English

 

الاثنين. يونيو. 8, 2009

ثقافة وفن » حدث في العام الهجري » شخصيات » إصلاحيون ومفكرون

 

أحمد لطفي السيد.. انسلاخ من الدولة العثمانية

(في ذكرى ميلاده: 4 من ذي القعدة 1288هـ)

أحمد تمام

أحمد لطفي السيد
أحمد لطفي السيد

حين رسفت مصر في أغلال قيود الاحتلال البريطاني بعد فشل الثورة العرابية، أصاب الناس الذهول وأخذت الحيرة عقولهم، وقيدت الدهشة خطوهم؛ فراحوا يبحثون عن ملجأ وملاذ لهم يستعينون به للخروج مما هم فيه من كرب وغم، وكان المحتل الغاصب يعمل في خبث ماكر على ترسيخ أقدامه، والتماس الأسباب التي تعينه على ذلك، والاستعانة بذوي الأقلام المريضة لتزيين الاحتلال إلى الشعب المنكوب، لكن ذلك لم يُجدِ مع الناس شيئا؛ فقلوبهم متعلقة بدولة الخلافة العثمانية، يعدونها الجهة الشرعية التي يسلسلون لها قياد أنفسهم ويلينون لها الجانب. وترسخ في مصر وضع شاذ، غرباء محتلون بيدهم مقاليد مصر يصرفونها كما يشاءون، ودولة الخلافة تدين لها مصر بالولاء والتبعية دون أن يكون لها نفوذ حقيقي في البلاد.

وفي هذه الأجزاء المضطربة التي حلت بمصر تنازع مصر تياران فكريان؛ أحدهما كان يرى ضرورة ارتباط مصر بدولة الخلافة، وربط مصيرها بها والتمسك بهذا الرباط حتى ولو كان واهنا، وكان لهذا التيار دعاته يأتي في مقدمتهم: مصطفى كامل، وعبد العزيز جاويش وعلي يوسف والشاعر أحمد شوقي.

أما التيار الآخر فكان ينادي بفكّ ارتباط مصر بدولة الخلافة، وتعميق الشعور الوطني، والالتفات إلى قضايا البلاد الداخلية دون انشغال بهموم الآخرين، والدعوة إلى مبدأ "مصر للمصريين"، وكان أحمد لطفي السيد ومن ورائه حزب الأمة أبزر الدعاة إلى هذا الاتجاه.

والدعوة إلى تعميق الشعور الوطني والاعتزاز بالجنسية والانتماء إلى الوطن ليست عيبًا وليس فيها ما يخالف الانتماء الإسلامي؛ فلا يمنع أن يكون الإنسان مصريًا وفي الوقت نفسه عربيًا وإسلاميًا؛ فالانتماءات الثلاثة لا تعارض بينها إذا كان كل منها يخدم الآخر، أما أن يقتصر الانتماء على أضيق الدوائر وهي دائرة الوطنية دون اعتبار للدائرتين الأخريين، فهذا مكمن الخطر، والثغرة التي نفذ منها المستعمر لتفكيك الروابط التي كانت تربط العالم الإسلامي بدولة الخلافة العثمانية، وتمزيق أوصالها، ثم ما لبث أن انهار البنيان إلى دول صغيرة بعد إعلاء الشعور بالوطنية الضيقة، والانسلاخ مما كان يربط ويوحد.

والعجيب أن أوروبا التي دعت إلى القومية وإعلاء الشعور الوطني بين أفراد شعوبها عادت إلى الوحدة والتماسك وتكوين الوحدة بين دولها، في الوقت الذي لا يزال فيه العالم الإسلامي يتخبط في حركته، ويتعثر في خطوه، ويعجز عن إقامة رابط يجمع ولا يفرق، ويوحد ولا يمزق، على الرغم من أن ما بين دوله من أسباب التوحد يفوق ما لدى أوروبا من عوامل الوحدة والترابط!!

المولد والنشأة

في قرية "برقين" من قرى "السنبلاوين" التابعة لمحافظة الدقهلية بمصر ولد أحمد لطفي السيد في (4 من ذي القعدة 1288هـ = 15 من يناير 1872م)، ونشأ في أسرة على جانب من الثراء؛ فأبوه "السيد باشا أبو علي" كان عمدة للقرية ومن أعيانها؛ فعُني بتعليم ولده، فألحقه بكُتاب القرية، حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة المنصورة الابتدائية سنة (1300هـ = 1882م)، وبعد ثلاث سنوات من الدراسة انتقل إلى القاهرة، والتحق بالمدرسة الخديوية الثانوية، وظل بها حتى أتم دراسته الثانوية سنة (1307هـ = 1889م)، ثم التحق بمدرسة الحقوق.

