English

 

الثلاثاء. يوليو. 25, 2006

علوم و صحة » ملفات خاصة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الصحة العالمية: "سينما بلا تدخين أو مسكرات"

سعيد أبو معلا

Image

"ليذهب الجمهور إلى الجحيم".. يبدو أن هذا هو الشعار الخفي وغير المعلن الذي يرفعه أغلب القائمين على السينما المصرية الجديدة، والذي يقابله بالضرورة وبشكل معلن شعار "الكسب أولا وأخيرا".

يرصد ذلك أي متابع لحالة الإنتاج السينمائي مع بداية كل صيف؛ وهو الأمر الذي تنبهت له "منظمة الصحة العالمية" وتحديدا حول قضية كثرة ظهور المدخنين ومتناولي المسكرات في الكثير من الأفلام دون أدنى حاجة لذلك في العمل الفني؛ وهو الأمر الذي دفع المنظمة لإطلاق حملة تحت شعار "سينما بلا تدخين أو مسكرات".

حيث يلحظ المشاهد أن هناك ارتفاعا كبيرا في نسبة الأفلام التي تتناول وتعرض المدخنين والمسكرات والمخدرات بشكل مبالغ فيه وكبير نسبيا دون أدنى انتباه إلى أثر ما يبث على الجمهور وتحديدا من فئة الشباب والمراهقين.

حملة تطهير

وجاء في حملة منظمة الصحة العالمية: "يعج الموسم السينمائي الصيفي -في منطقتنا- لهذا العام بأفلام وأعمال فنية تجتذب الملايـين من الشباب وصغار السن، وتمثل فرصة فريدة لتمرير الرسائل إلى جموع هؤلاء الشباب عبر الوسيلة الأكثر قربا إلى أنفسهم".

وأضافت منظمة الصحة العالمية أنه "كم كنا نرجو أن يتواءم نوع ومحتوى هذه الرسائل مع أنماط الحياة الصحية التي تفيد هؤلاء الشباب ومجتمعاتهم، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك".

وتأتي هذه الحملة بمثابة صيحة تحذير لما سبق أن أشارت إليه المنظمة من التنديد بما أصبحت عليه الأعمال الدرامية من ترويج لاستهلاك منتجات التبغ وتعاطي سائر أشكال المخدِّرات والمسكرات.

وتختلف هذه الحملة عن سابقتها من حيث كونها تختص هذه المرة بالأفلام السينمائية، وتتوجَّه بالنداء إلى صنَّاعها والقائمين عليها من فنانين وفنيِّـين ومنتجين للتخفيف من غلواء مشاهد التدخين وتعاطي الخمور والمسكرات تماشيا مع الشعار الذي رفعته المنظمة منذ عامين "سينما بلا تدخين" في حين وجهت الحملة السابقة إلى القائمين على الأعمال الدرامية التلفزيونية، لا سيَّما التي تُعرض خلال شهر رمضان.

وتقول الدكتورة فاطمة العوا -المستشارة الإقليمية لمبادرة التحرُّر من التبغ بمنظمة الصحة العالمية: إن "من أهم بنود الاتفاقية الدولية لمكافحة التبغ التي دخلت حيِّز التنفيذ في شباط/ فبراير الماضي، الحظر النهائي والشامل للترويج لمنتجات التبغ للصغار بكل صوره، لكن ما نراه على شاشات السينما هذه الأيام هو ترويج لهذه المنتجات في قالب درامي للتحايل على تشريعات الحظر من جهة، ولتحقيق تأثير أكبر على الشباب من جهة أخرى".

فمن بين عشرات الأفلام التي ابتدأ بها الموسم الصيفي السينمائي بمصر وسائر المنطقة العربية، لا يكاد يخلو فيلم واحد من مشاهد مكثفة ومقدمة لشخوص من كافة الأعمار والفئات يتعاطون التبغ والمسكرات بلا انقطاع.

كما يظهر في الكثير من الأفلام أن تعاطي المسكرات والتبغ كأنه فعل يومي مقدَّس لكل أفراد المجتمع، وبعضها لا يفرق بين الإناث والذكور حتى في نسبة التعاطي.

محاولة مقصودة

ويبدو أن المنظمة تحرص على متابعة محتوى الأعمال الفنية بمختلف قنواتها وقوالبها. والنتائج التي أُحرزت حتى الآن غير مرضية، بل وتبعث على القلق من تزايد معدل مشاهد تعاطي التبغ والمسكرات، رغم أن صانعي هذه الأفلام يعلمون جيداً أن معظم مشاهديهم هم من صغار السن الذين قد يصعب عليهم التفرقة بين ما يرونه على الشاشة وما يمكنهم أن يفعلوه في واقع حياتهم.

