English

 

السبت. نوفمبر. 4, 2000

ثقافة وفن » فنون تشكيلية

 

الفنان سامي برهان: أحتاج للجنة… بجانب النور!

وحيد تاجا

Image
دمشق- الفنان سامي برهان من مواليد حلب عام 1929، اهتم بالخط العربي، وتتلمذ علي يد الخطاط الكبير "حسين حسين"، درس الفن التشكيلي في فرنسا، يقيم حاليًا ومنذ عام 1963 في إيطاليا، وينتقل بين عواصم أوروبا والعالم العربي باحثًا بين الرسم والنحت والحفر، ومُحاضِرًا عن جمالية الحرف العربي.

فاز بالعديد من الجوائز العربية والعالمية، وهو أول فنان عربي تُكلّفه الأمم المتحدة بتصميم إعلان مكافحة المخدرات، مُنح لقب "رائد الفن العربي" بمناسبة أول بينالي في الإمارات العربية المتحدة، أسس المركز العربي الإيطالي في إيطاليا، ويُعتبَر الفنان سامي برهان من أهم الفنانين الحُرُوفيين العرب.

بمناسبة زيارته لوطنه سوريا وإقامته معرضًا في صالة السير في قلب العاصمة السورية، التقيْنَا به وحاورناه حول الخط العربي، واللوحة الحُرُوفية، وأعماله، وألوانه، وإليكم نص اللقاء:

* مع منظومة العودة للتراث والأصالة والنهضة الإسلامية في العقدين الأخيرين؛ انتشرت بالتوازي ظاهرة اللوحة الحُرُوفية، ثم أخذت في الانكماش شيئًا فشيئًا .. ما هي الأسباب في رأيكم؟

* الأمر واضح جدًا ؛ فقد استُغِل البعض من الحُرُوفيين بشكل سيئ، حتى إنني اضطُررْت حين أسست "المركز العربي الإيطالي للفنون المعاصرة" أن أُسمِّي الحُرُوفية بـ "الألف بائية"؛ ويعود هذا إلى أن عددًا كبيرًا من الفنانين التشكيليين أرادوا ركوب موجة التراث واندفاع الناس نحوه، وأخذوا يُقيمون أعمالاً تجارية، غايتها الربح والوصول إلي المسؤولين الذين يَرعَون الفن في الوطن العربي، وللأسف فإن معظم هؤلاء الفنانين يجهلون جذور الحرف العربي وخاصيته وجماليته، وبطبيعة الحال فإن فاقد الشيء لا يعطيه؛ لأننا إذا أردنا أن نبني بناء شامخًا قويًا علينا أن نُعمّق الجذور ونُقوّي الأساسيات، وإلا فإنه سوف ينهار.

وقد سمعتُ أن أحد الفنانين الحُرُوفيين قال: إن اللوحة الحُرُوفية وصلت إلي طريق مسدود.. وجوابي هو العكس؛ فإن فنّ "الألف بائية" لم يبدأ بعد، ومن أراد أن يبحث عن الأشياء الثمينة يجب أن يغوص؛ فاللآلئ تُوجَد في الأعماق، وفي السطوح لا نرى إلا الأشياء السطحية التي ليس لها أي قيمة.

* ذكرتَ مرة أنكَ لا ترى عَلاقة بين الحَرْف العربيِّ والفن التجريدي، في حين أن كل الحُرُوفيين تقريبًا يُحاولون جاهدين ربط التجريد بالحَرف العربي.. كيف تُبرِّر مقولتكَ؟

* التجريد يعتمد على عنصرين: اللون والشكل، في حين أن الحرف العربي يعتمد على أربع دعائم: الشكل، واللون، والصوت، والمعنى. الحرف بأساسه هو صورة ملحوظة عن صورة حقيقية، بمعنى أنه رمز لصورة حقيقية، ولنأخذ مثلاً على هذا حرف الألف: هذا الحرف بالنسبة للغة اليونانية والرومانية لا يفيد شيئًا سوى أنه الحرف الأول، بينما في لغتنا العربية واللغة الآرامية فإنه يرمز إلى الثور "العجل"، وهو تبسيط لصورة رأس العجل، وتطورت حتى أخذت الشكل "ظ" وكان العرب يكتبون من اليمين إلى اليسار؛ لأن أصل الكتابة عندنا كانت نوعًا من النقش على الحجر؛ فمن الطبيعي أن يكون النقش من اليمين إلى اليسار، إلا إذا كان الإنسان أعسر.

* أعمالك بشكل عام تمثل حالة وسط ما بين الخطَّاط التقليدي الذي يُؤكِّد على مضمون العبارة التي يكتبها وما بين الحُرُوفي الذي يكتفي بجمالية الخط بغض النظر عن المضمون؟

* الفارق كبير ما بين الخطَّاط التقليدي، والمُصوِّر الذي نُسمِّيه (الألف بائي) ومن الضرورة القصوى لأي فنان تشكيلي أن يتمرن علي يد أستاذ في جماليات الخط العربي، وأن يتضمن كتابة الخط بأصوله الموزونة، وحينما يصل إلي مرحلة الإبداع في تكوينات خط الثُّلُث أو غيره بمعمارية. هنا يبدأ بالتشكيل الحُرُوفي المبني علي المعنى الواضح هذه العبارة تمثل الهيكل العظمي للوحة الحروفية، فاللوحة (الألف بائية) تحتاج إلي دراسة الحروف بشكل جيد فضلاً عن الإبداع في تكوينها ومن ثم فتح النوافذ لجميع الحضارات، فأنا لا أريد أن أعيش ضمن قوقعة بل يجب أن آخذ وأُعطي وأستفيد من تجارب الآخرين  ، ولكي تدب الحياة في هذه الحياة لابد أن أكتبها بألوان موسيقية للبصر مُهذبة للنفس تبعث في الذات الإنسانية نوعًا من الانسجام والمحبة والتفاهم.

المقولة التي أُريدها قد أَختصرها بكلمة أو بعبارة هي مفتاح لمقولة طويلة، مثلاً حين أقول (العلم)، فالعلم لوحة جمالية فيها تركيب موسيقي متناغم بالألوان التي تأتي في صدًى بعيد تجدها بأرضية اللوحة بالنسبة للمضمون، فإن هذه الكلمة هي مفتاح لكنوز عديدة يمكن أن تفتح كنز (العلم نور) وهذا كنز هام جدًا جدًا أو هكذا في جميع أعمالي، فإن معظم أعمالي عبارة عن مفاتيح لما اعتبره كنوزًا  ثمينة .

* يُلاحظ التركيز على الاستغلال الكامل للفراغ في اللوحة؟

* اللوحة ككل قطعة موسيقية كاملة، ومن المفروض أن تُدرَس كليًا لتتكامل هذه الأنغام بعضها مع بعض .. خلفية اللوحة عندي تبدو وكأنها صدًى أكثر من بعيد، وهذا الصدى يُعيدني إلى جذور حضارتي البعيدة، وتكون اللوحة بمثابة الثمر والورق الجميل للشجرة التي هي الثقافة النابعة في هذه الحضارة والمعاصرة التي تسابق الزمن.

* كيف انعكست حياتك في الغرب على عملك الفني؟

* تعلمتُ في الغرب أشياء كثيرة ولكنها لم تستطع أن تقتلعني من جذوري .. تعلمتُ التكنيك والتعامل مع المواد الحديثة، تعلمتُ الحوار بين الحضارات والاستفادة من تجارب الآخرين، وما دمتُ حيًا فأنا أعتبر نفسي تلميذًا وبحاجة دائمة للتعلم والتطور، وبالمناسبة فأنا لا أقلد أحدًا من الفنانين الغربيين، أو الشرقيين، ولا أطلب من الفنانين الغربيين أو الشرقيين، ولا أطلب من الفنانين التشكيليين أن يُقلِّدوا "سامي برهان"، ولكن أطلب منهم أن يستفيدوا من تجربتي من حيث العودة إلي الجذور والأصالة وفهمي للمعاصرة، ولكل فنان طريقته الخاصة وفهمه للمعاصرة والتراث ولابد أن ينعكس هذا على عمله ليكون عملاً متميزًا يحمل هوية عربية إلى جانب هوية الفنان المُبدِع.

* متى ترسم .. وما هي الحالة التي تجعلك ترسم؟

* هذا مرهون بأمور نفسية، لحظة الإبداع النفسي أشبه بسارق لا تعرف متى يأتي، والعمل الفني يخلق فيك أحاسيس جميلة من الصعب ترجمتها، قد أبدأ العمل في الليل عندما تخف الضوضاء فأشعر بفيض يَغمرني ويُلهمني ويُحرك يدي، وهذا ما حدث في أعمالي الأخيرة وهي تسع لوحات اعتبرها من أجمل ما أنجزتُه في حياتي، في حين أنني كنتُ أرسم لوحة ولوحتين في العام، وقد حدث أن توقفتُ مرة ثمانية أعوام عن الرسم، فالمسألة هي إحساس وقد يكون وجودي في الوطن هو ما ألهمني هذا الإحساس وهو الدأب، وقد يكون رضًا من رب العالمين، فأنا أجهل السبب، ولكني مؤمن بأنه عليّ أن أُنمِّي موهبتي باستمرار، وكلما أسرعتُ بتنميتها وأعطيتُ الآخرين اعتبرت ذلك نوعًا من شكر رب العالمين.

* إلي أي مدًى تلعب الحالة النفسية دورًا باختيارك الجملة التي تكتبها؟

* تلعب الحالة النفسية دورًا مُهمًا في اختياري للكلام، وكذلك للأحداث دور كبير أيضًا.  ففي أحد الأيام كنتُ في مدينة حلب أحضر حفلة موسيقية جميلة، وكان خلفي بعض الأشخاص يتحدثون بأمور تافهة تتعلق بالمال والثياب والأزياء؛ فانزعجتُ جدًا بالفعل وخططتُ فور عودتي كلمة (الأدب)، وهكذا فالأشياء مرهونة وعفوية.

* وماذا بالنسبة للألوان؟

* اللون أيضًا تلقائي وعفوي، ولكن هذه العفوية لا تأتي بدون ذاكرة تحفز الأشياء والألوان فيها، وخبرة طويلة باستخدام اللون المناسب لتأتي اللوحة مثل القطعة الموسيقية الملونة الداعية إلى الانسجام والانشراح والمتعة.

* كيف تبدأ طقوس العمل وهل ترسم كروكيًا أم تبدأ فورًا بالألوان؟

* اختار أولاً الكلمة من بيت شعر أومن قول مأثور لتكون مفتاحًا للوحة، ولا بد لهذه الكلمة أن تقبل البنائية التشكيلية، ثم أقوم بإجراء تجارب عديدة ودراسات مختلفة على الورق، وبعدها أحل كل ما قمتُ به من دراسات وأبدأ مباشرة بالرسم على اللوحة بلون خفيف جدًا، ومن ثم أكمل اللوحة بشكل تلقائي بعد أن يكون الموضوع قد اختمر في ذهني تمامًا.

* متى تشعر أن اللوحة قد انتهت؟

* هذا سؤال صعب جدًا، فهناك بعض اللوحات بقيت عندي فترة طويلة جدًا لم ألمسها ثم عدت وأنهيتها ووقَّعتُها، وأحيانًا أشعر أن اللوحة تقول لي انتهيت.

* تستخدم كثيرًا اللون الأصفر والأخضر في أعمالك؟

* أنا ابن الشرق، وألوان الشرق ساطعة، واللون الأصفر هو لون النور والشمس، ولكني إلى جانب النور احتاج إلى الخضرة أي الجنة والحديقة.

واللون الأخضر له قيمة تاريخية عندنا وأحيانًا أضع بقعة صغيرة جدًا مثيرة للانتباه باللون الأحمر وهي رمز الحياة.

* ما هو موقفك من المدارس الفنية الحديثة التجريدية والسريالية؟

* أحترم تجارب الجميع وأعتبر كل عمل فني وكل لوحة بمثابة رسالة وعلي الفنان أن يؤدي هذه الرسالة بمحبة وأن ينشر التفاؤل والسرور بين الأشخاص الذين يعيشون لوحاتهم.

* ما هي مشاريعك القادمة؟

* أعمل الآن علي مشروع كبير وهو أعلام سوريا في التاريخ وقد بدأت بأعلام مدينة حلب كذلك أفكر بمشروع قد يستغرق سنوات وهو أعلام الفكر والأدب والسياسية في الأندلس وقد اختار واحدًا وأستفيد مما قاله كمفاتيح تهذيبية ـ أخلاقية ـ حضارية ـ دينية.

* أي ضمن نفس التوجه (الألف بائي)؟

* هذا لا شك فيه فأنا لا أؤمن بشيء آخر أؤمن بلغتي وعروبتي التي وجهها الحضاري في الفنون التشكيلة وهويتها في الألف بائية.


  كاتب سوري

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم