|
مهرجان وحدث فني كبير ينتظره الفنانون والمختصون بالفن التشكيلي بكافة صوره وتنويعاته؛ حيث يُقام كل عامين تقريبًا بمدينة القاهرة، وهو بينالي القاهرة للفنون التشكيلية، والذي انتهت دورته الحادية والعشرون الأسبوع الماضي.
وكعادتي - وبصفتي محبة ومتابعة للحركة التشكيلية وتطوراتها - سعيت إلى هذه الاحتفالية؛ لأتابع ما يحدث، وأرى ما قدّمته الدول المشاركة في هذه الدورة التي ضمّت أكثر من واحد وخمسين دولة مشاركة، ما بين دول عربية وأجنبية مختلفة.
منذ اللحظات الأولى لزيارتي تذكرت أخي عندما أراد شراء سيارة؛ لأنه طرح فكرة كانت جديدة وغريبة؛ حيث قال: إن كل ما يتمناه أن يكون شكل سيارته الخارجي متناسبًا مع الفراغ المحيط، ويُحْدِث معه تشكيلاً أيضا.
أثارت كلماته الجدل والنقاش إلى أن لمست معناها بنفسي عندما رأيت كل التكوينات والتجهيزات الفراغية في قاعات العرض، والتي طرحت على رأسي سؤالاً هامًا: "ما هو التوجه العام للبينالي هذا العام؟"، بل ما هو التوجه الجديد الذي فرض نفسه على الفن التشكيلي بشكل خاص؟!.. فمعظم أعمال البينالي هي تجهيزات في الفراغ (أي أعمال مكونة من عدة أجزاء تتشكل بعضها مع بعض، لا هي بالنحت، ولا بالتصوير، ولا باللوحات)، حرص على تنفيذها معظم الفنانين المشاركين من مختلف الدول، خاصة الأجنبية منها، وفرضت هذه الأعمال المركبة ذاتها على جو الفن التشكيلي؛ سواء النحت، أو التصوير، أو الحفر.
لقد طغت تلك الأعمال المركبة - وعلى سبيل المثال عروض الفيديو والمؤثرات الصوتية - على الأعمال التشكيلية، وبالطبع معظم تلك الأعمال مقدمة من دول أجنبية لا تعتبر عريقة في الفنون التشكيلية، بل ناشئة في هذا المجال. فهل كانوا يحاولون جميعا إنتاج سيارة جديدة لأخي تُحدث تشكيلاً في الفراغ، أم فراغًا في الفن؟!.
تشكّلت لجنة التحكيم هذا العام من أعضاء كلهم من دول أجنبية، ما عدا فنان مصري مهاجر إلى كندا منذ عشرات السنين، بالرغم من التواجد القوي الواضح لكثير من الدول العربية في هذا العام: "مصر – قطر – السعودية – البحرين – فلسطين – سوريا – السودان…".
وبالرغم من ندرة الأعمال التشكيلية الجادة التي توحي بعمق فكرتها ومجهود مؤديها، فإنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح؛ فما أن تدخل جناح دولة عريقة مثل إيطاليا، حتى تشعر بالفعل أن شيئا مختلفًا يكمن، وأنها ثقافة تشكيلية ورؤية بصرية تحترم مشاهديها وتنبض بجو فني رائع بالطبع، فهي إيطاليا، ونحمد الله أن تلك الموجة الغريبة من الفراغ لم تصبها؛ أقصد تجهيز الفراغ.
جناح آخر كان مفاجأة لي؛ لما يحتوي عليه من فن راق جميل، وهو جناح الهند التي تميزت بأعمال قيمة وثرية، بالرغم من عدم حصولها على أية جائزة.
كما قدم عدد كبير من الفنانين المصريين - والذين كان لهم حضور قوي هذا العام - عددًا من الأعمال؛ منها المركبة والتصوير والنحت والحفر، لكن غلبت على معظمها حالة التجهيزات الفراغية هذه، وبالرغم من هذا فقد كان لهم حظ وافر في الجوائز.
وكانت الجائزة الكبرى وقيمتها ما يعادل (40 ألف جنيه مصري) من نصيب العمل "ودن من طين وودن من عجين"، وهو للفنان المصري "معتز نصر الدين" (40 سنة)، المتخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والذي اتجه للفن وترك السياسية منذ 1994.
