English

 

الأربعاء. أكتوبر. 23, 2002

علوم و صحة » صحة » باطنة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الطب الشعبي .. كنز الفقراء ينقب عنه الأغنياء

ماليزيا.. "البوموه" طبيب يواجه الانقراض

صهيب جاسم

فتاة تتلقى العلاج بالأبر الصينية
فتاة تتلقى العلاج بالأبر الصينية

هو أكثر من مجرد جرعة دواء أو تناول لعشب، أو استخدام أي وسيلة مادية؛ فالعلاج التقليدي في الملايو عملية استشفاء شاملة يتم خلالها التركيز على الجوانب الروحية والنفسية للمريض إضافة لكل أساليب العلاج الأخرى. يتوارث سكان شبه جزيرة الملايو المعروفة بماليزيا الغربية هذا النوع من العلاج الذي من ثم انتشر في أجزاء من ماليزيا الشرقية، وهو يعد أحد أنظمة العلاج الآسيوي التي يطلق عليها الغرب أو الطب البديل Alternative Medecine.

يسمى ممتهنو الطب الشعبي في الملايو بالـ"بوموه" أو "دوكون" أو باوانغ"، ذلك على حسب الفترة الزمنية التي يقضيها الواحد منهم في تعلم فلسفة الحياة واستخدامات الأعشاب وأجزاء من الحيوانات والمعادن للعلاج، وارتباط كل ذلك بالإنسان وحياته ليكون بعدها قادرا على اختيار الدواء المناسب للمرض المناسب، وهم يحظون باحترام شديد في المجتمع الريفي على وجه الخصوص، ولا سيما كبير السن منهم الذي يطلق عليه "توك".

من المعتاد أن تضم العائلة الواحدة أكثر من فرد يتوارثون علم العلاج التقليدي ليعملوا به كعمل رئيسي أو ثانوي في حياتهم اليومية، وفي الغالب يحاول الأكبر سنًّا اختيار من يراه مناسبًا ومؤهَّلا لهذه المهنة ليورث له هذا العلم، ولا يتقدم الأصغر سنًّا ليرث هذا العلم إلا إذا أصاب العائلة مصيبة أو حدثت حادثة تجعله مجبرا على طلب المشاركة.

كل "بوموه" يبدأ تعليمه بالعلوم الشرعية من فقه وتوحيد وتصوف؛ ليس لأن ذلك ضروري لعمله فقط، ولكن لأنه يعيش في بيئة مسلمة تحتم عليه ذلك، ولا تقبله –خصوصا بعد انتشار آثار الصحوة الإسلامية- أن يكون جاهلا بما جاء في الشريعة من أمور تهم الطبيب التي لو جهلها البوموه فإنه قد يسقط في أوحال الشعوذة والخرافات.

وطريق تعليم البوموه قد يكون عبر ما يزيد عن 21 أستاذا في بعض الحالات، يتوزعون بين قرى أو حتى ولايات، ويحتاجون من الطالب السفر إليهم، خصوصا إذا كان هناك أستاذ "بوموه" يجمع بين علم شرعي واسع وعلم طبي شعبي عميق؛ فالمتقدم في علمه من هؤلاء قد يلم باستخدامات 4 آلاف نوع من مستخلصات الأعشاب والحيوانات والمعادن والسوائل.

تدليك وأعشاب.. وعلاج روحي

يسترشد الطب الملايوي التقليدي بتعاليم الإسلام.. فالبوموه أو المريض يؤمنان بشموليتها، وبأن في القرآن والسنة شفاءً وتحصينًا من المرض والضرر، وتأتي صفتا "الحلال والنظيف" لتكونا أمرا لازما لمن أراد الحفاظ على صحة جيدة؛ لذا فعلى البوموه ألا يوقع مرضاه في استخدام لأي محرم أو "غير نظيف ولا طاهر"، وهناك ثلاثة جوانب رئيسية للعلاج:

أولاها العلاج الروحي لعلاج الأسقام النفسية والروحية بما فيها المس والسحر والفزع والأرق والاكتئاب، ويستخدم البوموه الملتزم بقواعد مهنته الرقية الشرعية والأدعية المأثورة، معتمدا في علاجه على اعتقاد الملايويين وإيمانهم بتأثيرها الفعلي، كما يستعين بالماء والليمون، ويعني بالماء زمزم لبركته أو مياه المطر في ليلة الجمعة (الخميس ليلا) أو مياه الآبار، وهي ليست كثيرة لاعتماد الناس على مياه المطر والأنهار.

وثانيها التدليك، وهو أسلوب منتشر في جنوب شرق وشمال شرق آسيا، ولكل منطقة أساليبها ودهونها وآلاتها المختلفة عن الأخرى، وفي إطار التدليك الملايوي هناك تدليك عام، والكثير من الرجال والنساء يمارسونه في منازلهم أو محلات أو عيادات خُصصت لذلك بما فيها بعض محلات الحلاقة ومصففي الشعر، وهناك متخصصون بتدليك أجزاء معينة من الجسد كتدليك الرقبة والرأس وتدليك العمود الفقري، وهناك تدليك لأمراض معينة كتدليك الرجال المصابين بالعجز أو الضعف الجنسي لإعادة تدفق الدم وتدليك العقم.

أما ثالثها فهو الأعشاب، ومنها أنواع كثيرة على شكل سوائل وزيوت ودهون وحبوب وأقراص وأعشاب مطحونة وأوراق نباتية تغلى كالشاي، وتعمل هذه الأعشاب على غير ما تعمل به الأدوية المصنعة حسب الطريقة الغربية الحديثة، وأساسًا يراد من الدواء إرجاع التوازن الطبيعي إلى عناصر وأجهزة الجسم؛ وذلك من خلال: تصفية الدم من العناصر غير المرغوب فيها، وتحسين مجرى الدورة الدموية، وتحسين هضم الجسم وامتصاصه، والقضاء على الأورام، وإبعاد عدم الارتياح والألم، وتنظيم إفرازات الجسم، وتقوية الشهية.

من الأعشاب ما هو معلب ويباع ليتم خلطه وإعداده للتناول من قبل أهل المريض، ومنه ما يجهز بالمنزل؛ حيث إن كل من لديه معرفة طبية عامة بالطب التقليدي يقوم بإعداد بعض الخلطات أو السوائل الطبية البسيطة التي تشتهر تركيبتها، وحسب الثقة بين المرضى وطبيب منطقتهم فإنهم يفضلون أخذ الدواء منه بدلا من شرائه؛ لأنه يعده بنفسه وربما أمام المريض.

وفي العصر الحديث تطورت صناعة الأعشاب الملايوية؛ فدخلت في مجالها المصانع المنزلية أو التجارية الصغيرة أو مصانع الشركات الكبيرة التي تستخدم أحدث الآلات لخلط وطحن وعصر وتعليب الأدوية. وهنا تُعرف بعض الشركات دون غيرها باستخدام أساليب المحافظة على الجودة، وإجراء الاختبارات قبل الحصول على تصديق وزارة الصحة لبيعه في الأسواق.

وهناك من يصنع ويبيع دون ذلك التصديق، وقد يكون المنتج صالحًا أو غير مؤثر أو حتى مضرًّا إذا دخل الغش في سلوك المصنعين كما هو الحال في سوق الأدوية الحديثة، ولوجود أدوية متخصصة لفئات معينة كأدوية النساء المتزوجات أو الفتيات غير المتزوجات؛ فإن الأطماع التجارية تدفع الكثيرين للدخول في هذا النوع من التصنيع وإشاعة منتجه بين سكان المدن.

البوموه.. مهدد بالانقراض

طبيب البوموه

هناك العديد من المصاعب التي تواجه هذا الطب التقليدي واستمرار تواجده كنظام استشفائي أثبت نجاحه على مدار قرون طويلة.. ومن أهم ما يواجهه من مشاكل افتقاد دليل للأطباء "البوموه" الموجودين بجميع أنحاء ماليزيا، إضافة إلى أن التجارب الطبية وكثيرا من المعلومات يتم توارثها شفهيا ولا تُكتب، ويضيع الكثير منها بوفاة طبيب خبير لم يسجلها كعادة أكثر "البوموه"، وعندما يجمع أحدهم سجلاته قد لا يجد من يتعاون معه لنشر ما استطاع تحصيله من أسرار هذا الطب، كما أن هناك الكثير ممن يظل يخفي أسرار استخدام دوائه حتى لا يقدر آخرون على تصنيعه أو بسبب خوفه من استخدام الدواء لغير غرضه الصحيح؛ مما ينتج عنه توليد مشاكل جديدة.

ولأن معظم "البوموه" يعيشون في الريف والمدن الصغيرة؛ فقد يكتشف الواحد منهم دواء مؤثرا، لكنه لا يسجله رسميا ليتم الاستفادة منه تجاريا على نطاق واسع، خصوصا أن نشاطات الرابطة المختصة بهذا الطب، والتي أنشئت عام 1979 ليست نشطة في تدريبها وتطويرها لأصحاب هذه المهنة.

هناك كمٌّ هائل من المعلومات المتداولة بين البوموه، ولكن لم يتم طبع إصدارات جامعة تشمل كل الأعشاب والأدوية المستخدمة من قبل جميع الأطباء، وهو أمر مطلوب لينتفع به الباحثون والمتعلمون والأطباء أنفسهم الذين لا يعرف بعضهم عن تجارب آخرين بعيدين عنهم، كما أنه كثرة المنتجات في الأسواق وتشابه الأمراض التي تتعامل معها تجعل من الصعب على المستهلك الاختيار والتفضيل دون دليل عام يجمعها ويصدر سنويا أو دوريا.

وما يخيف مفضلي هذا النوع من الطب أن كثيرا من البوموه من كبار السن الذين لم يسجلوا خبراتهم، وبعضهم يعتمد على كتب قديمة جمعت مادة كبيرة لم تتم إعادة طباعتها وصياغتها. يضاف إلى ذلك غياب مركز أو معهد يقوم بشكل مؤسسي ومنهجي حتى الآن بنقل هذا العلم وتخريج متخصصين، وهنا تكمن الحاجة لمؤسسة متخصصة تعليمية إرشادية بحثية تتقدم بهذه المدرسة الطبية خدمة للمجتمع وتسهيلا لعمل البوموه، وتمحيصا للأدوية المباعة وأمانًا للمرضى.

تابع في نفس الملف:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم