|
| كم جنت أمتنا من الاستعمار |
كان نابليون بونابرت من أوائل من أبدع الحجة "الأخلاقية" لغزو بلد آخر وتحويله إلى مستعمرة، وهو ما عرف بـ"التبشير المسلح"، الذي تطور داخل المنظومة الغربية في حجج أخلاقية مختلفة لتبرير العملية الاستعمارية.
وكان الأديب البريطاني "كيبلنج" أول من ابتكر مقولة "عبء الرجل الأبيض" لتبرير الاستعمار، وادعاء دور للرجل الأبيض في تمدين وتحضير الشعوب المتخلفة، وهو المصطلح الذي طورته الدول الاستعمارية تحت عدة مسميات؛ فألمانيا ابتكرت سياسة "المجال الحيوي" الذي تحتاج إليه الأمة الألمانية لأمن مواطنيها ولنمائها السياسي والطبيعي، بينما خلقت الولايات المتحدة عقيدة "القدر المتجلي" التي ترتكز على فكرة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي والتي تحدث عنها الرئيس الأمريكي الأسبق "وليام ماكنلي" قائلا: "إن الحرب ألقت على عاتقنا مسئوليات يجب علينا القيام بها باعتبارنا دولة كبرى، كتب لها حاكم الأمم منذ الأزل القيادة العليا ونشر المدنية".
ولتحديد سبب حرص المستعمر الغربي على تبرير عمليته الاستعمارية، في خطاب تشابهت مفرداته، من نابليون في القرن الثامن عشر الميلادي حتى بوش الابن في الألفية الثالثة.. يبرز عاملان مهمان:
أولهما: أن المستعمر الغربي يشعر بأنه جنس متفوق عرقيًا وثقافيًا، وهو ما يبرر له الغزو والتوسع، وهذه الرؤية تداولها الغربيون فيما بينهم؛ فاعتقد الألمان أثناء الحكم النازي أنهم الجنس الأفضل، وكذلك كان حال الفرنسيين أيام نابليون. واقترن هذا الإحساس بالتفوق بمفهوم أن التطور يفرض البقاء للأقوى؛ لذلك كان على القوي أن يتوسع ليحقق الاكتفاء الذاتي، وتبع ذلك أن ارتبطت الحدود الطبيعية للدولة الاستعمارية بحدود الاكتفاء الذاتي لها، وأصبح هذا التوسع الاستعماري واجبا أخلاقيا تمليه المصلحة الإنسانية، وأصبح قمع الشعوب المغلوبة أمرًا طبيعيًا وحتميًا.
ثانيهما: أن الإيمان بالفوقية والتفوق لدى الجنس الأبيض اقترن بشعور بالرسالية أي أن هذا الجنس المتفوق يحمل عبء النهضة بالشعوب الأخرى الأقل منه ونقلها إلى مصاف الحضارة، طوعًا أو كرهًا. غير أن هذا الشعور الطاغي بالرسالية اقترن بمسالك وضروب من العنف والقهر والدمار للشعوب الأخرى، تحدث عنها أكثر من مفكر غربي، منهم السياسي والكاتب الأمريكي "ويليام فولبرايت" في كتابه "غطرسة القوة" عندما قال: "كان هدفنا البريء هو تعزيز التنمية والديمقراطية في البلاد التي أردنا مساعدتها، ولكن فلاسفتنا رأوا أنه للوصول إلى هذه الغاية لا بد من تدمير أساليب الحياة القديمة العقيمة... ولكن لم يسفر هذا التفكير عن ديمقراطية أو تنمية أو تقدم بل أسفر عن فوضى عارمة، وانحطاط...".
هذا الإحساس الطاغي بالرسالية قاد إلى انحراف خطير ومقلق تجاه الشعوب الأخرى؛ فلم يشعر هذا المحتل يوما بنوع من تأنيب الضمير على ما يقترفه، بل تجاوز الأمر هذه المرحلة؛ فعقب إحدى المذابح التي ارتكبها الأوروبيون ضد الهنود الحمر في أمريكا قال أحد قوادهم: "يجب علينا أن نتابع المسيرة لحماية حضارتنا، إن علينا أن نقطع دابر هذه المخلوقات الوحشية ونمحو ذكرهم من على وجه الأرض".
ونفس هذا الأمر هو ما ردده الرئيس الأمريكي روزفلت عندما زار مصر ثم لندن في بداية القرن الماضي (العشرين)، ووجه خطابه للمستعمرين البريطانيين قائلا: "إنكم لستم فقط خفراء على مصالحكم في مصر بل خفراء على مصلحة الحضارة عمومًا؛ فقد قدمتم لمصر أفضل حكومة رأتها منذ ألفي سنة، وربما أفضل حكومة رأتها منذ بدء التاريخ"، ونصح الإنجليز بأن يعاملوا المصريين بقسوة.. ومن العجيب أن الجامعة المصرية منحته آنذاك الدكتوراه الفخرية!!
تابع في الملف:
مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.
|