|
أثارت الأزمة العراقية كثيرًا من القضايا والإشكاليات غطت مساحة كبيرة من الواقع السياسي والثقافي، وأمام هذا السيل المنهمر من الأحداث والتطورات تخيل البعض أننا أمام ظواهر جديدة في النظام الدولي، ودار هؤلاء في عجلة الأحداث السريعة، ولم يلتفت هؤلاء إلى أننا أمام ظاهرة قديمة تاريخيًا، وهي ظاهرة "الاستعمار" التي ارتبطت بخطاب سياسي متكرر يوجه إلى البلاد المراد استعمارها لتبرير العملية الاستعمارية، وليضفي عليها مسوحًا من النبل والأخلاق، وهي في حقيقة الأمر منها براء.
وما دام شعار الحرب يوازي الحرب نفسها، كان لا بد أن يتميز هذا الشعار بالوضوح والمباشرة والابتعاد عن التعقيد، مع شموله لأبعاد إنسانية، يغلب عليها طابع الدفاع عن الذات، وحماية الآخر ورعايته ونهضته.
وتطلب هذا الأمر اختراع أسطورة يفهمها أكبر قدر من الناس، وتحتوي على ضدين متصارعين، هما الخير المطلق ويمثله (الاستعمار)، في مواجهة الشر المطلق ويمثله (النظام المراد إزالته)، وهذا الصراع بالطبع لا توجد فيه حلول وسط، بل لا بد من إزالة هذا الشر المطلق إزالة تامة وإبادته حتى ينعم الناس بالخير!!
كانت هذه القناعات والتبريرات لدى الرجل الأبيض وبالاً على الشعوب وغالبية الأجناس؛ لقد أبادت أمريكا بسببها الملايين من الهنود الحمر، وألقت 14 مليون طن من القنابل على فيتنام، والقنبلة الذرية على اليابان مما نتج عنها حصد أرواح ربع مليون ياباني.. أليس ذلك نافيا أكذوبة أن أسلحة الدمار الشامل تصبح آمنة إذا كانت في يد دولة ديمقراطية؟!
كان شعار هؤلاء الغزاة الواقعي "الله يخلق ونحن نحرق".. ولقد سجلت شهادات على هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الاستعماري المعسول للشعوب وبين الممارسة الفعلية لهذه الدول الاستعمارية.. يقول أحد زعماء الهنود الحمر: "... يستعبدون كل من ليس لونهم، يريدون أن يجعلوا منا عبيدًا، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا، إياك أن تثق بكلماتهم أو وعودهم، إنها أحابيل، صدقني، فأنا أعرف سكاكينهم الطويلة جيدًا".
ويؤكد المفكر الفرنسي الكبير "ألكسي دي توكفيل" في تقرير له عن استعمار الجزائر سنة (1264هـ = 1847م): "لقد انطفأ التنوير من حولنا، لقد جعلنا المجتمع المسلم أكثر بؤسًا، وأكثر جهلاً، وأكثر وحشية مما كان عليه قبل أن يعرفنا".
وتعد الشهادة الأدبية التي صدرت عام (1378هـ = 1958م) لتوضيح الوجه الاستعماري الحقيقي وخطابه المعسول واضحة جدًا في رواية "الأمريكي القبيح" للكاتبين الأمريكيين "ويليام ليدرر" و"يوجين بوردت" والتي سببت إزعاجًا كبيرًا للأمريكيين ولم تؤد إلى تغيير سياستهم المزدوجة، ولكن الدعوات التي صدرت وقتها طالبت بإجراء مزيد من الجهد لدراسة الشعوب والثقافات الأخرى وفهمها حتى تستطيع الولايات المتحدة نقل رسالتها الحضارية إلى العالم ككل!!
وأخيرا يقول أحد المؤرخين: "إن أروع ما حققه الاستعمار هو مهزلة تصفيته، لأن البيض انتقلوا من الكواليس، لكنهم لا يزالون هم مخرجي العرض المسرحي".
تابع في الملف:
مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.
|