English

 

الاثنين. يوليو. 1, 2002

ثقافة وفن » حدث في العام الهجري » معاهدات ومؤتمرات

 

المؤتمر المصري.. سيناريو إنجليزي

(في ذكرى انعقاده: 30 من ربيع الآخر 1329هـ)

مصطفى عاشور

Image
قبيل انتهاء المؤتمر القبطي بمصر نشرت بعض الصحف أنباء عن تكوين لجنة بالإسكندرية تضم بعض الأعيان في الأقاليم مكلفة بعقد مؤتمر ديني يضم مندوبين عن المسلمين واليهود المصريين والمسيحيين للنظر في المسألة القبطية.

وفي ذات الوقت دارت اجتماعات في القاهرة بين عدد كبير من المشتغلين بالمسائل العامة ومنهم فريق من حزب الأمة لمناقشة المسألة القبطية ونتائج انعقاد المؤتمر القبطي في أسيوط، ودعا هؤلاء لجنة الإسكندرية لمشاركتهم في عقد اجتماع عام.

وفي (8 من ربيع الأول 1329هـ= 8 من مارس 1911م) تم عقد اجتماع ضم عددا من الشخصيات العامة، وقرروا تأليف وفد من 12 شخصية للتوجه إلى منزل "مصطفى فهمي باشا" رئيس الوزراء الأسبق ليعرضوا عليه رئاسة المؤتمر، وقرر هؤلاء تسمية المؤتمر بالمؤتمر المصري.

قضايا وطنية لا دينية

كانت الشخصيات التي دعت إلى المؤتمر من عقلاء المصريين الذين أرادوا ألا يسير المؤتمر في اتجاه الطائفية، ورأوا أن الأفضل لخير البلاد والمواطنين أن يدور المؤتمر في إطار الوحدة الوطنية، وأن يبحث المؤتمر الشئون المصرية جميعا بما فيها مطالب القبط.

عقدت اللجنة التحضيرية للمؤتمر أولى جلساتها بمنزل "علي شعراوي"، وقررت حصر مقاصد المؤتمر في النظر في الشئون العامة والاقتصادية والاجتماعية والأدبية ومناقشة مطالب القبط وتمحيصها، وقررت أنه لا يجوز للمؤتمر الاشتغال بالمسائل السياسية. وقد أثارت هذه الحركة قبيل المؤتمر مطالبات جماهيرية تتعلق بعدد من المطالب الجماهيرية ذات الصبغة الإسلامية مثل مسألة منع الربا الذي يحرمه الإسلام والمسيحية.

المؤتمر المصري

عقد المؤتمر المصري يوم السبت (30 من ربيع الآخر 1329هـ= 29 من إبريل 1911م) أي بعد انعقاد المؤتمر القبطي بـ52 يوما في القاهرة بضاحية مصر الجديدة.

حرص المنظمون لهذا المؤتمر على ألا يُسموه بالمؤتمر الإسلامي حتى لا تكون هناك مقابلة مع المؤتمر القبطي تستدعي تأسيس الطائفية في المجتمع المصري

وقد حرص المنظمون لهذا المؤتمر على ألا يُسموه بالمؤتمر الإسلامي حتى لا تكون هناك مقابلة مع المؤتمر القبطي تستدعي تأسيس الطائفية في المجتمع المصري، كما أن إطلاق صفة "المصرية" تستوعب حالة التجاذب والتحفز الموجودة في المجتمع في ذلك الوقت، وكان رئيس المؤتمر مصطفى رياض باشا من المعروفين بالاعتدال.

وتم عقد جلستين تحضيريتين في منزل "علي شعراوي" اتفق فيهما على الأطر الأساسية التي سيناقشها المؤتمر، وكان أهم هذه الأطر هو أن هناك رابطا يجمع المسلمين والأقباط هو رابط المصرية، وأن هذا الرابط هو المعيار الأصيل في المحاسبة، وأن هذا الرابط يفرض على الجميع البحث عن السبل التي تقود إلى الوفاق الوطني بين عنصري الأمة المصرية؛ ولذا فهو مؤتمر فوق السياسة وخلافاتها.

مفهوم الأكثرية والأقلية

افتتح المؤتمر بكلمة موجزة لرئيسه "مصطفى باشا" أشار فيها إلى أن حالة البلاد لا تسمح بتقسيم المصالح بين أبنائها تبعا لانقساماتهم الدينية، وطالب الحضور بألا يكتفوا بمراعاة العدل والإنصاف فيما يقولون؛ وإنما من الضروري أن يتصفوا بالتسامح والتعاطف.

وتبع ذلك تقرير أعدته اللجنة التحضيرية للمؤتمر ألقاه "أحمد لطفي السيد" وتكون من مقدمة و3 أقسام، ذكر فيه أن المؤتمر عُقد لخدمة المصلحة العمومية والنظر والتوفيق بين العناصر المؤلفة للوحدة المصرية التي كاد يتصدع بناؤها من جراء مؤتمر الأقباط.

وانتقد المؤتمر القبطي الذي تم الإعداد له خفية؛ حيث لم يفصل بين خبر الانعقاد والانعقاد الفعلي إلا أيام قلائل، وأشار إلى أن الحضور في مؤتمر أسيوط يستصغرون ما في أيديهم من السلطة ويستكثرون ما في أيدي المسلمين، وأن هؤلاء عولوا وحدهم على أن يكونوا أمة مستقلة من دون المصريين، وتذرعوا بتلك المطالب حتى يصلوا بمعونة بريطانيا وفرنسا إلى أن تكون لهم السيادة على الأكثرية المسلمة.

وأكد التقرير أن المؤتمر المصري يزن الأمور ومطالب الأقباط بميزان؛ لأن المصريين أولى بإنصاف المصريين.

كما تحدث التقرير عن مفهوم الأكثرية والأقلية، معتبرا أنه من الخطأ تقسيم الأمة المصرية على اعتبار أنها نظام سياسي، حيث إن لكل أمة دينا رسميا وهذا الدين هو دين الحكومة أو دين الأكثرية فيها، وأشار إلى أن الحقوق والمرافق في مصر على الشيوع بين جميع المصريين.

وعاب التقرير على الحكومة سياستها في تخصيص بعض المراكز الخاصة للأقباط في مجلس الشورى، ووجود صحف وأندية خاصة بالأقباط، حيث أدى ذلك إلى أن بعض هؤلاء أبدى اعتمادا على الاحتلال الإنجليزي المسيحي، وكان لبعضهم علاقات بالمبشرين الأمريكيين وبعض رجال الكنيسة الإنجليزية.

الرد على مطالب المؤتمر القبطي

وتناول التقرير مطالب مؤتمر أسيوط، وفندها ورد عليها، ومنها:

- عطلة الأحد: وذكر أن الدافع لهذا المطلب هو انتهاز فرصة الاحتلال المسيحي لإبطال التقاليد الإسلامية والاستهانة بالأكثرية وتقسيم الشعائر القومية إلى نصفين متساويين، وأكد أن هذا المطلب غير ميسور ولا يخلو من الضرر.

- الوظائف العامة: وأشار إلى أن الحكام الإداريين لا يكون لهم سلطان على محكوميهم إلا إذا ظن فيهم الناس عدم التعصب، وذكر أن نسبة الأقباط من سكان مصر هي 6.34% ونسبة ثروتهم هي 10% من ثروة مصر، كما أن نسبتهم في بعض الوزارات عالية، ففي وزارة الداخلية نسبتهم 59% ، والحقانية (العدل) 15% ووزارة المالية 46%، وأرفق بيانا بعدد ونسب الأقباط في الوظائف والوزارات.

- ضريبة الكتاتيب: وذكر أن ما يصرف من ضريبة الـ5% على الكتاتيب ومدارس معلمي الكتاتيب، فإن الواقع يؤكد أن هذه الكتاتيب بناها المسلمون وأجروا عليها الأوقاف تعبدًا لله تعالى مثلما تُعلم الأديرة معلمي الأقباط بشأن المسيحية، وأن اللجنة لا تؤيد تعليم المسيحية في الكتاتيب الإسلامية.

وضرب التقرير مثالا بمحافظة القليوبية التي يقطنها 433 ألف مواطن منهم 8.7 آلاف قبطي، ومجموع ضريبة الـ5% التي يتم تحصيلها هي 13.8 ألف جنيه يدفع منها الأقباط 689 جنيها، في حين أن ما يصرف على الطلبة الأقباط من ميزانية المديرية هو 1000 جنيه بخلاف 3 كتاتيب قبطية يصرف عليها سنويا 210 جنيهات، أي إن الأقباط يحصلون على ضعف ما يدفعونه من ضريبة الكتاتيب.

ونص التقرير على أن "العدل أحق أن يتبع، وقد يكون التسامح من أنفع وسائط التوفيق بشرط أن يُعترف بأنه تسامح، وألا يُشعر بأنه غفلة أو استكانة".

- الميزانية العامة: ذكر التقرير أن المحاكم الشرعية وفرت لخزينة الدولة في السنوات الخمس الأخيرة 4171 جنيها سنويا، وأن الآثار الإسلامية ينفق عليها من أوقاف المسلمين، في حين أن الآثار المسيحية يصرف عليها من أوقاف المسيحيين بنسبة الثلث وتتكفل ميزانية الدولة بالثلثين.

وقد تعاقبت في جلسات المؤتمر ردود الحضور على ما أثاره مؤتمر أسيوط، وكانت بعض الردود بها قسوة وحدة أرجعها المستشار "البشري" إلى "الدور المستفز الذي لعبته الصحافة القبطية" في إثارة المشاعر الوطنية والإسلامية.

وقد عرضت "باحثة البادية" ملك حفني ناصف تقريرا أعدته عن "وسائل ترقية المرأة المسلمة المصرية" أوردت فيه 10 مقترحات للنهوض بالمرأة المصرية منها: حضور النساء لصلوات الجماعة، وجعل التعليم الأولي ملزما للفتيات، والتوسع في مدارس الممرضات، وإنشاء مدرسة طب للنساء.

وبخصوص التعليم عرض "محمد أبو شادي" تقريرا دعا فيه الحكومة إلى زيادة ميزانية التعليم، وتشجيع الجهود الأهلية في العملية التعليمية، ووجوب إتاحة الفرصة للنشاط الأهلي ليسد عجز النشاط الحكومي في مجال التعليم.

كما تناول الشيخ "علي يوسف" مسألة التعليم العام وحظ المسلمين والأقباط منه، وأورد إحصاءات مهمة في هذا الشأن.

ودار في المؤتمر حديث عن إصلاح القضاء المصري، ثم عرض الشيخ "عبد العزيز جاويش" تقريرا عن "وجوب مراعاة أحوال الزمان والمكان في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية" وكان يرتكز هذا التقرير على وجوب الاجتهاد.

ثم تحدث "لطفي السيد" عن طرق الوفاق بين جميع عناصر الأمة وطبقاتها، وأن الوفاق يجب ألا يقتصر على المسلمين والأقباط فقط، وإنما يتعين أن يشمل الأجانب المقيمين في مصر الذين اتخذوا مصر موطنا لهم.

وتناول المؤتمر بعضا من الجوانب الاقتصادية، منها: وجوب الاهتمام بالصناعة، والدعوة إلى تأسيس بنك أهلي بأموال مصرية، وإنشاء عدد من الصناعات المصرية، واقتراحات بتعديل عدد من المعاهدات التجارية بين مصر وغيرها من الدول، وضرورة أن تقوم الحكومة بتصنيع ما يحتاجه المصريون من نسيج وملابس.

وأن الأمم الراشدة تنهض بنفسها لا بدافع من الحكومة.

وتحدث "عمر لطفي" رائد الجمعيات التعاونية في مصر عن أهمية الزراعة في النهوض بمصر، وتناول تجربة إنشاء أول نقابة مصرية زراعية في قرية شبرا النملة، وأكد أن فائدة النقابات الزراعية هي تخليص الفلاح من المرابين، وأن الأمم الراشدة تنهض بنفسها لا بدافع من الحكومة.

وقد تم تجميع أعمال المؤتمر في كتاب بلغ عدد صفحاته 204 صفحات.

الاستعمار كان موجودا

ومن الضروري أن نشير هنا إلى دور الاستعمار الإنجليزي في عقد المؤتمر المصري، حيث كان انعقاد المؤتمر بتشجيع من المعتمد البريطاني في القاهرة "إلدن جورست"، وبتشجيع من "محمد سعيد" رئيس الوزراء؛ حيث إن الأخير هو الذي زين لـ جورست عقد هذا المؤتمر الذي كان هدف الإنجليز منه هو إشعال الفتنة بين عنصري الأمة - المسلمين والأقباط - في الوقت الذي يكسب فيه الإنجليز الطرفين معا؛ ولذا أصدر "جورست" تعليماته بعقد المؤتمر المصري.

واستفاد الاحتلال من عقد المؤتمرين القبطي والمصري كمؤتمرين انقساميين، إلا أن استفادته من المؤتمر المصري كانت أكبر

واستفاد الاحتلال من عقد المؤتمرين القبطي والمصري كمؤتمرين انقساميين، إلا أن استفادته من المؤتمر المصري كانت أكبر؛ لأن تجميع كل هذه الأحزاب والقوى المصرية دون أن يكون لها موقف من الاحتلال أو حتى معارضة له هو انتصار لسياسة الاحتلال التي حرصت على ألا يأخذ المؤتمر أي طابع سياسي، وأن الوقيعة بين عنصري الأمة المصرية ما هي إلا زيادة في قبضة الاستعمار على الجميع، ولجوء الجماهير إلى الهدوء والاستكانة حتى لا تتهم بالتعصب والإرهاب.

وبذلك نجحت سياسة الإنجليز في خداع الجماهير كلها خداعا كبيرا، وجذبتهم بعيدا عن الاهتمامات السياسية، وأدت سياسة الفتنة الطائفية التي خلقها الإنجليز بعناية كبيرة إلى إيجاد المسألة القبطية، وإلى إيجاد مبرر لسياسة الاحتلال القمعية والبوليسية ضد الوطنيين.


مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم