|
|
| وكيل احمد وزير خارجية طالبان اصر على موقفه رغم وساطة العلماء |
أ - فعل إبراهيم وموسى -عليهما السلام- في الأصنام:
وما استند إليه المشايخ في حركة طالبان: من تحطيم سيدنا إبراهيم للأوثان وجعلها جذاذاً، ومن تحريق سيدنا موسى لعجل السامري، نسفه في اليم نسفا، فمن المعلوم أن فعل الأنبياء ـ ولو كان فعل نبينا صلى الله عليه وسلم ـ لا يدل على الوجوب، إنما يدل على الجواز، وهم لا يكتفون بالقول بجواز الهدم، بل يقولون بوجوبه. إذ الجائز للمكلف أن يفعله وأن يتركه.
على أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما حطم أصناما يعبدها أهلها من دون الله، وقد حاجهم في ذلك وأفحمهم في قوله تعالى: "قال: أتعبدون ما تنحتون. والله خلقكم وما تعملون"، (الصافات: 95).
ومع هذا لم يحكم كل الأصنام، بل استبقى كبيرهم لمصلحة قدرها، وهو استخدامه في مجادلتهم حجة: "قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون" (الأنبياء 63).
ومثل ذلك تحريق سيدنا موسى عليه السلام لعجل السامري، لأنه غدا صنما يعبده السامري ومن تبعه من بني إسرائيل الذي قالوا لسيدنا هارون: "لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى" (طه: 91).
ولا أريد أن أعرض عنا للخلاف المعروف في قضية شرع من قبلنا أهو شرع لنا أم لا؟ لأني أرجح أنه شرع لنا ما لم يرد نسخ في شرعنا له.
ب - تحطيم النبي للأصنام يوم الفتح:
ومن أهم وأبرز ما استدل به الإخوة الأفغان، ومن انتصر لهم من العرب: تحطيم النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام التي كانت حول الكعبة، وكانت نحو ثلاثمائة وستين صنما كما قيل، وقد كان يضربها برمحه، وهو يقول: "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً"، (الإسراء:).
ولكن نلاحظ هنا جملة أمور:
الأول: أن هذه الأصنام كانت في المسجد الحرام، وحول الكعبة البيت الحرام، ولا يجوز أن يبقى في مسجد من مساجد المسلمين وثن يعبد، فكيف بأعظم مساجد الله، وبأول بيت وضع في الأرض للتوحيد؟
بخلاف التماثيل المذكورة، فهي ليست في مسجد من المساجد، بل هي منحوتة في الجبال، وليس حولها مساكن ولا أحد يعبدها.
الثاني: أن جزيرة العرب لها شأن خاص، حيث يريد الله تعالى أن تكون معقلا للإسلام ولتوحيد الله في الأرض، ولهذا نهى أن يكون بها دينان، وكان لها وضع خاص في الإسلام، ولا سيما الحجاز منها، وعلى الأخص مكة المكرمة، والمسجد الحرام.
الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كسر الأصنام يوم فتح مكة، حين مكن الله له في الأرض، وأصبح سيد الجزيرة بلا منازع، فلا خوف من فتنة، ولا خشية من أذى.
ولهذا رأيناه قبل الفتح بعام واحد ـ العام السابع للهجرة ـ يدخل هو أصحابه مكة معتمرين (عمرة القضاء) والأصنام حول الكعبة قائمة لم يمسها بسوء، لأن الأمر لم يكن قد اكتمل له، فصبر على ذلك حتى عام الفتح.
جـ - حديث طمس التماثيل وتسوية القبور:
ومن الطريف الذي يذكر هنا: أن بعض العلماء الأفغان قد استدل بالحديث الذي رواه مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي أن عليا رضي الله عنه قال له: أبعثك لي ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته".
قال: ونحن ننفذ وصية النبي لعلي، ووصية علي لأبي الهياج: ألا ندع تمثالاً إلا طمسناه.
قلت له: ولماذا تنفذون جزءاً من الوصية دون الآخر؟ لماذا لا تنفذون الشق الآخر من الوصية، وتهدمون القبور المشرفة: الأضرحة والمزارات وغيرها، وهي موجودة ومعروفة في أفغانستان وغيرها من بلاد الإسلام؟
قال العالم الأفغاني: اعتراضك صحيح، ولكنا لم نستطع تنفيذ هذا الجزء من الحديث أو هذا الشق من الوصية النبوية؛ لأننا لو أقدمنا على ذلك لأشعلنا فتنة لا يعلم مداها ونتائجها إلا الله، لأن عوام المسلمين سيثورون علينا، يؤيدهم شيوخ وأشباه شيوخ من دعاة البدع، ومروجي الضلالة، فاتقاء لهذه الفتن سكتنا عن هذا الشق من الأمر النبوي.
قلت له: هذا الرد منك حجة عليكم، لأنكم سكتم على إبقاء ما أمر الحديث النبوي بإزالته، خشية الفتنة المحلية، وهي خشية لها اعتبارها شرعا، ولكن يجب أن توضع في الاعتبار الخشية من الفتنة العالمية وما يمكن من هياج العالم عليكم، واعتباركم أناسا متعصبين، وأنكم معادون للحضارات والثقافات الأخرى. وقد يطالبون بمحاكمتكم، وحصاركم، وقد.. وقد.. وهذه كلها مفاسد ومضار يجب أن تتوقى شرعا، كما تقرر القاعدة الشرعية التي تقول: الضرر يدفع بقدر الإمكان.
على أن حديث علي رضي الله عنه إنما أمر بـ (طمس التماثيل) أي تشويه معالمها، ولم يأمره بهدمها تماما. وقد كان في دوس صنم يسمى (ذو الخُلُصة) وبعث النبي صلى الله عليه وسلم من يقضي عليه، وكان (بيتا) يسمونه (الكعبة اليمانية) فعاد الصحابي المكلف بالإزالة، وقال: تركته يا رسول الله كالجمل الأجرب!
ومعنى هذا: أنه لم يهدمه تماما، بل اكتفى بطمسه وتشويهه وهذا ما نرى أنه كان قد تم بفعل بعض المسلمين الأفغانيين في العصور الماضية، فإن وجه التمثال مطموس من فوق، ومكسور من تحت. وبهذا يتحقق ما أمر به الحديث النبوي من الطمس.
وفي بعض الأحاديث: أن جبريل امتنع من دخول بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه وجد فيه تمثالا، فلم يدخل، حتى أمر الرسول الكريم برأس التمثال فقطع. وهذا يدلنا على أن الإزالة كاملة ليست ضرورية.
طالع بقية محاور الدراسة:
|