وفي أثناء دراسته تعرف على الشيخ محمد عبده الذي شجعه لما رأى فيه أمارات النبوغ وميله إلى الحرية واحترام الحقوق، وقدرته على الكتابة والإنشاء، وكان من أثر هذا التشجيع أن قام أحمد لطفي السيد وجماعة من نابغي مدرسة الحقوق بإنشاء مجلة "التشريع"، كما التقى بجمال الدين الأفغاني في أثناء زيارته لإستانبول سنة (1311 هـ= 1893م) وتأثر بأفكاره.

في معترك الحياة

بعد حصول أحمد لطفي السيد على ليسانس الحقوق سنة (1312هـ= 1894م) عمل بالنيابة، وتدرج في مناصبها حتى عُين نائبًا للأحكام بالفيوم سنة (1322 هـ= 1904م)، وفي أثناء هذه الفترة اشترك مع صديقه القديم عبد العزيز فهمي الذي التقى به في المدرسة الثانوية بالقاهرة، في تأسيس جمعية سرية باسم "تحرير مصر"؛ فلما نمى خبرها إلى الخديوي "عباس حلمي" سعى إليها عن طريق مصطفى كامل زميل أحمد لطفي السيد في مدرسة الحقوق، وكان الخديوي يسعى للتحرر من قبضة الاحتلال البريطاني وممارسة سلطانه دون قيد منه؛ فتقرب إلى الأمة، واستعان بشبابها الناهض لتحقيق أهدافه.

وكان من أمر هذا الاتصال أن تم الاتفاق على تأليف حزب وطني بزعامة الخديوي، وعلى سفر أحمد لطفي السيد إلى سويسرا والإقامة بها سنة لاكتساب الجنسية، والعودة إلى مصر لإصدار جريدة تقاوم الاحتلال البريطاني، محتميًا بجنسيته المكتسبة، وقد عقد أول اجتماع للحزب السري الجديد بمنزل محمد فريد برئاسة الخديوي عباس حلمي، وعضوية مصطفى كامل، وأحمد لطفي السيد، ومحمد عثمان وغيرهم.

وفي جنيف التحق أحمد لطفي السيد بجامعتها، وعكف على دراسة الآداب والفلسفة، وزامله في الدراسة الشيخ محمد عبده الذي كان يزور سويسرا في ذلك الوقت، وعاد أحمد لطفي السيد إلى القاهرة دون أن ينجح في الحصول على الجنسية، لرفض الباب العالي العثماني تجنسه بها، وفي الوقت نفسه قدم تقريرًا إلى الخديوي جاء فيه: "إن مصر لا يمكن أن تستقل إلا بجهود أبنائها، وإن المصلحة الوطنية تقضي بأن يرأس سمو الخديوي حركة شاملة للتعليم العام"، وكان هذا هو رأي الشيخ محمد عبده الذي جعل من التربية والتعليم بعد عودته من المنفى خطته للإصلاح.

وعاد أحمد لطفي السيد إلى وظيفته في النيابة، وظل بها حتى ترك العمل بالقضاء سنة (1323هـ= 1905م)، واشتغل بالمحاماة، ثم لم يلبث أن ضاق بها؛ فتركها إلى العمل بالصحافة والسياسة.

حزب الأمة وصحيفة "الجريدة"

بعد أن ترك أحمد لطفي السيد العمل الحكومي اشترك مع جماعة من أعيان مصر في تأسيس حزب الأمة سنة (1325هـ= 1907م)، وتولى هو سكرتارية الحزب، ورأس صحيفته المعروفة باسم "الجريدة"، وقد استمرت رئاسته للجريدة سبع سنوات وبضعة أشهر توقفت بعدها تمامًا، بعد أن لفظ حزب الأمة أنفاسه الأخيرة.

وكانت سياسة الجريدة تقوم على الدعوة إلى فكرة "مصر للمصريين"، ومهاجمة الجامعة الإسلامية التي كان يدعو إليها السلطان عبد الحميد الثاني، ويعبر أحمد لطفي السيد عن هذا الاتجاه بقوله: "نريد الوطن المصري والاحتفاظ به، والغيرة عليه كغيرة التركي على وطنه، والإنجليزي على قوميته، لا أن نجعل أنفسنا وبلادنا على المشاع، وسط ما يسمى بالجامعة الإسلامية..".

