتنامية سواء فيما يتعلق بصحة البشر أو بصحة الطيور جاءت متسقة بصورة عامة مع الإستراتيجية العالمية لمكافحة فيروس إنفلونزا الطيور التي أعلنت في مايو 2005، كما تتسق تلك الخطط مع الخطة العالمية للاستعداد لمكافحة المرض والتي أعدتها منظمة الصحة العالمية وأطلقتها في أغسطس 2005.

الأمر الذي يجعل تلك التجربة بمثابة خبرة يمكن تكرارها في دول أخرى، وهو الأمر الذي أكدته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO، فمعايير وعناصر الخطة واضحة تماما وآليات تطبيقها ممكنة، وما دامت قد أكدت نجاحها في فيتنام التي شهدت أكبر معدلات للإصابة فمن باب أولى أن تنجح في دول أخرى لم يصل انتشار المرض فيها لحدود المرحلة الحرجة.

غير أن النقطة التي لا بد من التأكيد عليها هي أن التجربة الفيتنامية لم يكن ليكتب لها النجاح لولا وصول رسالة التوعية إلى جميع المواطنين، واشتراكهم في تنفيذ الخطة من موقف المتبنين لها، والمشاركين فيها، وذلك لم يكن ليحدث في غياب برنامج التعويضات من جهة، أو غياب الشفافية والوضوح في التعامل مع المرض والإعلان عن تفاصيله.

هوامش ومصادر:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم