|
| مناهضو العولمة هل يمثلون دماء اليسار الجديدة
|
"لقد سمعتكم الآن"… نطق كولن باول وزير الخارجية الأمريكي بهذه الكلمات مخاطبًا المشوشين عليه الذين قاطعوه عدة مرات أثناء إلقائه كلمة أمريكا في قمة الأرض بجوهانسبرج التي عقدت في أغسطس الماضي 2002، ولم يكن هؤلاء المشوشون سوى عصبة من مناهضي العولمة الذين رأوا في كولن باول تجسيدًا لكل ما تحمله العولمة من مثالب، وكانت نتيجة هذا الفعل أن قامت قوات الأمن بإخراج 13 من ناشطي مناهضة العولمة خارج قاعة المؤتمر، وتركت باول!
وبالطبع لم يكن هذا أول ظهور لحركة مناهضة العولمة؛ فالحركة يعود تاريخها إلى 1 يناير 1994 حينما اعتبر المحللون أن تمرد "الزباتيستا" في المكسيك ضد اتفاقية التبادل الحر هناك، أول تحرك ضد النظام الاقتصادي المجحف للعولمة.
كما اعتبرت منظمة "أتاك"attack التي أنشئت عام 1998 أول منظمة لمناهضة العولمة، وهي التي أسست كتتويج للحملات التي تم تدشينها في فرنسا من أجل إلغاء ديون العالم الثالث، ومن أجل فرض ضريبة على التعاملات المالية لمصلحة المواطنين.
1999.. عولمة المناهضة
وحتى تلك اللحظة لم تكن الحركة قد تبلورت في سياق تنظيمي بعد، إلا أن محاولات إلكترونية رصدت، أعدها البعض إرهاصة لحركة قوية لمناهضة العولمة؛ فقد تم الكشف عما يقرب 8 آلاف هجمة من قبل قراصنة الإنترنت على مواقع منظمات ومعاقل العولمة حتى عام 1999.
وبالفعل صدق حدس المحللين، ففي يونيو 1999 تكونت حركة (J18) المعارضة لمؤتمر قمة الثماني بألمانيا، قامت هذه الحركة بمظاهرة ضخمة في لندن أسفرت عن إصابة 42 من أفراد الحركة. ورغم ذلك الحادث فإن منظمات العولمة وحكوماتها لم تكن تدري ماذا يخفي لها القدر في سياتل في نوفمبر 1999 حينما شاهد العالم أجمع على شاشات التلفزيون 40 ألف متظاهر يناضلون ضد إطلاق جولة تفاوض جديدة لمنظمة التجارة العالمية، حيث اعتبرت هذه المظاهرات هي البداية الحقيقية لحركة مناهضة العولمة Anti-Globalization؛ الأمر الذي جعل المراقبون يطلقون على ناشطي الحركة اسم "شعب سياتل".
جنوة.. قمة الأحداث
وبعد سياتل انتقل المناهضون إلى براج في سبتمبر 2000 وتظاهروا هناك بالآلاف، وبعدها في نيس في ديسمبر 2000. أما قمة الأحداث فكانت في جنوة بإيطاليا حيث تجمع 200 ألف متظاهر محتشدين ضد اجتماع زعماء الدول الصناعية الكبرى.
بذلك أصبح مناهضو العولمة متواجدين في كل تجمع من شأنه أن يمس حقوق الفقراء أو العمال أو الفلاحين أو البيئة أو الدول النامية، مثل منتدى دافوس الاقتصادي، وقمة الأرض واجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين وجولات منظمة التجارة العالمية وقمة الدول الصناعية واجتماعات الاتحاد الأوروبي.
وكان نداء مناهضي العولمة متركزًا حول إقامة عولمة أكثر إنسانية (أنسنة العولمة) تحمي حقوق الفقراء والعمال والدول الناشئة والنامية، وذلك عبر توزيع عادل للثروة العالمية يحفظ حق الحياة لأكثر من 80% من سكان الأرض تناستهم العولمة الوحشية التي لا تعطى إلا لـ20% من السكان فقط.
من الغرب.. لماذا؟!
|
|
بوفيه أصبح رمزا للحركة
|
وكان من العجيب عندما بدأت الحركة في الظهور أنها انطلقت من الدول الغربية، بل إنها شهدت أوج نشاطها في مرتع العولمة الرئيسي، سياتل بأمريكا، وليس في الدول النامية المعدمة، الأكثر تضررًا من العولمة. وهذا الأمر يرجع لسببين:
الأول: هو أن عمال وفلاحي أوروبا أكثر وعيًا بقضاياهم منا، كما أنهم يعدون مثلنا من متضرري العولمة، فقد أصابهم خفض الأجور والبطالة وتدني مستوى المعيشة بعد انحسار الثروة عنهم واتجاهها إلى جيوب الرأسماليين الكبار.
والسبب الآخر يرجع إلى أن الشعوب النامية ما زالت محرومة من حق الحصول على المعلومات، فضلاً عن حرمانها من حقوق مثل حق التظاهر والإضراب والاحتجاج وغيرها من القواعد الأساسية المتوافرة لناشطي الحركة العالمية.
ولكن هذا لا يعني عدم وجود وعي بالحركة في الدول النامية؛ فهناك نشاطات بدأت بالظهور في بيروت والقاهرة، وأصبح مؤخرا هناك "التجمع الأهلي لمناهضة العولمة" بلبنان وجمعية "أجيج" لمناهضة العولمة بمصر، إلا أن الطريق ما زال طويلاً لتفعيل هذه المنظمات واتضاح رؤيتها النظرية والعملية.
من هم المناهضون؟
"إنهم حفنة من اليساريين الحالمين بـ(اليوتبيا الاشتراكية) التي بشرهم بها ماركس".. هكذا وصف الكاتب الرأسمالي إدوين لوك مناهض العولمة.
وكلامه على جانب غير قليل من الصواب، فقاعدة حركة مناهضة العولمة ترتكز على الفكر اليساري الجديد بصورة أو بأخرى، بل إن الحركة برمتها تعد "تجديد اليسار الجديد" كما وصفها تقرير الاستخبارات الكندية عن الحركة.
والحركة بشكل رئيسي تتشكل من المتضررين من سلبيات العولمة، كاتحادات الفلاحين الفرنسية والإيطالية والبرازيلية، والنقابات العمالية الأوروبية والأمريكية، وكذلك حركات شبابية إنجليزية وأمريكية، والحركات النسوية المدافعة عن حقوق المرأة، وكذلك جماعات البيئة.
وتظهر في الحركة شخصيات مثل "جوزيه بوفيه"، الأب الروحي للحركة، وهو مزارع بسيط بريف فرنسا نال شهرته من تحطيم أحد محلات "ماكدونالدز" ببلدته؛ احتجاجًا على فرض أمريكا رسوما جمركية على الجبن الريكفور التي ينتجه ويصدره لأمريكا، وحينما تم اعتقاله أعلن مناهضو العولمة: "كلنا جوزيه بوفيه".
كما نسمع في ردهات الحركة همسات المحامي الأمريكي رالف نادر، ذائع الصيت في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، وكذلك إيجنسيو رامونييه رئيس تحرير "لوموند دبلوماتيك" الذي أسس منتدى (أتاك) 1998 كأول منظمة تناهض العولمة، كما يعضد من أزر الحركة عالم اللغويات الأمريكي الشهير "ناعوم تشومسكي" وغيرهم من كبار مفكري أوروبا وأمريكا.
وتظهر في الكادر الرئيسي للحركة فئة "الفوضويين" Anarchists التي تعتقد بـ"اللادولة"، أي تؤمن بأن المجتمع يجب أن يتحول لتنظيمات صغيرة (لا تندمج مع بعضها البعض مثل تنظيمات العولمة) وهذه التنظيمات تحكم نفسها بنفسها لا رقيب عليها من دولة ولا قانون.
ومن هنا يطالب الفوضويون الذين يشكلون دعامة الحركة بفض الاندماجات العولمية الاقتصادية العملاقة؛ لأنها السبب في تآكل الرأسمال الصغير، وكذلك بفض محورية الدولة التي تحمي الكيانات الاقتصادية الكبرى دون الصغرى.
وهكذا يعد الفوضويون هم الفئة المسيطرة على الحركة دون الحاجة إلى إعلان ذلك؛ فالفوضوية متهمة باستخدام العنف، كما أنها متهمة بالتغلغل داخل الأيدلوجيات الأخرى بسلاسة، فهناك فوضويون يساريون وآخرون ليبراليون؛ ولذا من الصعب تحديد من هو "الفوضوي"؟!
كما تتواصل وتتفاعل مع الحركة منظمات حماية البيئة "السلام الأخضر" و"الأرض أولاً" و"رين فورست" التي تعترض على السياسة الصناعية التي تنتهجها العولمة، والتي ستؤدي لتدمير كوكب الأرض، كما تظهر في الصورة الجماعات النسوية المدافعة عن المرأة ضد استغلالها في الترويج للمنتجات والجنس، وكذلك ضد إسناد أعمال لها لا تناسب قدراتها بأجور متدنية. كما نجد جمعيات حقوق الأطفال والحيوان.
بالإضافة بالطبع للكم الهائل من جمعيات حقوق الإنسان ذات القوة والدعم -وأحيانًا النفوذ- وغيرها من المؤسسات غير الحكومية (NGOs) التي تشكل صمام الحركة العالمية ضد العولمة.
من المسؤول عن العنف؟!
تشير تقارير المراقبين أن مناهضي العولمة دائمًا يتظاهرون سلميًا للتعبير عن موقفهم من العولمة، إلا أن التظاهرات غالبًا ما تنتهي وقد التحمت بالشرطة وهشمت واجهات المحلات، بل إنها تقوم أحيانًا بمنع وصول وفود المؤتمرات التي يناهضونها إلى مكان مقر المؤتمر؛ الأمر الذي أسفر عن قتيل مناهضة العولمة العام الماضي "كارلو جولياني" الذي وقف زعماء الدول الصناعية الثماني الكبرى دقيقة حدادًا عليه، والذي صار بدوره أول قتيل للحركة بعد اشتباكه مع الشرطة. وكان السؤال: من المسؤول عن العنف؟
ويأتي الجواب سريعًا: إنهم الفوضويون الذين يؤمنون بالعنف طريقًا لتحقيق مرادهم.
فترد: ولكن ليس كل الفوضويين هكذا.
فيأتي الجواب أسرع: ألم تشاهد "تايلور ديردن" بطل فيلم "نادي القتال Fight Club" الشخص الفوضوي الذي دمر مؤسسات أمريكا بسبب عدم اقتناعه بثقافة الاستهلاك والعولمة؟!
نعم تأتي أغلب موجات العنف من الفوضويين، ولكن كتابات عدة ظهرت أكدت انخراط جماعات مثل "النازيين الجدد" في الحركة، بل أكد أحد المحللين أنه قرأ هذا الاعتراف على أحد مواقعهم على شبكة الإنترنت، كما أكد محلل آخر أن جماعة "كوكلوكاس كلان" العنصرية المسلحة قد انضمت للحركة حتى تكتسب أرضًا خصبة، في حين أوضح بعض المراقبين أنهم رأوا "مات هيل" قائد جماعة "كنيسة الخالق الدولية للبيض" المسلحة، رأوه في مظاهرات سياتل 1999؛ الأمر الذي يعكس مدى غموض الفئة المتسببة في إثارة الشغب والعنف داخل مظاهرات يفترض أنها ترغب في كسب تعاطف وود الآخرين.
وهو ما يجعل المرء يتنبأ بأن الجماعات المتسببة في العنف قد تكون مندسة من قبل الحكومات الغربية لإفقاد الحركة شعبية جارفة اكتسبتها في الفترة الماضية في شتى أرجاء المعمورة.
مطالب الحركة
|
|
العنف وسط المناهضين لغز محير
|
"لقد جئنا لنقول لهؤلاء: إننا لن نسمح بدفع حياتنا مقابل أرباحهم".. هذا ما أعلنته عاملة فرنسية أثناء مشاركتها في المظاهرات المناهضة للعولمة في مدينة جنوة الإيطالية في يوليو 2001 ضد اجتماع زعماء الدول الصناعية الثماني، فمن مطالب حركة مناهضة العولمة:
إرساء قواعد تجارية مالية عادلة. فليس من المعقول أن يمتلك ثلاثة فقط من البليونيرات ثروة تساوي قيمة الإنتاج القومي لـ48 دولة، كما أشارت سوزان جورج رئيسة مرصد العولمة في باريس؛ الأمر الذي أدى إلى وضع كل النشاط الإنساني في السوق للبيع بما في ذلك التعليم والثقافة والصحة.
كما تطالب بالحد من هيمنة وتسلط الشركات متعددة الجنسية التي تعمل من خلال منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي اعترفت الأمم المتحدة أنها تمتلك سجلات رهيبة في انتهاك حقوق الإنسان والعمل والبيئة في نظام عالمي يعمل لصالح 20% من سكان العالم يمتلكون 82 في المائة من الثروة، وإقامة اتحادات وطنية، أي إرساء السيادة الوطنية للدول على مواردها، إذ يخشى منتقدو العولمة من أن يؤدي ازدياد الاستثمارات الأجنبية والتدفقات المالية إلى انتصار الرأسمالية المتوحشة بقيام نظام رأسمالي قاس يتميز باستغلال الفقراء والسيطرة على مواردهم.
هذا رغم أن الخوف من العولمة لا يقتصر على سكان العالم الثالث وأصحاب الاقتصاديات التي تمر بمرحلة انتقال؛ إذ تظهر الاستقصاءات أن نصف الأمريكيين على الأقل يعتقدون أن العولمة تؤدي إلى تخفيض الأجور وتتسبب في البطالة، أما الأوروبيون فهم أكثر تشاؤمًا بشأن التكامل الاقتصادي العالمي، ويسود شعور معاد للعولمة داخل الدول الصناعية الأخرى.
ضد الحرب
ورغم تركيز هؤلاء على المطالب الاقتصادية فإن لمناهضي العولمة مطالب سياسية أيضًا، حيث أظهرت واقعة 11 من سبتمبر تعاطف مناهضي العولمة مع التيار المعادي للحرب الأمريكية ضد الإرهاب، حيث نظم هؤلاء مظاهرة في إيطاليا ضمت أكثر من 250 ألف شخص، وأخرى في واشنطن شارك فيها 16 ألف شخص ليقولوا: "لا للحرب الأمريكية في أفغانستان"، و"لا لعسكرة العولمة وعولمة العسكرية"، وهو ما عبر عنه مناهضو العولمة بقولهم: "إن مناهضة هذه الحرب تشكل جزءًا لا يتجزأ من حركتنا".
وجاء ذلك ردًا على تراجع قيادات النقابات العمالية الأمريكية (CIO-AFL) عن مناهضتهم لهذه الحرب، وهي النقابات التي تشكل الجهاز الأساسي للحركة المناهضة للعولمة؛ الأمر الذي وصفه البعض بـ"الضربة القاصمة" للحركة.
إلا أن المحللين يرون أن هذا الانقسام حول تأييد أو عدم تأييد الحرب لن يؤثر على الحركة؛ لأن مؤيدي الحرب -قيادات النقابات- بعضهم ينتمي للحزب الديمقراطي المؤيد للحرب، كما أن هذه القيادات لا تمثل إلا نفسها؛ لأن العمال الخاضعين لهذه النقابات -وهم الأهم في نظر الجميع- يناهضون الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، كما أنه من المستحيل أن يقنع قادة النقابات الذين لا يتعدون أصابع اليد، عشرات الملايين من العمال بدعم الحرب أو حتى تأييدها.
وانطلاقًا من مطالب وشعارات الحركة يجتمع مناهضو العولمة في حملات تعبوية في أيام، مثل:
- 8 مارس يوم المرأة العالمي.
- 17 أبريل اليوم العالمي للنضال الفلاحي.
- 1 مايو عيد العمال.
- 12 أكتوبر نداء المهمشين.
- 22 يوليو.. الحملة الأمريكية العالمية ضد كوكاكولا.
بالإضافة إلى مظاهراتهم المعتادة أثناء انعقاد أي مؤتمر أو منتدى من شأنه تكريس العولمة الرأسمالية المتوحشة، وذلك في منتديات بديلة لتلك التي ينظمها دعاة العولمة.
فقد نظموا منتدى بورتو أليجري الاجتماعي الأول والثاني بالبرازيل، ردًا على منتديات العولمة (دافوس والثماني الكبار).
كما أنهم ينظمون منتدى ثابتًا موازيًا لمؤتمر منظمة التجارة العالمية السنوي، يعلنون فيه موقفهم من المنظمة، مثل المنتدى الذي نظم بلبنان في نوفمبر 2001 أثناء انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية بالدوحة، وقد شارك فيه مثقفون عرب في أول مشاركة عربية في هذا الزخم المعارض للعولمة؛ الأمر الذي أسفر عن تأسيس التجمع الأهلي لمناهضة العولمة كأول تجمع عربي مناهض للعولمة. وتلاه في يوليو 2002 منظمة "أجيج AGEG" المصرية كثاني منظمة عربية في هذا المجال.
كيف يتحركون؟!
|
|
العدالة الاجتماعية أحد مطالب يوتبيا سياتل
|
تعتمد حركة مناهضة العولمة في تحركاتها واجتماعاتها ومظاهراتها على التمويل الذاتي ومساهمات الجمعيات المهتمة بالقضية؛ فهناك نقابات عمالية تقوم بتمويل المظاهرات وإمدادها بالمعلومات والتسهيلات سواء النقل أو التغذية أو الإقامة، كما أن هناك من يقوم بتمويل نفسه بنفسه.
وتقوم جمعيات مثل "راكاس" و"الفعل الحركي" بتنظيم دورات تدريبية لمناهضي العولمة لإمدادهم بكل ما يحتاجونه من معلومات وتسهيلات للمشاركة في الاحتجاج على العولمة مقابل 125 دولارًا للناشط.
أما عن تحركاتهم، فتعد شبكة الإنترنت والتليفون المحمول هما أنجع الوسائل لتجميع مناهضي العولمة للتظاهر أمام ردهات الفنادق والمؤتمرات التي تستضيف رموز العولمة، فيكفي أن تكتب رسالة بريدية إلكترونية واحدة وترسلها إلى آلاف الأشخاص عبر الإنترنت أو التليفون المحمول تحدد فيها موعد ومكان المظاهرة القادمة والشعارات التي سترفعها.
|