وازدادت هذه السياسة وضوحًا بدعوته إلى حياد مصر من هجوم  إيطاليا على ليبيا، حين رأى تعاطف المصريين مع الدولة العثمانية، وقيامهم بجمع التبرعات، وحشد المؤن والأسلحة لإرسالها إلى الجيش العثماني في طرابلس بليبيا، يقول لطفي السيد: "وقد أخذت أنبه على استحياء إلى واجب مصر من هذه الحرب، وهي أن تكون على الحياد، وأن سيادة تركيا لا تجلب لمصر منفعة ولا تدفع عنها ضرًا"، غير أن دعوته لم تلقَ استجابة، وضاعت وسط عواطف المصريين، وتعلق قلوبهم بدولة الخلافة العثمانية.

وسلكت الجريدة مسلكًا مهادنًا مع الاحتلال البريطاني، بل نوهت بالتحسن المادي والإداري الذي وصلت إليه مصر في عهد الاحتلال، وقبل أن يرحل اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إلى بلاده أقيم له حفل وداع بالأوبرا، في (ربيع الأول 1325 هـ = مايو 1907م)، وكان في مقدمة المحتفلين أعضاء حزب الأمة، وأفردت الجريدة ملحقًا عن حياة المعتمد البريطاني وأعماله في مصر، فأشادت بأعماله المالية والاقتصادية، ونددت بأعماله السياسية؛ "لأنه حرم مصر من حياة سياسية تطمح إليها كل أمة حية".

مديرًا لدار الكتب

وبعد توقف الحرب وإغلاق الجريدة عُين أحمد لطفي السيد مديرًا لدار الكتب خلفًا للدكتور "شاده" المدير الألماني، وفي دار الكتب انفسح الوقت له، فترجم بعض أعمال أرسطو، ودعا إلى ترجمة الكتب الأخرى، وندب من وثق بهم للاضطلاع بنقل الثقافة الغربية إلى العربية، موقنًا أن النهضات في بواكيرها إنما تقوم على الترجمة التي هي بمثابة التمهيد، بالاحتذاء ثم الخلق والأصالة.

ويُذكر له أنه في أثناء عمله بدار الكتب أنشأ مجمعًا لغويًا عرف باسم "مجمع دار الكتب"، تولى رئاسته الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، واشترك في عضويته حفني ناصف وعاطف بركات وغيرهما، غير أن هذا المجمع الوليد لم تطل به الحياة، فانطوت صفحته بعد عام من إنشائه.

العودة إلى العمل السياسي

بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى سنة (1337هـ= 1918م) استقال أحمد لطفي السيد من دار الكتب، واشترك مع سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلى شعراوي وغيرهم في تأليف وفد للمطالبة بالاستقلال، وكان من شأن المطالبة أن نُفي سعد زغلول ورفيقاه إلى خارج البلاد، فاشتعلت البلاد بثورة 1919م العارمة التي أضجت مضاجع الاحتلال، وظل أحمد لطفي السيد في القاهرة يحرر بيانات الوفد ومذكراته، وتطور الأمر إلى رضوخ بريطانيا للتفاوض، وتشكلت وزارة حسين باشا؛ فأفرجت عن الزعماء المنفيين، وسافر لطفي السيد مع الوفد المصري إلى باريس، لعرض مطالب مصر على مؤتمر السلام المنعقد في فرساي.

ولما اشتعل الخلاف بين عدلي يكن رئيس الوزراء وسعد زغلول زعيم الثورة 1919 على رياسة المفاوضات مع بريطانيا وتلاحيا، اعتزل أحمد لطفي السيد العمل السياسي، وعاد إلى العمل بدار الكتب مديرًا لها، كما اشتغل بالجامعة المصرية الأهلية وكيلا لها.

مديرًا للجامعة المصرية

ظل أحمد لطفي مديرًا لدار الكتب حتى (شعبان 1343هـ= مارس 1925م) قبل أن يعين مديرًا للجامعة المصرية  بعد أن أصبحت حكومية، وفي عهده اتسعت الجامعة؛ فضمت إليها كلية الهندسة والحقوق والتجارة والزراعة، والطب البيطري وغيرها، كما قبلت الجامعة سنة (1348هـ= 1929م) أول مجموعة من الفتيات للالتحاق بها دون ضجة أو دعاية لهذا الأمر في الصحف، وسارت الأوضاع في هدوء حتى تخرجت أول دفعة من الطالبات سنة (1352هـ= 1933م) وكانت ثلاث طالبات في كلية الآداب وواحدة في كلية الحقوق، وكان ذلك مأثرة له في سبيل النهوض بالمرأة، والمحافظة على حقها في التعليم.

