|
ومن القواعد التي تذكر هنا في مجال السياسة الشرعية: قاعدة (التدرج) في معالجة الأمور، ومواجهة المخاطر، وتنفيذ السياسات.
ومن المعلوم أن التدرج سنة كونية، وسنة شرعية. وأحوج الناس إلى استخدامها أهل السياسة الشرعية.
وقد رأينا الشارع الحكيم تدرج بالناس في فرض الفرائض، وفي تحريم المحرمات، ولم يأخذهم بها دفعة واحدة، مراعاة لهذه السنة أو هذه القاعدة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام الشاطبي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أنه حين تولى الخلافة، أخذ يرد الحقوق بأناة وحكمة، وهذا ما لم يعجب ابنه الشاب التقي المتحمس عبد الملك بن عمر، الذي قال له يوماً: يا أبت، ما لي أراك تتباطأ في إنفاذ الأمور؟! فوالله ما أبالي لو غلت بي وبك القدور في سبيل الله! فقال له أبوه الخليفة الفقيه البصير: يا بني لا تعجل، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، ثم حرمها في الثالثة. وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدعوه جملة، ويكون من وراء ذلك فتنة!
يعني أنه رضي الله عنه يريد أن يقود الناس إلى العدل والرشد خطوة خطوة، ويجرعهم الحق المر جرعة جرعة. وهذه هي السياسة الحكيمة، التي تراعي سنة التدرج في التغيير والإصلاح.
ب - ضرورة النظر في مآلات الأفعال ونتائجها:
ومن هنا نبه المحققون من العلماء ـ مثل الإمام الشاطبي ـ إلى ضرورة النظر في مآلات الأفعال قبل الإقدام عليها، أي إلى ما تنتجه من آثار، وما تخلفه من منافع أو مضار، وما ينشأ عن الإتيان بها أو تركها من مصالح أو مفاسد، قد تكون مضادة لشرعيتها أساسا.
يقول الإمام الشاطبي في (موافقاته): "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ [فقد يكون] مشروعاً لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تُدْرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه؛ وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية؛ وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد؛ إلا أنه عذب المذاق، جار على مقاصد الشريعة".
واستدل الشاطبي رحمه الله لهذه القاعدة الكبيرة بأدلة عامة مهمة لا مجال هنا لتفصيلها،ثم قال: "وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة".
أما في المسألة على الخصوص فكثير؛ فقد قال في الحديث حين أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه: "أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، وقوله: "لولا قومك حديثٌ عهدهُم بكفر لأسَّسْتُ البيت على قواعد إبراهيم". بمقتضى هذا أفتى مالك الأمير حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم، فقال: لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله. هذا معنى الكلام دون لفظه. وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بتركه حتى يُتِمَّ بوله وقال: "لا تُزْرِمُوه". وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفا من الانقطاع. وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعا لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة أو ممنوعا لكن يترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تَذَرَّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية لكن مآله غير مشروع. والأدلة الدالة على التوسعة في رفع الحرج كلها، فإن غالبها سماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرفق المشروع. ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها. قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة: "اختلف الناس بزعمهم فيها، وهي متفق عليها بين العلماء فافهموها وادخروها". كما بنى على هذه المسألة عدة قواعد، منها: قاعدة سد الذرائع، وقاعدة الحيل، وقادة الاستحسان وغيرها، فليرجع إليه.
وهذه القاعدة الشرعية المهمة (النظر في مآلات الأفعال) هي التي دعتنا إلى أن نطلب من الإخوة الأفغانيين من علماء حركة طالبان: أن ينظروا في نتائج إقدامهم على هدم تماثيل بوذا ومآلاتها عليهم وعلى دولتهم من ناحية، وعلى إخوانهم من الأقليات الإسلامية التي تعيش في مجتمعات بوذية، من ناحية أخرى.
إما عليهم وعلى دولتهم، فإن (الغرب) ـ وخصوصا أمريكا ـ قد ناصبهم العداء، فليس من الحكمة أن يسْتَعْدوا (الشرق) ويستفزوه بالأعمال التي تثيره عليهم. ولا سيما أن أتباع بوذا يعدون بالملايين.
وهم في حاجة إلى دول كبرى تساندهم ضد الغرب مثل الصين واليابان، فهم في حاجة إليها وإلى مساندتها سياسيا في مجلس الأمن والهيئات الدولية، وإلى مساندتها اقتصاديا لعلاج مشكلاتهم المزمنة، والنهوض ببلدهم زراعيا وصناعيا.
وأما على الأقليات من إخوانهم، فإن من المعلوم أن هناك أقليات لها وزنها وأهميتها تعيش في سريلانكا وتايلاند وبورما والصين والهند، وهناك إسلام ناشئ في كوريا واليابان وغيرهما، وكلها بلاد بوذية. ويُخْشَى على هذه الأقليات أن تُضَار وتُؤْذَى من جراء هذا العمل، ولا سيما من العوام والغوغاء، الذين قد يثيرهم بعض المتعصبين ضد المسلمين. وقد نشرت وكالات الأنباء: أن بعض هؤلاء أحرقوا المصحف انتقاما من المسلمين.
ولهذا يثير هذا القرار الخطير العالم الإنساني كله ضد إخوتنا في (طالبان) ويعتبر حركتهم خارج إطار العصر، ويقود حملة تشنيع عليهم، بالإضافة إلى الحملات القائمة بالفعل. والعاقل لا يفتح على نفسه باب شر يمكنه إغلاقه بشيء من الحكمة.
ومن هنا شرع الإسلام قاعدة سد الذرائع وذكر ابن القيم في بيان شرعيتها تسعة وتسعين مثالا على رعايتها وإعمالها، في كتابه الشهير: إعلام الموقعين. وقال تعالى في كتابه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) الأنعام: فنهى المسلمين عن سب الأصنام، حتى لا يرد عليهم المشركون بسَبِّ الله تبارك وتعالى.
ومن المعروف لدى أهل العلم: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، حفاظا على مشاعر القرشيين، الذين سينكرون ذلك، وهم حديثو عهد بالإسلام، فترك ذلك رعاية لخواطرهم.
وقرر العلماء لهذا وغيره من الأدلة: أن المنكر لا يزال إذا خشي من وراء إزالته فتنة أو منكر أكبر منه. وقد سكت سيدنا هارون ـ إلى حين ـ على عبادة قومه العجل، خشية أن يمزق شمل الجماعة، حتى يعود أخوه الأكبر، ويتصرفا في الأمر. ولما رجع موسى ووجد قومه قد عبدوا العجل الذهبي الذي صنعه لهم السامري، كان غضبان أسفا، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقال له: "ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري؟ قال: يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي"، طه:.
جـ - فقه الأولويات:
ومن قواعد السياسة الشرعية الحكيمة: بل من ركائز الفهم الصحيح للإسلام: مراعاة ما عبرنا عنه بـ (فقه الأولويات) بمعنى: أن نقدم الأهم على المهم، والمهم على غير المهم. فنقد المصالح الضرورية على المصالح الحاجية، ونقدم المصالح العاجلة على المصالح الآجلة، أو التي تحتمل التأجيل.
ولا يشك مطلع على أحوال أفغانستان أن هناك قضايا أهم وأخطر من هدم هذه التماثيل، التي لا يعبدها أحد في أفغانستان، والتي ورثها الأفغان من عهود ما قبل الإسلام، والتي سكت عليها المسلمون منذ عهد الفتح إلى اليوم.
ولدى حكومة طالبان من القضايا الخطيرة، والمشكلات الكبيرة، التي تتطلب الحل والعلاج الناجز: الكثير الكثير. فالأولى بها ثم أولى: أن تجعل أكبر همها في علاج هذه المشاكل، وتوفير الطعام لكل جائع، والكساء لكل عار، والإيواء لكل مشرد، والدواء لكل مريض، والعلم لكل عاطل، والتعليم لكل جاهل، والأمن لكل خائف، وأن تعمل على وقف نزيف الدماء الذي لا يزال يسيل إلى اليوم بين أبناء أفغانستان الحبيبة.
هذا ما أنصح به إخواننا المشايخ في حركة طالبان: أن يهتموا به اليوم، ويجعلوه شغلهم الشاغل، ويدعوا هذا الذي فكروا فيه أو قرروه، أو ـ على الأقل ـ يؤجلوه إلى وقت لاحق، يدعون فيه إلى مؤتمر علمي إسلامي عالمي، يمثل علماء الأمة، وهو الذي يقرر هذا الأمر الخطير، بدل أن يتحملوا مسؤوليته وحدهم.
أسأل الله أن ينير بصائرهم، ويهديهم إلى التي هي أقوم.
طالع بقية محاور الدراسة:
|