|
محمود سعيد فنان مصري أثرى حركة التصوير بالعديد من الأعمال التي تتصدر متاحفنا وكتاباتنا عن الفن، ولكي نتعرف على فن "محمود سعيد" لا بد لنا أن نبدأ من الإسكندرية، "البداية" حيث ولد عام 1897، وتُوفي بها أيضًا في 8 إبريل 1964.. فنجد أننا أمام أكثر من ستين عامًا من الحياة الزاخرة بالسفر والإبداع والفن والتجديد، لم يكن محمود سعيد متفرغًا فيها للفن تمامًا، وإنما ظل يعمل في سلك القضاء حتى عام 1947 حين قرر التخلي عن ذلك المنصب والتفرغ للفن بشكل كامل.
ومنذ السنوات الأولى من حياته كان اهتمامه بدراسة الفن جزءا لا يتجزأ من اهتماماته، فتردد على مراسم الفنانين الأجانب التي كانت منتشرة آنذاك بالإسكندرية، وسافر إلى كثير من متاحف الفن في أوروبا حتى استطاع استيعاب القواعد الأكاديمية للفن الأوروبي الحديث، والتي ساعدته على صقل شخصيته المصرية التي تظهر بوضوح في جميع أعماله الفنية.
عبّر عن نفسه بمزيج غريب من الرمز والواقعية التي خلقها بوحي من مفهوماته الخاصة، والتي أخذت تعبر عن عوالم غامضة وشديدة الخصوصية.. عالم النساء أحيانًا والعبادة أحيانًا أخرى والموت أحيانًا كثيرة؛ فكانت تلك هي المحاور الثلاثة التي قام عليها فن محمود سعيد وإبداعاته، ولا سيما الموت الذي لعب الرمز دورًا كبيرًا في التعبير عنه في لوحات محمود سعيد.
وليس ممكنًا تقسيم حياة محمود سعيد الفنية إلى مراحل محددة؛ لأن التحول في الفكر لا يأتي بغتة، ولكن التقسيم هنا مجرد وسيلة لدراسة أعماله بشكل أوضح.
مراحل مرّ بها
ففي مرحلة العشرينيات كان محمود سعيد لا يزال متأثرًا بدراسته لأعمال فناني أوروبا؛ فكان عنصر الواقعية هو المسيطر على أسلوب معالجته التشكيلية للموضوعات، وأكد على هذه الواقعية باستخدام الألوان الداكنة خاصة الأزرق القاتم والبني النحاسي في تكوينات راسخة وقوية اهتم فيها بقوة البناء إلى أبعد حد، وهو ما يمكن أن نراه في لوحة "هاجر" كمثال والتي رسمها عام 1923.
أما مرحلة الثلاثينيات، فقد حملت معها روائع لا تنسى والتي أصبحت فيما بعد من أشهر لوحاته، مثل: لوحة "حاملة القلل"، و"الدعوة إلى السفرة"، و"الصيد العجيب"، و"الصلاة"، و"الذكر"؛ فجاءت تلك اللوحات مفعمة بانعكاسات الضوء الذي يخلق إيقاعًا عاليًا في اللوحة وأخذت الأجسام في التحول إلى الملمس المعدني في كثير من تلك اللوحات، كما تجلت فيها العلاقة بين الأصفر والبرتقالي الساخن من ناحية والأزرق الغامض من ناحية أخرى.
وأصبحت المعالجة التشكيلية للجسم البشري تتجه بشدة نحو التحوير سواء باستطالة الأجزاء أو بتكويرها أو بأسطوانيتها، وتتفجر تلك الأعمال بالروح الشرقية الخالصة للفنان محمود سعيد، والتي عبّر عنها باستخدامه لألوان دافئة وسميكة واهتمامه برسوخ الكتلة وقوتها، وهو ما يذكرنا بأعمال النحت المصري القديم، كما تجمعت في لوحاته دلالات رمزية عالية، خاصة في لوحاته التي يتناول فيها المرأة المصرية في صمتها وغموضها، وقد استطاع هذا الفنان اختيار البناء والتكوين الذي يتناسب مع موضوع اللوحة وجوها النفسي.
الإنسان والصوفية
أما في مرحلة الأربعينيات، فقد تمحور فن محمود سعيد حول البورتريه أو الصورة الشخصية، والتي اهتم فيها بإبراز العمق النفسي للشخصية بقدر ما اهتم بدقة الملامح؛ وركّز في تعبيرات الوجه على العيون والشفاه، واهتم بالضوء والظل الذي يساعد على التجسيم بقدر ما اهتم باللون وقوته الرمزية والتعبيرية الذي يساعد على تشكيل الجو النفسي المحيط بالشخصية.
ثم جاءت مرحلة تحول فيها الفنان تحولاً شديدًا وهي مرحلة الخمسينيات؛ فساد الهدوء وعم الضوء والبرود لوحاته، واختفى أريج الشرق والمشاعر المتأججة والوجوه المفعمة بالطاقة من لوحات محمود سعيد؛ ليحل محلها الضوء الغامر والمناظر الطبيعية الواسعة والصمت في جو صوفي هادئ..
فبعد أن كان محمود سعيد يضع الإنسان في بؤرة اهتمامه تحول ذلك الاهتمام إلى تصوير الطبيعة بأسلوب يميل إلى التجريد والتخليص الشديد حتى في درجات الألوان.. فأخذ يتنقل هنا وهناك ليصور طبيعة مصر في جميع أشكالها، فذهب إلى رشيد وأسوان ومرسى مطروح والمنيا والبحر الأحمر.
وعمومًا فقد كان رائدًا من رواد فن التصوير الحديث في الوطن العربي ؛ حيث فتح بفرشاته آفاقًا جديدة، وتكفي نظرة سريعة إلى أعمال الطلبة في مختلف الكليات الفنية لندرك إلى أي مدى سيظل أثر محمود سعيد باقيًا في الفن والفنانين العرب .
|