وكان لطفي السيد حريصًا على كرامة الجامعة؛ فلم يزج بها في السياسة، ولم يسمح بما يعوق حركتها أو يؤثر في سياستها؛ فنأى بها عن العمل الحزبي، فحين أُقصي طه حسين عن الجامعة سنة (1351هـ= 1932م) إلى وزارة المعارف، قدم لطفي السيد استقالته احتجاجًا على هذا التدخل، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد أن اشترط أن يعدل قانونها بما لا يدع لوزارة المعارف الحق في نقل أستاذ من الجامعة إلا بعد موافقة مجلسها، وقدم استقالته مرة أخرى سنة (1356هـ= 1937م) احتجاجًا على اقتحام الشرطة للحرم الجامعة.

ما بعد الجامعة

ظل أحمد لطفي السيد مديرًا للجامعة حتى استقال منها سنة (1362هـ= 1941م) بعد أن اطمأن إلى أوضاعها ورسوخ أقدامها، ثم دعاه أحمد ماهر سنة (1365هـ= 1944م)، ليكون عضوا في الهيئة التي كونها لدراسة مقترحات الحلفاء لإنشاء منظمة دولية جديدة تحل محل عصبة الأمم، كما اشترك في وزارة إسماعيل صدقي سنة (1367هـ= 1946م) وزيرًا للخارجية وعضوًا في هيئة المفاوضات بين مصر وبريطانيا التي عُرفت بمفاوضات "صدقي-بيفن"، غير أنها فشلت، وخرج لطفي السيد من الوزارة التي كانت قد شكلت برئاسة صدقي لمواجهة المد الشعبي المطالب بالتحرر والاستقلال، ولم يشترك بعد ذلك في أعمال سياسية أخرى.

نشاطه الفكري

وعلى الرغم من تقدمه في السن؛ فقد ظل مؤثرًا في الحياة الفكرية، فتولى رئاسة مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1366هـ=1945م) وظل يشغله حتى وفاته، وكان عضوًا في كثير من المجامع العلمية، مثل المجمع العلمي العراقي، والمجمع العلمي المصري، والجمعية الجغرافية المصرية، كما كرمته الدولة؛ فنال جائزتها التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (1378هـ= 1958م).

ولم يترك لطفي السيد مؤلفات على كثرة ما كتبه في "الجريدة" لسان دعوته إلى حرية الفكر وحرية الإنسان وحرية الوطن، وكانت مدرسته التي وجه منها الرأي العام إلى قضايا الاستقلال والدستور، وسلطة الأمة، والحياة النيابية السليمة، والتعليم الجامعي، ولم يتهيأ لنا مما كتب سوى ثلاثة مؤلفات جمعها له إسماعيل مظهر، هي: "المنتخبات" في جزأين، و"تأملات"، و"صفحات مطوية من تاريخ الحركة الاستقلالية" بالإضافة إلى مذكراته التي بعنوان "قصة حياتي".

وترجم لطفي السيد عن الفرنسية كتب أرسطو: الأخلاق، الكون والفساد، الطبيعة السياسية. وأسلوبه يتميز بالدقة والسلاسة والوضوح دون التواء في المعني أو ملابسة في الفكرة، أو تداخل في التعبير.

وفاته

وقد طالت الحياة بأحمد لطفي السيد حتى تجاوز التسعين، وظل موفور النشاط متوقد الذهن حتى لقي ربه في (سنة 1383هـ= 1963م) بعد أن وقف نفسه على الإصلاح والتجديد ستين عامًا أو يزيد، وهي مدة لم تتوفر لمصلحين كثيرين، ودخل التاريخ من باب التأثير على مسيرة أجيال زاملته بأفكاره الإصلاحية، وإن كان بعضها محل نظر وتحفظ ومراجعة.

هوامش ومصادر:

  • حسين فوزي النجار: أحمد لطفي السيد أستاذ الجيل ـ المؤسسة المصرية العامة للتأليف ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.

  • زكي فهمي: صفوة العصر في تواريخ مشاهير العصر، مكتبة مدبولي (مصورة عن الطبعة الأولى) ـ القاهرة ـ 1995م.

  • لمعي المطيعي: هذا الرجل من مصر ـ دار الشروق ـ القاهرة ـ 1408 هـ= 1997م.

  • محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عامًا ـ مطبوعات مجمع اللغة بمصر ـ القاهرة ـ 1406هـ= 1986م.

  • نعمات أحمد فؤاد: قمم أدبية ـ عالم الكتب ـ القاهرة ـ 1984م.

 

  باحث مصري في التاريخ والتراث.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم