|
|
| صحفيون يصورون التماثيل الفخارية المحطمه داخل متحف كابل |
للإسلام حكم معروف في (إقامة التماثيل) أو صنع (الصور المجسمة) وهو التحريم، الذي صحت به أحاديث نبوية كثرت واستفاضت واتفق عليها علماء الأمة السابقون ولا سيما الصور المعبودة من دون الله. وإن اختلفوا في الصور غير المجسمة: أي لا ظل لها حسب تعبيرهم.
وهذا كله في (التماثيل) التي يصنعها المسلمون ـ أو ُتصنع لهم ـ بعد أن مَنَّ الله عليهم بالإسلام، وعرفوا منه الحلال من الحرام.
أما التماثيل التي صنعها الأقدمون قبل الإسلام، فهي تمثل تراثا تاريخيا، ومادة حية من مواد التاريخ لكل أمة. فلا يجب تدميرها وتحطيمها، باعتبار أنها محرمات أو منكرات يجب تغييرها باليد. بل هي دلالة على نعمة الله تعالى على الأمة التي هداها للإسلام، وحررها من عبادة الأصنام، التي وقع فيها آباؤهم الأقدمون.
ومن الدلائل على عدم وجوب هدمها: أن المسلمين قد فتحوا أفغانستان منذ القرن الأول الهجري، وكانت فيها هذه الأصنام، ولم يفكروا في إزالتها وتدميرها، وهم خير قرون الأمة من الناحية الدينية، كما كانوا أعظم قوة عسكرية في العالم يومئذ، ومع ذلك وسعهم السكوت على هذه المخلفات الأثرية القديمة. فقد كان المهم عندهم هو تحرير العقول والأنفس من عبادة غير الله تعالى.
وكذلك فتح المسلمون مصر في عهد عمر بن الخطاب، وفيها معابد وآثار وصور شتى، في الجيزة وفي الأقصر والكرنك وغيرها، فلم يشغل عمرو بن العاص ومن معه من الصحابة أمثال الزبير بن العوام وعبادة بن الصامت أنفسهم بإزالة آثار الوثنية المصرية في المعابد، بل اتجهوا إلى تحرير البشر أولاً، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ولا يكاد يخلو بلد فتحه المسلمون من بلاد الحضارات القديمة ـ في فارس والعراق والشام ـ من وجود آثار جاهلية في معابده وقصوره التاريخية. ومع هذا لم يهتم المسلمون الفاتحون ـ وهم خير منا اليوم ـ بمحوها وإزالتها، كما يفكر بعض المسلمين اليوم.
وإنما يطلب هدم هذه التماثيل وأشباهها إذا كان من ورائها فتنة دينية يخاف شرها على عقيدة أبناء الأمة. فالواجب حماية الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
فلو كانت هذه التماثيل في أفغانستان أو غيرها من بلاد المسلمين تُشَكِّل خطرا عليهم في عقيدتهم، ويخشى أن تفتن الناس عن عقيدة التوحيد، وتردهم إلى الوثنية القديمة التي حررهم الإسلام منها، لقلنا: يجب هدم هذه التماثيل وإزالتها، حفاظا على عقيدة الأمة وتوحيدها.
ولكن من المؤكد: أن المسلمين اليوم في أفغانستان لا ينظرون إلى هذه التماثيل إلا أنها من آثار إبداع الأقدمين في فن النحت ونبوغهم فيه.
كما ينظر المصري المسلم إلى تمثال رمسيس المنصوب في قلب القاهرة إلى أنه مجرد أثر من آثار الحضارة الفرعونية القديمة، التي تفننت في صناعة التماثيل، كما تفننت في علم التحنيط، وفي بناء الأهرام، وغيرها، ولا أحسب أن هناك مصريا واحدا ينظر إلى هذا التمثال وغيره في الجيزة أو الأقصر أو الكرنك أو غيرها نظرة فيها رائحة للعبادة أو التقديس.
وقد ناقشنا أحد العلماء في حركة طالبان، ممن كان متحمسا لتحطيم كل التماثيل. بدعوى أن كل تمثال إنما هو صنم.
وقلنا له: إن الصنم هو ما يعبده الناس بالفعل، أو ما أعد ليعبد. وكثير من التماثيل إنما يعدها الناس تحفاً ولا يخطر ببالها تقديسها أو عبادتها.
وليس أدل على ذلك من قوله تعالى في شأن جِنِّ سليمان عليه السلام: "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدور راسيات، اعملوا آل داود شكرا، وقليل من عبادي الشكور" (سبأ: 13).
ولا يتصور أن يعمل الجن لسليمان أصناماً، ويذكرها الله في القرآن في معرض الامتنان على آل داود.
ولهذا نصحت إخواننا في حركة طالبان أن يراجعوا أنفسهم في هذا القرار الذي اتخذوه، لعِظَم خطره، وبُعْد أثره من عدة نواح، أهمها ناحيتان:
الأولى: أنه يتضمن الإنكار على من سبقهم من المسلمين في أفغانستان من عصر الفتح الإسلامي إلى اليوم، وقد كان فيهم العلماء الربانيون، والرجال الصادقون، ولم يزيلوا هذه الأشياء التي يريدون إزالتها اليوم، وقد كانت موجودة من غير شك.
الثانية: أن العالم يعتبر هذه الآثار القديمة من الكنوز البشرية النفيسة، التي لا تقدر قيمتها، ولا بمليارات الدولارات. كما يعتبرها ملكا للبشرية جمعاء. ولهذا تسارع منظمة اليونسكو بالإسهام في إنفاذ ما يتعرض منها لخطر التلف أو الغرق، أو عوامل طبيعية، أو غير ذلك، حماية للتراث الحضاري الإنساني.
|