وقال الفنان معتز شارحًا عمله: إنه أراد التعبير عن مشاكل كل المصريين بلغة الشارع.. مجسدا في هذا العمل معاني السلبية واللامبالاة، وهي سلوكيات سائدة في حياتنا هذه الأيام.. فنحن نهرب من واقعنا؛ لنعيش في دنيا الأحلام والأوهام.. والعمل المقدم هو تجهيز في الفراغ، ويُركِّز على الجانب المرئي من خلال حائط طوله 4 أمتار وارتفاعه 4.9 أمتار، وأعد نماذج عديدة للأذن بألوان مختلفة؛ ليُوجِد نوعًا من الوجدان الفكري - على حد تعبير الفنان - إلى جانب عرض فيلم فيديو لنماذج عديدة من الأشخاص، ولسان حالهم يجسد معاني اللامبالاة في مواجهة الواقع.
وأخيرًا، هل جاء هذا العمل بجديد؟ إن تجنيد مئات الآذان على حائط يبلغ طوله 4 أمتار، وإدخال شريط فيديو على العمل ليفسر ما يعنيه الفنان، هو أسلوب لا يختلف كثيرًا عن الفيديو كليب في الأغاني.
وكانت جائزة البينالي وقيمتها (20 ألف جنيه مصري) من نصيب عمل مصري آخر، وهو تجهيز في الفراغ للفنان "مدحت شفيق" (الذي هاجر إلى إيطاليا)، والعمل مكون من جزأين: الأول عبارة عن رمال ناعمة ملقاة على الأرض، وُضع فوقها قطعة من القماش، وُزعت عليها مجموعة مربعات من ورق خاص مذهب من داخله، إلى جانب مجموعة من المربعات الورقية متدلية من سقف القاعة، وكل المربعات وضع فيها الفنان كميات من الصبغة بألوان مختلفة، والجزء المكمل للعمل عبارة عن مستطيل من قماش أبيض، يكاد يكون شفافًا، وفي القاعدة رمال ناعمة موزع عليها مجموعة من المربعات الورقية المذهبة من الداخل ويدخلها كمية (صبغة).
المعروف أن الفنان مدحت شفيق فاز مع مجموعة من الفنانين المصريين بجائزة أحسن جناح في بينالي فينسيا منذ عدة سنوات، جدير بالذكر أن اللغة التشكيلية لهذا العمل هي جزء من اللغة السائدة في المجتمع الأوربي.
جائزة لجنة التحكيم الأولى وقدرها (عشرة آلاف جنيه مصري)، وهي مقدمة من شركة آلكاتل، استحقتها الفنانة المصرية الشابة "ريم أحمد حسن"، عن عملها الذي يتكون من جزأين: الأول معلق على جدران القاعة مجموعة من الأعمال الجرافيكية، صورت فيها شخوصا من حياة المرأة والرجل، والأحداث التي يعاني منها الوطن العربي والفلسطيني، وهو بالأسود والأبيض، وأمام هذا العمل الجدراني ثلاثة أقفاص حديدية، داخلها قماش من التل الأبيض والأسود المرصع (باللولي الأبيض).
وهي تريد من خلال هذا العمل التعبير عما يدور داخل النفس البشرية من تفاعلات مع الأحداث الداخلية والخارجية، والبحث عن الحرية.
وعن الفكر المقدم في هذا العمل تقول الفنانة ريم حسن صاحبة العمل: "أنا أبحث عن الحرية البيضاء، بمعنى الحرية الحقيقة، وليست حرية ذات بريق زائف، هناك عصور كاملة تسببت في جروح غائرة لقلوب أوطان الشرق، وكم من الأوطان سعت لتحقيق تلك الحرية؛ فكان الحصاد شوكا؛ لذا نحن نطالب بحرية حقيقية تملأ القلوب".
والجائزة الثانية للجنة التحكيم، وقدرها 10 آلاف جنيه مصري، فاز بها الفنان السوري "يوسف عبدلكي"، ويعرض ثلاث لوحات من القطع الكبير في فرع الرسم، وهو العمل الوحيد التشكيلي، بعيدا عن تجهيزات الفراغ الذي حصل على جائزة في هذه الدورة.
وفي النهاية، لا بد أن نقول: إن مهرجان الفن التشكيلي المعروف بالبينالي هو مهرجان ننتظره دائما بفارغ الصبر، ونمني أنفسنا دائما بأننا سوف نشاهد طفرة قوية وأعمالاً متميزة تجمع الصفوة من فناني العالم في كافة فروع الفن التشكيلي، وسنظل ننتظر هذا الأمل في الدورات القادمة، بالرغم من خيبة الأمل التي أصابت معظم الفنانين والجمهور في هذه الدورة.
|