وترى المنظمة أن الأمر يبدو أحيانا وكأنه محاولة مقصودة للإيقاع بهؤلاء الصغار في شرك إدمان التبغ وغيره من مواد الإدمان.

وعلَّق الدكتور حسين الجزائري، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، على هذا الأمر قائلا: "لقد حان الوقت لأن يبدي السينمائيون والفنانون بصفة عامة استعدادهم لمد يد العون لمنظمة الصحة العالمية من أجل الوصول برسالة صحية هادفة إلى جماهيرهم العريضة".

ودعا الجزائري إلى ضرورة أن يلتزم صناع السينما بتوضيح مصادر تمويل الأعمال الفنية بعد أن أصبحت بعض هذه الأعمال -مؤخرا- مجالاً خصبا لبعض شركات التبغ والمسكرات لتعمل من وراء الستار على الترويج لمنتجاتها بالمخالفة للقوانين والتشريعات.

المدخن وصورته

ولن ندرك طبيعة التأثيرات التي تحدث للمشاهدين وتحديدا من فئة الشباب والمراهقين إلا بتلك الصورة التي يرتبط بها المدخن ومتناول المسكرات بطبيعة الجو الذي تفرضه السينما على المشاهد، فغالبا ما تكون شخصية المدخن هي الشخصية الرجولية التي تمتلك القوة والقدرة على الفعل بالنسبة لفئة الشباب والرجال فيما تظهر المرأة المدخنة بالمنطلقة والحرة والمتحررة من الأعباء الاجتماعية التقليدية، وهي صور نمطية تحاول الأفلام الترويج لها دون أدنى حاجة فنية للعمل الدرامي.

وبرأي الناقد محمد ممدوح، فإن عملية أو سلوك التدخين يظهر بمثابة مكون أساسي من شخصية البطل يصعب التنازل عنه مهما حدث مع البطل من تجارب وتحولات، كما يظهر البطل مستعينا بالسيجارة أو كأس الكحول في اللحظات الفارقة كالفرح والحزن، فالسيجارة مثلا هي متكئ أساسي بدلا من الصديق مثلا أو الأسرة أو الأب أو الأم أو الزوجة.

ويرى أن ذلك يحدث تأثيرا سلبيا وتحديدا في حالة التماهي التي يصنعها البطل ويصدقها المشاهد؛ حيث يتعاطف معه ويقلده بتفاصيل سلوكه.

استثمار فني سلبي

ويبدو أن المنتجين يستثمرون الجو العام الصيفي، ورغبة الناس في التنفيس عن أنفسهم من ضغوط العمل إضافة إلى الإجازات والعطل الرسمية التي تكون سببا مباشرا لزيارة السينما لحشد عشرات الأفلام بمضامين لا تراعي قيم المجتمع وعاداته أو صحته.

وبرأي الناقد الفني ممدوح فإن أي مظهر اجتماعي سلبي أو إيجابي لو تم الاستغراق فيه بشكل كبير وبشكل غير خادم لموضوعه، فإن نتيجته ستكون سلبية، فحتى لو قصد منتج الفيلم أو مخرجه تقديم صورة سلبية للمدخنين فإنهم يفشلون في ذلك، فكيف لو لم يكن ذلك في حسبانهم أصلا.

كما أن الوسيط السينمائي مهم جدا لغرس وتنمية سلوكيات إيجابية، وتحديدا عند فئات المراهقين لكونهم الشريحة الكبرى، لكن ما يجري هو أن القيم السلوكية المقدمة سلبية ويكون ذلك في ضوء رغبة من المراهقين في تقليد الأبطال (مدخنين، مدمنين، شاربي كحول) بلا وعي.

مفارقات

يذكر أن هناك مفارقات كثيرة في صناعة الأفلام العربية منها الترويج بأن التحذير من مخاطر التدخين والمسكرات على المراهقين هو إشارة إلى تخلف عربي، في حين أن ذلك الأمر يشكل قضية عالمية كبرى، وقد ظهر جليا أن هناك شركات تدخين تساهم بشكل فعلي في إنتاج أفلام سينمائية مثل الفيلم المصري "سهر الليالي" الذي كانت عبوة التدخين فيه والتي تحمل شعار الشركة بطلا موازيا لأبطال الفيلم ونجومه.

الخطير فعليا في اعتبار أحد سمات شخصية البطل المدخن أو شارب المسكرات تقبل المجتمع له والنظر إليه على أنه أمر عادي، وذلك نتاج سياسية سينمائية من عشرات السنوات عملت على زرع ثقافة عامة ترضى بذلك وتتقبله، وبالتالي كانت الخبرة الثقافية للمشاهد تدعم اتجاه اعتبارها مكونا لا مانع من ظهوره.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم