English

 

الأحد. نوفمبر. 5, 2000

ثقافة وفن » مفاهيم ومصطلحات » ثقافية و فكرية

 

منهج النظر في أسس البناء الديمقراطي والتعددية ومؤسسات المجتمع المدني

تنظيم المجتمع الأهلي

أولا: فكرة إنشاء مؤسسات المجتمع الأهلي:

إن التكوين المؤسسي إنما يمثل هيكلاً تنظيميًا لجماعة بشرية يربطها نوع تقارب مشترك، وتُوجد ذات جماعية بجوار الذات الفردية لكل من مكوناتها، وهي تقوم على أساس تكوين فكري متجانس قادر على تحقيق هذه الذات الجماعية، وعلى قيامها في نفوس الأفراد بجوار الذات الفردية لكل منهم، وهي تتوخى تحقيق أهداف مشتركة سواء لهذا الجمع المؤسسي نفسه أو لجماعة كبرى تشمل هذه الجماعة الفرعية. وتقوم فكرة إنشاء مؤسسات المجتمع الأهلي على الأسس التالية:

أ - التطوعية والإرادة الذاتية:

هذه الأبنية التنظيمية يقيمها الأفراد والجماعات طوعًا وبإرادتهم، أو يجدون أنفسهم منتمين لها بالاندراج فيها مما هو قائم ومنحدر من الماضي بتقاليد التجمع وأعرافه، المهم أن الجانب الطوعي هو أساس التكون والبقاء. لذلك فهي دائمًا تنظم أوضاع جماعات ذات مصالح مشتركة أو ذات هوية مشتركة وشعور بالانتماء الجمعي. وقد حضرت - فيما سبق - محاضرة عن نظم الاتصال في العصور الوسيطة، وكان أول ما جذب المحاضر به انتباه سامعيه أن عرض عليهم خريطة للدول في تلك العصور، وتساءل كيف كانت المعلومات تنتقل في أرجاء كل من هذه الدول؟! وأنا أقلد هذا المحاضر الآن، وأرجو من القارئ أن يتصور خريطة لدول العالم الوسيط، ويتساءل كيف كان المجتمع ينظم شئونه ويدير أموره، بغير تلك الأجهزة الكبرى المركزية المهيمنة، وبغير وسائل الانتقال والاتصال السريع التي نشأت في العصور الحديثة؟! إن الجواب عن ذلك لا بد أن يشير إلى الأهمية الكبرى لهذه الجماعات الفرعية ونظمها المؤسسية وقدرتها على إدارة شئونها الذاتية، ووجه العلاقة التي تقوم بين بعضها وبعض، وبينها وبين السلطة المركزية. الغايات المشتركة والانتماء الجماعي: هذه الهيئات قد ينشئها أفراد بجهود واعية لطلائع في العمل، وينشطون بوضع برامج تمثل أهدافًا لما اكتشفوا احتياج مجتمعاتهم له، وينشطون بدعوات يتجمع حولها أفراد آخرون لتقديم ذات النوع من النشاط وإشاعته في المجتمع، بمعنى أنها تنشأ لهدف غائي يراد تحقيقه، ومثالها: جمعيات البر والجماعات السياسية والثقافية. هذه الهيئات قد تشكل للتعبير عن وجود جماعي قائم، وهي تتشكل لتنظيم هذا الوجود الجماعي وتنسق نشاطه وتزيده وعيًا بتكوينه الجماعي، وتعبر عن احتياج لديه لاعتراف الجماعة الأكبر بوجوده وحقوقه بما يتناسب مع حجمه وحاجته، وذلك شأن الملل والجماعات المذهبية الثقافية أو القبلية العرقية أو الإقليمية أو اللغوية.

ب - التراكم التاريخي:

وقديمًا كانت هذه الهيئات تتكون بطريقة أهلية وطوعية بحتة، حتى في نظمها وأساليب إدارتها، كان ذلك ينشأ ويتشكل عبر مسار تاريخي، وبالتراكم طويل المدى، وتتحدد نظمه باجتماع لسوابق أنشطة واطراد عادات لتصير أعرافًا لها وجه إلزام يستقر في وعي المتعاملين مع هذه الهيئات. والنظم التي تعتمد على الأعراف، وتنشأ نشأة تاريخية، إنما تعتمد على قواعد للتنظيم والإدارة تكون عامة وغير مفصلة، وهي قواعد تتصل بالجوانب الموضوعية للعمل المؤدى، ولا تتناول الجوانب الإجرائية التي تفتقت عنها النظم البيروقراطية الحديثة، والتي تعالج الأعمال من خلال الأوراق المكتوبة، وبالضبط الرقمي للمواعيد والإجراءات. ويتفرع على ذلك أن شرعية الوجود المؤسسي لما يعبر عن جماعة ما إنما يجري بصناعة شعبية أهلية بقواعد استقرت في الضمير الجمعي، وانتقلت من ناس إلى ناس بالتقبل الشعبي العام، وذلك على خلاف الوجود المؤسسي الذي يجري في الأزمنة الحديثة، والذي يجري بقوانين مكتوبة تصدرها الدولة المركزية، مما يكفل لسلطة هذه الدولة التدخل المستمر، وإلحاق هذه المؤسسات الشعبية بها، عن طريق وضع النظم والتحكم في الإجراءات ورقابتها، مما ستجيء الإشارة إليه إن شاء الله.

جـ - السمات الرئيسة لتنظيمات المجتمع الأهلي في الخبرة الإسلامية:

  1. التعبير عن مصالح وغايات مشتركة:

التكوينات المؤسسية للوحدات الاجتماعية المقصودة هنا هي ما سبقت الإشارة إليه من جماعات يربط بينها أصل مشترك أو مصلحة مشتركة أو هدف مشترك لتحقيق غاية معينة، وينشأ لها نوع تنظيم يستوعب حركتها؛ أي يحولها لتحقيق أهداف متعارف عليها. والغايات والأهداف المشتركة يصعب أن يحوطها التعيين أو الحصر، إنما هي ما طرأ ويطرأ في مجال السياسية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأي جماعة قديمة أو ناشئة.

والمصالح المشتركة لا تعني المصالح المادية التي تنصرف إلى الجوانب الاقتصادية وحدها، إنما تعني عندي ما يشمل ذلك ويشمل مصالح التواجد المعنوي الآتي عن اختيار مذهبي أو ثقافي، والذي يتمثل في الدعوات المختلفة، ومنها حفظ الوجود المعنوي وحفظ فكر معين ونشره وحفظ تكوين مذهبي والدعوة إليه. والأصل المشترك يقوم وفق تصنيفات شتى، منها الأصل الأسري والقبلي والعرقي، والتكوين اللغوي الواحد، والتكوين المذهبي أو الديني والثقافي العام، والتكوين الإقليمي الجغرافي من قرية أو حي أو مدينة أو قطر أو نحو ذلك.

2) متعددة ومتنوعة دون تشتت أو تناثر:

هذه التكوينات الاجتماعية تتنوع وتتعدد دون أن تؤدي إلى تناثر أو تشتت اجتماعي، لأنها تجري وفقًا لتصنيفات شتى، وليس وفقًا لتصنيف واحد. وعلى سبيل المثال: فإن الماركسية تصنف الإنسان وفقًا لمعيار واحد، فهو إما عامل أو رأسمالي، والتداخل بين الفريقين هو شذوذ أو اختلاط، وهذا التصور ذو المعيار الوحيد في تصنيف البشر يفضي بالحتم لا إلى الصراع فقط، ولكنه يفضي إلى أن الصراع هو وضع طبيعي. أما تعدد معايير التصنيف وتنوعها ثقافيًا وإقليميًا وعرقيًا ولغويًا واقتصاديًا فهو ينتج تداخلاً بين دوائر الانتماء المتولدة عن هذه التصنيفات. قديمًا كان مؤلف الكتاب يشير إلى نفسه وفقًا لدوائر انتمائه كلها، فيقول مثلا: "المصري (إقليمه) الأزهري (معهده العلمي) القرشي (نسبه) الشاذلي (طريقته الصوفية) النحوي (تخصصه العلمي). والمهم من هذه الملاحظة أن تعدد التصنيفات بما يقيم من تداخل بين دوائر الانتماء إنما يوثق قوى التماسك في المجتمع ويدعم الشعور بالمساواة، لأن الأفراد إذا تمايزوا بمعيار الإقليم فسيوحِّد بينهم معيار المذهب، والعكس صحيح. ومن هنا نجد مؤسسات المجتمع المدني تترابط مثل ترابط أجهزة الآلة الميكانيكية.

3) تنطلق من المرجعية العامة للمجتمع ولا تخرج عليها:

ومن جهة أخرى فإن هذه التكوينات تحتاج إلى عدد من الأمور المعنوية، منها الشعور المشترك بالانتماء لجماعة معينة، وهو شعور يجد سنده في الأسس الفكرية والثقافية التي تقوم عليها الجماعات وفي الأطر المرجعية ذات الاعتراف والتقبل العام في البيئة الحضارية، والتي تحكم قيم المجتمع وسلوكه ومعاملاته. لقد أشرت من قبل إلى التكوين المؤسسي الذي تشكل بأسلوب طوعي واستند في تنظيمه وإدارته وتحديد وجوه نشاطه إلى تراكم سوابق وعادات صارت أعرافًا تفرض نفسها بوصفها قواعد مقررة، ولكنها في مراحل تكوينها وتهيؤها إنما تصدر بالتقبل العام وباستنادها لأسس الشرعية ومعايير الاحتكام ذات الهيمنة على العقول والقلوب في الجماعة.

4) تتمتع بالاستقلال دون تصادم مع المؤسسات السياسية:

والذي يحفظ التناسق والتجانس بين وحدات الانتماء الفرعية بعضها وبعض، ويبقي على خاصية التلاؤم بينها وبين الجامع السياسي الأعم، الذي يفعل ذلك هو وحدة الأطر المرجعية والتكوين الثقافي والوجداني الواحد بين هذه الجماعات ومؤسساتها. كما أن ما يُمكّن من قدرة كل منها على تسيير شئونه الداخلية بغير فرض هيمنة تنظيمية من خارجها وبغير تناقض بين بعضها وبعض، ما يُمكّن من ذلك هو وحدة الأطر المرجعية التي تصدر كلها عنها وتصدر أعرافها عنها كذلك.

5) الصدور عن فكرة مجردة وليست مشخصة:

للمفكر الجزائري "مالك بن نبي" تفرقة فطرية هادية، فهو يفرق بين الفكرة الشخصية والفكرة المجردة، والفكرة الشخصية لا يكون لها وجود اجتماعي ولا استمرار زماني إلا بأشخاص محددين يقومون بها أو مؤسسة تنشط في تطبيقها وإعمالها. أما الفكرة المجردة فإنها يكون لها من ذلك ما يجعل وجودها وإعمالها غير متوقف على تشخيصها في رجال محددين أو مؤسسات بذاتها، وهي توجد حيثما وجد قوم يتعاملون أو يتحاكمون لهذه الفكرة. ومن أهم تطبيقات الفكرة المجردة في المجتمعات العربية والإسلامية: الأفكار الإسلامية؛ إننا في أية لحظة إذا تصورنا أن زواجًا يتم أو طلاقًا يحدث أو خلافًا على ميراث جرى، سواء في القاهرة أو واحة في صحراء موريتانيا أو بين مسلمي الصين، أيًا من ذلك يحدث سيذهب ذووه إلى من يتوسمون فيه معرفة بأحكام الإسلام في هذا الأمر، ويتقبلون نتيجة ما يحسمه من أمرهم. ووفقًا لهذا النظر، فإن التكوين الطوعي لمؤسسات الانتماء الفرعي يقوم بشكل حقيقي ويكتسب ذاتيته الصحيحة وقدرته على الإدارة الذاتية لشئونه بقيام معايير احتكام وأطر مرجعية صادرة عن الفكرة المجردة ذات التقبل والذيوع العام في المجتمع، وذات الاتصال بأوضاع الانتماء السائدة في الجماعة.

6) حلقة الوصل بين النسق العقيدي والقيم السائدة:

هنا كان دور الإسلام كجامع سياسي وكشريعة حاكمة وأطر شرعية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكان هذا أثره في بناء هيئات المجتمع وتكويناته وعلاقات جماعاته، فكان الفكر الآخذ من الشرعية الإسلامية يربط بين النسق العقيدي وبين القيم السائدة وبين الأبنية التنظيمية ونظم تبادل الحقوق والواجبات، ونحن نلاحظ مثلا أن الفقه القانوني الآخذ من الشريعة الإسلامية طوَّر نظمًا قانونية تخدم وحدات الانتماء الفرعية، مثل: نظام الشفعة، وحقوق الارتفاق التي تنظم علاقات الجوار المكاني، ومثل نظامي النفقة والميراث الذين يدعمان علاقات القرابة الأسرية، ونظام العائلة الذي يدعم التضامن بين ذوي القرابة الأسرية في المسئولية، أي أن القريب يتحمل عن قريبه أداء التعويض المستحق عليه إن عجز عن أدائه.... وهكذا.

د - وظائف وأدوار مؤسسات المجتمع الأهلي في الخبرة الإسلامية:

1 - بلورة اتجاهات الرأي العام وتقوية أواصر الترابط بين جماعاته:

إن أهمية هذه التعددية الاجتماعية لمؤسسات المجتمع الأهلي أنها من ناحية تبلور اتجاهات الرأي العام وتقوي أواصر الترابط بين الجماعات الفرعية في المجتمع، وتجعل ثمة إمكانية أكبر لتقدير اتجاهات الرأي العام وتوقع مساراتها وردود فعلها، وهذه النقطة ذات أهمية ليست قليلة في ترشيد عمليات الانتخاب السياسي للمجالس التشريعية، وفي حساب قوى التيارات السياسية والحزبية في المجتمع. قد أستطيع أن أخاطر بالقول: بأن الانتخابات السياسية التي عرفتها دولنا في ظل قوة هذه الجماعات الفرعية، كروابط الأسر والروابط الريفية، كانت أكثر رشدًا وأبعد في نتائجها عن المفاجآت غير المحسوبة وغير المتوقعة.

  1. - التخفيف من أعباء الإدارة المركزية والحد من سلطانها:

ومن جهة أخرى فإن هذه التعددية الاجتماعية لمؤسسات المجتمع الأهلي تقوم بشئون الإدارة الذاتية للجماعات الفرعية، وبذلك فهي تخفف عن عاتق الإدارة المركزية وسلطات الدولة المركزية الكثير من الأعباء التي تبهظها من حيث أعباء الإدارة وأعباء التمويل، وفي الوقت ذاته فهي تحد من إطلاق السلطات المركزية وتقلل من الميل الاستبدادي الطبيعي الذي نلحظه دائمًا لدى سلطات الدولة المركزية، لذلك كانت توجد قدرًا من التوازن بين مؤسسات الدولة والمجتمع. والاستبداد في تقديري هو خلل في التوازن الاجتماعي. والديمقراطية في أصل ضمان وجودها واستمرارها، وفي إمكانيات تحققها هي محصلة هذا التوازن الاجتماعي. وهو توازن يقوم بين سلطات الدولة المركزية بعضها وبعض، كما يقوم بين مؤسسات المجتمع الأهلي بعضها وبعض، وبينها وبين السلطات المركزية.

إن مؤسسات المجتمع الأهلي المعنية هنا كانت تعاني من العديد من السلبيات، وخاصة في بدايات العصر الحديث، وكان تنظيمها الداخلي تنظيمًا يعتمد على القيادة الفردية والعلاقات الشخصية، بما لم يكن قادرًا على التمشي مع متطلبات الأوضاع التي جدت مع بدايات القرن التاسع عشر، ولكن لم يكن ذلك يعني أن صلاح المجتمع يكون بالتخلص منها، إنما كان ثمة إمكان لإدخال قدر من الإصلاحات التنظيمية المناسبة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم