English

 

الأحد. نوفمبر. 5, 2000

ثقافة وفن » مفاهيم ومصطلحات » ثقافية و فكرية

 

منهج النظر في أسس البناء الديمقراطي والتعددية ومؤسسات المجتمع المدني

وضعية مؤسسات المجتمع الأهلي في العصر الحديث

الحاصل أنه منذ منتصف القرن التاسع عشر بدأ التحول الاجتماعي في أقطارنا، كان النفوذ الغربي قد بدأ قبل ذلك بنصف قرن أو ثلاثة أرباع قرن، ومن الربع الأخير من القرن الثامن عشر تمثل هذا النفوذ في مخاطر عسكرية آتية من الإنجليز عبر الهند إلى المنطقة الإسلامية، وآتية من روسيا عبر مناطق الشمال الآسيوي، ثم أتت من فرنسا بحملة نابليون على مصر. وبدأت تجارب النهوض الشرقية الإسلامية بتجارب "محمود الثاني" في أسطنبول و"محمد علي" في القاهرة، ولكنها كانت تجارب تتعلق بتمثل أسس النهوض الأوروبي في مجال الصنائع والفنون العسكرية، ولم تؤثر تأثيرًا فعالاً على البنية الاجتماعية لا من الناحية التنظيمية ولا الثقافية. وتتسم ملامح هذه الفترة بثلاثة أمور:  

أ - استيراد علوم الصنائع وفنونها.

ب - الهيمنة المركزية دون تغيير في الهوية.

جـ - استمرار الفكرية الإسلامية لتكون هي الفكرية الحاكمة.

ولكن مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر تغيرت الأحوال؛ فقد كان التوغل الاقتصادي السياسي والعسكري من جانب الغرب، كان أسرع من أن تؤتي وسائل الإصلاح أثرها، وكان عام 1839-1840م عامًا شبه حاسم، في اتباع سياسات الباب المفتوح على بلدان العرب وتوابع الدولة العثمانية، وبدأ الوفود الأجنبي السياسي والاقتصادي والاجتماعي يظهر ويتوغل، سواء في أوضاع المجتمع أو في تنظيماته أو في مناخه الثقافي. لا أريد أن أستطرد في ذكر قصة هذا الأمر، وحسبي هنا ما أثبته في هذه الورقة من قبل، من ذكر كل مسألة في نقاط مختصرة وعناصر محددة. والمهم أن الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر ثم بدايات القرن العشرين، على مدى ثلاثة أرباع القرن أيضًا، ثم الاحتلال العسكري والحكم السياسي الأوروبي للمنطقة العربية كلها. وقد ظهر هذا النفوذ اقتصاديًا وسياسيًا، ثم تطور إلى النفوذ العسكري، ثم إلى الإمساك بآلة الدولة الحديثة التي نشأت، وكان هذا المسار يظهر بطيئًا مترددًا ثم يتجه مع مرور السنين إلى السرعة والحسم. أظهرت النظم الأوروبية في المعاملات مجالس للحكم زاحمت المحاكم الشرعية، وقوانين زاحمت القانون الإسلامي، ومدارس تبشير ومدارس أجنبية زاحمت التدريس التقليدي، ثم عمت النزعة التغريبية في التعليم من خلال المدارس الحكومية. تخلخلت التكوينات الاجتماعية التقليدية؛ كنقابات الطوائف، وتنظيمات الطرق، وغيرها، مما كنا نجده فاعلاً يقوم بدوره في التحريك والتنظيم والتعبئة للناس في حركاتهم ضد حاكم ظالم، أو احتلال أجنبي كحملة نابليون على مصر في عام 1798م، أو مقاومة حملة الإنجليز على رشيد في عام 1807م، أو تولية محمد علي ولاية مصر في عام 1805م، ومما كنا نرى له أثرًا في تنظيم أنشطة الخدمات الاجتماعية كالوقف على المعاهد التعليمية وغيرها من المرافق أو أثرًا في تنظيم طوائف الحرف، أقول: تخلخلت هذه التكوينات ثم تحطمت.

أولا: العلاقة بين الدولة المركزية ومؤسسات الأمة:

ظهرت الدولة المركزية الحديثة. وقد بدأ ظهورها مع بدايات القرن التاسع عشر، ولكنه كان ظهوراً يجري في إطار ضرورات تحديث الجيش والاقتصاد والتعليم، استجابة للتحديات التي بدت، وكان ظهورها في هذه البداية يجري ضمن النسق الثقافي والحضاري الاجتماعي السائد.

ثم لما فشلت تجارب محمد علي ومحمود الثاني ومن على شاكلتهما أورثت هذه البنية الجديدة للدولة أهدافًا أخرى تتعلق بتسويغ التغلغل الاقتصادي والاجتماعي الوافد من الغرب، وصارت مع نهايات القرن التاسع عشر وسيطًا يصل بين الحضارة الأوروبية وأبنيتها وهياكلها التنظيمية والثقافية وبين المجتمعات التقليدية. وكان لذلك - مع بداية القرن العشرين - تأثيره الكبير على التعليم والقوانين والنظم المؤسسية. وكانت الدولة الحديثة يمسك بزمامها نخب من ذوي الثقافة الوافدة من الغرب. وظهرت تكوينات اجتماعية حديثة كبديل عن التكوينات التقليدية الآخذة في الانهيار، أو كتكوينات موازية لها، ولكنها مدفوعة بقوى الدفع السياسي والاجتماعي الحديثة، مثالها: الحركة النقابية العمالية التي ظهرت أولا كتنظيمات للعمال الأجانب في المصانع الحديثة، ثم دخلها المصريون، ومن جهة أخرى اتخذت بعض التشكيلات التقليدية أطرًا تنظيمية حديثة كالجمعيات الإسلامية التي ظهرت وقتها. مع تغير المفاهيم والقيم ونظم التعليم ومناهجه والقوانين ونظم الإدارة، ومع ظهور الأحياء السكنية الجديدة على النمط الغربي، وظهور أساليب العيش الغربية في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها، ومع التغير الثقافي: حيث بدأت المفاهيم الثقافية الإسلامية وأطرها المرجعية تفقد صدارتها وسيادتها، بمعنى أن الفكرة المجردة التي أشرت إليها من قبل بدأت تفقد قوتها وهيمنتها، وهذا الوهن الذي أصابها أفقد المؤسسات الاجتماعية التقليدية قدرتها على الإدارة الذاتية.

وفي المقابل استبدت الدولة الحديثة ووحداتها الإدارية بوضع النظم لكل مؤسسات المجتمع الأهلي ولفرض سطوتها وهيمنتها عليها. وعلى مدى القرن العشرين من بعد آلت إدارة المجتمع كله إلى نخب لها وضع شبه منعزل عن الجماهير التي تملأ الريف والأحياء الشعبية، وذلك من النواحي الثقافية والحضارية. لم يكن ثمة انعزال صارم بطبيعة الحال، وكان ثمة تداخل وحوار وانحسار ومدّ وحركات متقابلة، ولكن أميز بين الأمور وأصنّف الظواهر وفقًا للطابع الغالب فيما أتصور، وأنا أدرك أنني أغامر بطرح تعميمات يمكن أن يرد عليها كثير من التحفظ، وأنا أعترف مسبقًا بالكثير الذي يثور من تحفظات، ولكن يبقى عندي شعوري بصواب ما أتصوره من طابع غالب. وزاد هذه الظواهر كلها الحراك الاجتماعي الواسع والسريع نسبيًا الذي عرفته مجتمعاتنا خلال القرن الأخير الذي زاد سرعة وتتابعًا مع مرور السنين، ومن أسبابه العامة المعروفة: الهجرة من الريف إلى المدن بما يفيد تمزق علاقات قرابة وعلاقات جوار ونشوء غيرها نشوءاً غير مستقر. والتعليم الحديث الذي أوجد حراكًا طبقيًا واسعًا، وحراكًا من الأقاليم إلى المدن ومن الأحياء الشعبية التقليدية إلى الأحياء الجديدة، وكذلك ظهور مهن جديدة اقتضاها التعليم الحديث، ونظم الإدارة والقضاء الحديثة، واستخدام وسائل إنتاج واستهلاك جديدة، وكذلك التجنيد في الجيش أوجد حراكًا حرفيًا، وكل ذلك أدى إلى خلل في البنية الاجتماعية، وهزّ أسس التنظيمات التقليدية وعلاقات الانتماء السابقة.

كل هذه الظواهر معًا أدت إلى عدد من النتائج أوجزها فيما يلي:

أ - تفتت التكوينات الاجتماعية القديمة وفقدان دورها: إن وحدات الانتماء التقليدية تخلخلت والمؤسسات القائمة على وفقها تحطم الكثير منها ووهن القليل الباقي، فلم يستطع أن يفرض ذاته كقوة اجتماعية ضاغطة بشكل منظم، إنما يظهر بشكل انفجارات مفاجئة في ظروف غير متوقعة، ولم يعد رجال السياسة وعلماء الاجتماع قادرين على التوقع والحساب ووزن ردود الفعل.

ب - ظهور تكوينات أخرى بديلة ولكن ضعيفة: المؤسسات الحديثة ظهرت من نخب شبه معزولة ثقافيًا وحضاريًا، ومكونة من أعداد قليلة لا تستطيع أن تستوعب حركة المجتمع، وهي ذات ظهور لا ينتمي إلى ثقافة المجتمع السائد، إنما تستمد وجودها من اعتراف جهاز الدولة المركزية الحديثة بها، فظهرت ملحقة بهذا الجهاز مرتبطة به، ولذلك استمر الغالب منها غير قادر على أن يمثل قوة ضغط على السلطة المركزية، وإن كان بعضها في المراحل الأخيرة قد أمكنه أن يقوم بهذا النفوذ كالنقابات المهنية منذ الأربعينيات، ولكن ذلك لم يعصمها في المواقف الحاسمة مع الدولة المركزية.

جـ - شخصنة الفكرة: صارت القوانين خارجية وغير مرتبطة بأصول الشرعية ذات التقبل العام من الجمهور العريض للرأي العام، وهذا مال بالفكرة "إلى أن تصير فكرة مشخصة، وليست "مجردة" بالمعنى الذي استخدمته من قبل. وخير مثال على ذلك أن "الفكرة الليبرالية" و "الفكرة الاشتراكية" التي تبنّاها نظام "عبد الناصر" في الخمسينيات والستينيات سقطت بسقوط هذا النظام في 1971م مع عهد أنور السادات. القديم تحطم والجديد واهن، لذلك لم نجد في 1882م بعد هزيمة جيش عرابي أمام العسكر الإنجليز لم نجد مقاومة شعبية مثل ما حدث في 1798م و 1807م السابق الإشارة إليهما. ولذلك - أيضًا - أمكن بعد نجاح ثورة يوليه سنة 1952م ضرب ما كان قائمًا من أحزاب سياسية ومؤسسات للعمل الشعبي ومؤسسات للدولة الديمقراطية، لأن المؤسسات الوسيطة في المجتمع الأهلي كان بين قديم مضروب وبين جديد معزول، أقول هذه الأوصاف مجازفًا بهذا القدر من التعميم الذي لجأت إليه لرسم الصورة، مع إدراكي بما يجب الاعتراف به من تحفظات وتقييد لهذه العبارات المطلقة.

ثانياً: تقييم دور الدولة المركزية

بدأت الدولة الحديثة في بلادنا، كان لها وجوه إيجابية عديدة انتفعنا بها ولا زلنا نستكملها. ومن هذه الوجوه الإيجابية: أننا استعضنا عن نظم الإدارة الشخصية بنظم البيروقراطية الحديثة، بالمواصفات التي عبر عنها ماكس فيبر، ومنها تقسيم العمل الإداري والفصل بين أدوات العمل والعامل في هذا المجال. ومن هذه الوجوه - أيضًا - أننا بدأنا نطبق فكرة أن العمل العام تتداوله عدة هيئات منفصل كل منها عن الآخر من الناحية التنظيمية، وكل منها يستكمل بعض جوانب هذا العمل حتى يتم. ومنها كذلك الأساليب التنظيمية لاتخاذ القرار الجماعي، ومن ذلك نظم المجالس؛ إذ يصدر العمل منسوبًا إلى المجلس كهيئة معنوية وليس لأعيان أفراده، ويصدر بأغلبية أعداد المشاركين في صنعه فينسب إلى الجميع لا إلى من وافق عليه فقط، ومن ذلك - أيضًا - بلورة فهم مضمون "التمثيل" وإجراءاته الانتخابية وهكذا. وهذا مما أخذناه من نظم الغرب الحديثة، وهي من أنفع ما تفتفت عنه الحضارة الأوروبية المعاصرة.

لقد مثلت هذه الدولة عملية إعادة التأسيس لشرعية جديدة. فمع كوننا في بناء الدولة المركزية الحديثة: قد استفدنا نماذج تنظيم وإجراءات، إلا أننا فقدنا صلة الدولة المركزية الحديثة بالفكرة المجردة، وصلتها بالمرجعية والأطر الشرعية الذائعة ذات القبول العام لدى الجماعة البشرية المحكومة، فقدنا العلاقة الرابطة بين الدولة والجماعة البشرية من حيث الفلسفة السائدة التي يتولد عنها الشعور بالانتماء للجماعة، والتقبل الفكري والوجداني للأسس الشرعية الموضوعية التي يقوم عليها نشاط الدولة، ومن هنا ظهرت الشرعية التي تدعو إليها الدولة الحديثة المركزية في بلادنا شرعية إجرائية في الأساس، تتعلق بوضع دساتير على نحو معين، وتقسيم السلطة إلى عدد من المؤسسات يشبه مؤسسات السلطة في الغرب، وإصدار القرارات بتمثيل جماعي. تضمن كل ذلك بطبيعة الحال عددًا كبيرًا وهامًا من مبادئ الديمقراطية الحديثة من حيث حقوق الإنسان وضمان الحريات الشخصية والجماعية، ولكن كل ذلك جرى التعبير عنه منفصلاً عن الأطر المرجعية السائدة ذات التقبل الشعبي العام والمستمدة من فكرة الإسلام وفقهه. ولذلك يمكن القول بأن الدولة المركزية من حصيلة ما أفضى إليه التطور الفكري الغربي ذو التقبل الشعبي العام من قيم ومبادئ وأصول أدمجت خلاصات إيجابيات الفكر الغربي عبر تاريخه الطويل من الطور الإغريقي الروماني إلى الطور المسيحي الكنسي إلى الطور الحديث، أقول: جرت العلمانية عندنا لا بهذا المضمون الذي عرفه التاريخ الفكري الغربي، ولكنها جرت بمحض كونه المفهوم العلماني يفيد القطعية مع الأصول الفكرية والتراثية السائدة، واستلهام خلاصات فكرية وافدة غربية في مرجعيتها شاردة عن التطور الفكري في بلادنا.

لذلك ينبغي النظر إلى العلمانية في توظفها في مجتمعاتنا لا على صورة ما يفضي إلى تطبيقها في الغرب بحسبانها خلاصة تاريخية هناك، ولكن ينظر إليها على أنها توظف في مجتمعنا بما يفيد القطعية مع تاريخه وناسه وأطره المرجعية، وهي لا تفيد في مجتمعنا إلا إضفاء شرعية إجرائية، أما المضمون الفكري فهو يتعلق بأطر مرجعية لا تنغرس إلا في نخب محدودة، نخب تلقت تعليمها في مدارس حديثة أنشئت على غير اتصال عضوي بالفكر السائد، وهي من تولى إنشاء الدولة المركزية الحديثة، وهي أيضًا من قاد حكومات التحرر الوطني ذات الطابع العلماني في أواسط القرن العشرين، ونقلت الدولة المركزية الحديثة نقلة كبيرة في مجال السطوة والنفوذ والإمساك بمقدرات المجتمع، وذلك بمرجعية شرعية تعتمد في الأساس على فكرة الدولة بحسبانها الحقيقة الأساسية في المجتمع، وهكذا انتقلت صناعة الدولة المركزية الحديثة من السيطرة الأجنبية الغربية عقب الاحتلال العسكري إلى نخب علمانية إلى حكومات تحرر وطني علماني، كل ذلك بالمعاني التي استخدمت في هذه الورقة، وصارت مهمة الدولة الحديثة - وفق النموذج الغربي - تحويل رابطة الولاء والانتماء إلى الدولة نفسها. وهناك نقطة ثانية، وهي أن الدولة المركزية الحديثة نشأت على أساس "قطري"، والدولة كما هو معروف ذات عناصر مكونة، تتعلق بالأقاليم والجماعة السياسية والسلطة، وهذه الدول العربية والإسلامية ودول آسيا وأفريقيا عامة تحددت حدودها الجغرافية لا وفقا لتحدد الجماعة السياسية التي تقطن الأرض بجامع رابطة القومية أو رابطة الدين أو رابطة العرق، ولكنها تحددت بالحدود الجغرافية التي فرضتها السيطرة الأجنبية السابقة، وهذه الحدود دخل في تحديدها علاقة موازين القوى بين الدول الأجنبية المسيطرة واحتياجات الدولة المسيطرة، وكذلك علاقة موازين القوى بين حركات التحرر الوطني والسيطرة الأجنبية التي كانت قائمة، بمعنى أن ظرفًا سياسيًا هو الذي تحدد به أمر يتعلق بالجماعة السياسية، وهو ما تحكم في بيان حدود "القطر" الذي قامت الدولة على أساسه، فلم تعد الدولة تعكس جامعة سياسية تستند على أساس فكري أو فلسفي من رابطة دين أو رابطة قومية أو رابطة عرق، ولكن وجود الدولة بفعل الأمر الواقع قد ولّد في ذاته أمرًا واقعًا جديدًا، صارت الدولة تعمل على تثبيته وبقائه، حتى بعد انتصار حركات الاستقلال بشكلها الفطري الذي حدث، فصارت الدولة هي أساس رابطة الولاء والانتماء وليس العكس، صارت الدولة أساس الشعور الذاتي للجماعة وليس العكس، وهذا ما نجده بخاصة في إفريقيا وفي الكثير من دول المشرق والمغرب العربي، وحتى إن الكثير من مشاريع الوحدات السياسية نشأ نشأة ذرائعية إجرائية لا تستند إلى أسس فكر فلسفي أو نظري يشكل رابط انتماء وإطار جماعي، وذلك مثل "وحدة وادي النيل" أو "الهلال الخصيب"… الخ، دون أن تصل إلى معيار ديني أو قومي أو عرقي.

ثالثاً: آثار الانفصال و"المفارقة" بين الدولة والأمة:

من هنا ظهرت الدولة الحديثة المركزية منعزلة عن الجماعة مفروضة عليها من علٍ وخارجية عنها؛ أي أنها دولة "مفارقة" بالمعنى الفلسفي للفظ "مفارق"، وهذا أدى إلى عدة تجليات، منها:

(1) تجاهل المرجعيات المجتمعية: فقد صارت منفصلة عن الأطر المرجعية السائدة في المجتمع والمكونة للجماعات البشرية والحاكمة للعلاقات والمعاملات، وصارت مهمتها التبشير بمرجعية جديدة، والأهم من ذلك أن الدولة لم تعد هي من الشرعية في المجتمع، ولكنها صارت هي ذاتها مصدر الشرعية، ولم تعد محكومة بشرعية وأطر شرعية مستمدة من نسق فلسفي أو فكر عقيدي، وإنما صارت هي الحاكمة للشرعية، وصار القانون من حيث هو إجراءات تصدر بها الأحكام والنظم هو المعبر عن الشرعية التي هي إرادة الدولة، ومن ثم فهي علمانية بالضرورة بالمعنى "الشرقي للكلمة" أو بالأداء الوظيفي لهذا المفهوم في دولتنا، وما تقوله الدولة هو الإطار المرجعي ذاته الذي يخلق القيم وينشئ نموذج العلاقات، وسيطرت بذلك على الفكر والثقافة وصناعة العقول بدلاً من أن تكون نتاج ذلك.

(2) تأكيد النزعة القطرية: صار من الأهداف الأساسية المتضمنة في أداء الدولة الحديثة الوظيفي أن تؤكد النزعة القطرية الإقليمية، وأن تؤكد الوجه العلماني الوضعي للمشرب الفكري، لا ثقة بالمنهج العلماني الذي أسفر عنه التطور الفكري الأوروبي في ظروفه التاريخية، ولكن لأنه الوجه الذي يمكنها من امتلاك ناصية الشرعية واستيعاب المرجعية ذاتها، بحيث تكون هي المشروع والمرجع.

(3) تصفية مؤسسات الأمة ووأد إمكانية تطورها ديمقراطيًا وطبيعيًا: وبهذا عملت الدولة المركزية الحديثة على تصفية المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي كانت تشكلها الجماعات الأهلية، وعملت على إنشاء مؤسسات اجتماعية حديثة لا تستمد شرعية وجودها من "الفكرة المجردة" السائدة بين الجماعات الأهلية، ولكنها تستمد هذه الشرعية من اعتراف الدولة بها وإفساحها لها ورقابتها لنشاطها وهيمنتها عليها، وكان هذا وضع نظم الجمعيات والنقابات الحديثة وغيرها. ومن هنا تفككت الجماعات الأهلية من حيث الانتماء ومن حيث كونها قوى متماسكة تفككت إلى أفراد، وهذا في ظني من أخطر ما هدد إمكانات التطور الديمقراطي وظهور التعددية الحقيقية والفعلية على المستويات الوسيطة، التي تكون أساس التعددية الحزبية من بعد، وأساس تعدد سلطات الدولة من فوق.

فقديمًا كانت الجماعة هي ما يكسب أية مؤسسة شرعية وجودها ونشاطها، وذلك باعتراف الجماعة بها، والآن صار الاعتراف يأتي من الدولة كمؤسسة تمثل مادة التماسك والتناسق الاجتماعي بين الهيئات والمؤسسات العديدة والمتنوعة التي تؤسس بنية المجتمع، بدلا من ذلك صارت الشرعية الإجرائية التي تستبد الدولة بإيجادها أو محوها ما يشكل هذا الترابط الشكلي الذي يقيم الدولة كمؤسسة حكمًا وحيدًا على كل ما عداها. رفض الشرعية الإسلامية كشرعية حاكمة وهي عندما ترفض "الشرعية الإسلامية" الناتجة من الفكرة المجردة، لا ترفضها لكونها إسلامية، فالدولة تتشكل من مسلمين يراعون ضوابط هذا الدين، ولكنها ترفضها من حيث إنها تفرض عليها شرعية حاكمة لها من خارجها، وهي في الوقت ذاته شرعية تمكن الناس المحكومين أن يقيسوا شرعية سلوك الدولة بمقاييس يملكون زمامها، وتدخل في إطار تكوينهم العقلي الثقافي العام، والدولة ترفض شرعية ليست من إنشائها، وليست قادرة على التحكم فيها، ترفض مرجعية لا يملك أحد على أحد بها سلطة إنفاذ إلا بالإقناع وبترجيح الجماعة. وعندما تنهدر الشرعية الآتية عن الفكرة المجردة تنهدر القدرة على الإدارة الذاتية التي تستند في الأساس إلى التقبل العام للتحاكم على شرعية تتصل بوجدان الجماعة وبالاحترام المتبادل بين الناس بعضهم ببعض أو لا يتوقف ذلك على "إصدار" من الدولة أو من مؤسسة بعينها.

أنا أضع هذه الملاحظات راجيًا أن يكون فيها ما يثير النقاش النافع، وراجيًا أن يكون فيها ما يظهر أن المؤسسات التقليدية ليست قرينة الاستبداد، وأن مؤسسات المجتمع الحديثة وعلى رأسها الدولة الحديثة، إنما تقوم بأداء وظيفي لا يسير في طريق تكوين البنية الأساسية التحتية لتشييد الهيكل الديمقراطي، وأن الشرعية الإسلامية هي في ظني من الشروط السابقة لإقامة هذا الهيكل.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم