|
| العالم يغرق |
كشرت الأرض عن أنيابها.. معلنة استياءها مما يفعله الإنسان.. فهو يخلق مشاكله بيديه ثم يجلس يبكي على الأطلال.. وكأن بقاع الأرض كانت على موعد لتتفجر مياهها فتغرق العالم بالفيضانات.. فتقتل ألف شخص وتجلي الملايين الآخرين عن منازلهم، وتدمر البنايات والطرق، وتشل الحياة في المدن، إلا أن هذه الكوارث ليست الوحيدة للفيضانات فهناك كوارث أخرى قد تغيب عن الأذهان لكن تظل مصدر تهديد خطيرًا.
فالكارثة التي تؤرق مضاجع المسؤولين في أوروبا.. هي المصانع الكيماوية التي حطمتها مياه الفيضانات وتسربت موادها السامة إلى مياه الأنهار أو على شكل غازات مدمرة.. خاصة تلك التي يعود تاريخها إلى الحقبة الشيوعية في بعض البلاد الأوروبية التي تتواجد في أماكن عديدة على ضفاف نهر الألب وتفتقد لكثير من المقاييس الصحية الآمنة.
تسربات كيميائية.. تهدد أوروبا
ففي جمهورية التشيك مصنع كيماوي يسبب أزمة أوروبية حادة ويثير ضجة لدى علماء الصحة والبيئة ألا هو مصنع السبولانا Spolana الواقع بجانب بلدة نيراتوفيسا Neratovice، خمسة وعشرين مترًا شمال براغ العاصمة، و100 متر من نهر الألب الذي طالما استخدم مواد سامة كثيرة وشكّل خطرًا كبيرًا على مياه نهر الألب.. جعل البعض يصف المشكلة بأنها تشيرنوبل أخرى صغيرة.
فقد سجلت لجنة التحقيق التشيكية بتاريخ 23 أغسطس 2002 ثاني تسرب للكلورين.. تمثل في عدة مئات من الكيلو جرامات، ولاحظ السكان سحبا صفراء تنبعث من موقع السبولانا وأأأمرتهم السلطات بلزوم البيت حتى لا يتعرضوا إلى التسمم بالغاز.
كان أول تسرب قد سجل قبل أيام بتاريخ 17 أغسطس، وأعلن مسئولو الشركة أن التسرب وصل إلى 300، 400 كجم من الغاز زيادة على 80 طنا متريا من الكلورين السائل كما صرح Jan Martineek المتحدث باسم الشركة بتاريخ 24 أغسطس.. بل أضاف أن أجهزة الإنذار والطوارئ كانت معطلة من أسبوع وهو ما زاد الطين بلة. وقد أعربت ألمانيا عن قلقها البالغ حيث يعبر نهر الألب أراضيها، إلا أن العينات التي تم أخذها من مياه النهر في ألمانيا لم تثبت وجود أي مشكلة حتى الآن.
يرجع تاريخ تلك القضية كما ذكرت وكالة رويترز في 21-8-2002 إلى الحقبة الشيوعية التي انتهت في عام 1989.. حيث كان هذا المصنع ينتج عدة منتجات سامة تشكل خطرًا بيئيًا جمًّا.. مثل المبيدات الحشرية المصنعة من الكلورين، البلاستيك الشهير الذي يصنع من Polyvinyl chloride.. كما تعاقد المصنع مع القوات الأمريكية لإمدادها بـ Agent orange أو العامل البرتقالي السام بعنصره الفعال وهو ديوكسين dioxin الذي استخدمته ضد الفيتناميين في الحرب، وكان قد تم إغلاق 3 مبان رئيسية من المصنع منذ 30 عامًا بسبب تلوث جدرانها وهوائها.. والآن بعدما نالتها الفيضانات أصبحت ثلاث كوارث بيئية لأوروبا.
بل إن المياه الجوفية تحت المصنع ملوثة بديوكسين dioxin و"دي دي تي" DDT، و"دي دي إيه" DDA، والبنزين، وكلورفورم، وليندان (مبيد حشري) وغيرها.. وذكرت الحكومة التشيكية بتاريخ 21 أغسطس في جريدة "براغ بوست" أن تكلفة التنظيف من جراء هذا التلوث قد تصل إلى 65 مليون دولار أمريكي. كما طالت أنياب الفيضان أيضًا شركة المياه الرئيسية في براغ العاصمة التي تعالج مياه الصرف الصحي وأقذارها فأدى ذلك إلى تحطم نظام الترشيح بالكامل وتسرب 400.000 متر مكعب من المخلفات في نهر فيلتافا (أو ما يعادل 170 حمام سباحة صغيرا).
يبدو أن جمهورية التشيك بأسرها أصبحت قلقًا يهدد البلاد المجاورة بعدما وصل منسوب مياهها إلى مقاييس لم تأت منذ 150 عامًا كما صرح روسيكي مسؤول شركة المياه في جريدة براغ بوست بتاريخ 31 أغسطس.
أشباح مرعبة.. تخيم على التشيك
والكلورين الشبح الأول المخيم على جمهورية التشيك الذي تسرب بكميات كبيرة عبارة عن غاز أثقل من الهواء، رائحته مزيج من الفلفل مع الأناناس، يتفاعل مع الأنسجة المبطنة لمجرى الجهاز التنفسي مكوناً حمض الهيدروكلوريد HCL. وبالتالي يتحطم الجهاز التنفسي للمصاب بتسمم الكلورين ويؤدي إلى موت بطيء مرعب يظهر الكلورين في تسرباته على هيئة سحب صفراء اللون لاحظها لأول مرة -كما ذكر د.ميروستار سوتا من جماعة السلام الأخضر التشيكية- الجنود الفرنسيون في إبريل 1915 حينما استخدمها ضدهم الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى.
والشبح الثاني هو الديوكسين الذي يدخل في صناعة "العامل البرتقالي"، وينتج أيضا من صناعـة بعض المبيدات الحشرية التي كان يصنعها مصنع السبلونا. الديوكسين أشد المواد المنتجة سمية على الإطلاق، صعب الذوبان في كل من الماء أو البيئة الحمضية أو القلوية، كما أن درجات الحرارة العالية لا تؤثر فيه.. يذوب أسرع في المواد الدهنية وغير العضوية.. وهو سام في كل أحواله.
يتركز في أجسام الكائنات الحية، وخاصة الأنسجة الدهنية مسبباً للسرطانات ومؤذياً للجهاز المناعي للجسم، يؤدي إلى تقليل التبويض في المرأة ويسبب مرض التهاب بطانة الرحم الخطير، أما عند الرجل فهو يقلل أعداد الحيوانات المنوية، كما يؤدي إلى ضمور الأجهزة التناسلية.
ويؤثر الديوكسين أيضاً على وظيفة الجهاز الهرموني للجسم مثل الغدد الدرقية، ووظائف الأنسولين، وفيتامين أ، والميلاتونيين، كما أنه مادة سامة للكبد، الطحال، والجلد وتسبب للمصاب مرض السكر.
أما الشبح الثالث فقد كان "الزئبق" الذي ينتج أيضا مع الديوكسين، وقد قامت جمعية السلام الأخضر بتحليلات كيميائية أظهرت تركيزات خيالية من الزئبق محيطة بالمباني الملوثة قريباً من نهر الألب، وصلت التركيزات إلى 100 ألف مره زيادة عن الأماكن الطبيعية.
وقد قام قسم السموم في الأكاديمية الطبية في كارلوف بالتشيك باختبار هواء المباني الملوثة مستخدمًا الأرانب.. التي وضعت داخل المبنى في أقفاص، مات الأرنب الأول في اليوم السابع وأظهر تليفا شديدا في الكبد والرئتين والكليتين. ويتوقع العلماء وجود أطنان مخزنة في المباني من الديوكسين وصلت إلى درجة عالية جداً من السمية تصفها جمعية السلام الأخضر بأنها أكثر 3 آلاف مرة من حد التلوث المسموح به في الجارة الألمانية.
وحتى ذلك الوقت ورغم المحاولات الحثيثة لحل المشكلة فلم تنجح الشركات الأمريكية المتخصصة في إزالة المباني الملوثة - رغم الاتفاق الذي أبرم بينها وبين الحكومة التشيكية في عام 1992 وفق مصادر الحكومة، وكما ذكر موقع جمعية السلام الأخضر على الإنترنت في نهاية يوليو الماضي - وذلك لأن الطرق المقترح استخدامها للإزالة مرفوضة؛ لأنها تسبب خطراً بيئياً هي الأخرى مثل تفجير المباني ثم حرقها.. فهل ستكون أوروبا ضحية لفيضانات 2002 أم ستجد حلاً لإزالة تلك المباني الموبوءة؟!!
|