English

 

الأحد. يوليو. 6, 2003

ثقافة وفن » فنون تشكيلية

 

بيوت وشوارع فلسطين.. ألبوم لصور الشهداء!

سامي عكيلة

مجدي عمران
مجدي عمران
المتجول بشوارع فلسطين يخيل إليه للوهلة الأولى أنه يسير بين صفحات ألبوم لصور ورسوم الشهداء الفلسطينيين المزخرفة بعناية؛ فبالقرب من تقاطعات الطرق العامة تضطر للوقوف لفترات طويلة.. ليس بسبب إشارات المرور، ولكن إعجابًا باللافتات الضخمة المرسوم عليها صور الشهداء، والمصبوغة بألوان الدماء الحمراء.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه ليشمل جدران البيوت من الداخل، وزجاج السيارات، وخلفيات الحواسب، والهواتف الخلوية.. وكأنما ثمّة سر تحمله تلك الصور والرسوم للفلسطينيين، حاولنا كشفه في هذا التقرير وهذه الجولة بشوارع غزة.

ينابيع الجهاد

"مجدي العمراني" -22 عامًا، الطالب بقسم الإعلام، والذي اعتاد لصق صور الشهداء في غرفة نومه- يعتبر أن صورهم ينبوع يستمد منه الفخر والعزة لنفسه، ومؤنسه الوحيد في خلوته، ويمده بالراحة النفسية.

ويقول العمراني: "صور الشهداء أمام عينيَّ تنشط ذاكرتي كفلسطيني بجهاد شعبي وتضحيات رجاله، كما تحول دون نسيان الشهداء بالأكرم والأعز بين أبناء الشعب الفلسطيني".

ويضيف: "صور الشهداء تعمل على تحريك الشعور لدى الشباب الفلسطيني، وتدفعه لمواصلة الجهاد واقتفاء آثارهم العطرة"، على حد وصفه.

لذلك يؤكد العمراني أنه قبيل خلوده للنوم يتأمل صور الشهداء من حوله في غرفته إلى أن يباغته النوم؛ حيث يشعر وكأنه يعيش معهم في عالمهم الغيبي. ويشير إلى أن لصقه لصور الشهداء على جدران غرفة نومه أورثها طابعًا جماليًّا فريدًا؛ فخير ما يزين به المرء غرفته هو صور الشهداء المزخرفة والمفعمة بالحركة المستمدة من التصميم الفني الرائع لها، على حد تعبيره.

وعن صور الشهداء المصممة كخلفية لحاسوبه وجواله يؤكد العمراني أنها تشحذ همته للعمل والدراسة، وتملؤه نشاطًا وحيوية، مشيرًا إلى أن اللوحة الفنية التي تتمركز عند نهاية شارع الحي الذي يقطنه تعطيه إحساسًا بالقوة حينما ينظر إليها عند ذهابه إلى الجامعة في الصباح الباكر، وكذلك عند عودته منها.

ولا يخفي العمراني بعض المشكلات التي يخلفها له حبه العميق للصق الصور، وأهمها إصرار أمه الشديد على تمزيقها عند كل مرة تسمع فيها عن أنباء اجتياح قريب.

الصور تتحدث

والدة الشهيد العابد بين صور الشهداء

بيوت الفلسطينيين بمجملها تكسو جدرانها صور ورسوم الشهداء، ولكن بيوت الشهداء على وجه الخصوص تحظى بدرجة كبرى من الاهتمام والرعاية بهذه الصور والرسوم.. هذا ما أكدته زيارتنا لبيت الشهيد محمود العابد الذي أينما وليت وجهك بداخله ترَ صور الشهداء أمامك مصطفة بعناية وبطريقة فنية تلفت الانتباه.

تقول والدة الشهيد محمود العابد -54 عامًا-: "لم أهتم بلصق صور وبوسترات الشهداء إلا بعد استشهاد ابني محمود؛ حيث قمت بلصق صورته، ومن بعدها تابعت لصق صور باقي الشهداء إلى أن امتلأت جدران البيت كافة؛ غرفة الضيوف والمطبخ والنوم والممرات، فلم يَعُد يتبقى غير سقف البيت لألصق عليه صور الشهداء".

وتؤكد أم محمود أنها عندما تنظر إلى صور ابنها الشهيد من حولها يهيأ لها وكأنه يكلمها ويسألها عن حالها، مشيرة إلى أن صور الشهداء المصفوفة من حولها توحي لها بالطمأنينة والأنس. وهي ترى أن تلك الصور الملتفة حول جدران بيتها باتت جزءا من حياتها، ولا تتصور القدرة على العيش بدونها. رغم أنها (الصور) كانت في بداية عهدها بها مصدرًا للألم والحزن لها، ولكنها تستدرك فتقول: "ولكن مع مضي الوقت أصبحت لا أستغني عنها فمن خلالها أستمد الصبر والثبات".

وتصف أم الشهيد علاقتها بالصورة، فتقول: "قبيل نومي أتجه ببصري صوب صورة الشهيد ابني محمود، وبعد أن أدعو بدعاء النوم أبارك له شهادته، وأهدي له الفاتحة ثم أخلد للنوم.."، وتضيف: "كثيرًا ما يصيبني الأرق فأجلس لساعات طوال أتأمل صور الشهداء من حولي التي تعزيني في مصابي، وتشعرني بمصاب غيري من أهالي الشهداء، وتمنحني يقينًا بأنني لست الثكلى الوحيدة في فلسطين، بل هناك العديدات من نساء فلسطين ثكالى يبكين فراق أبنائهن".

من طقوس تشييع الشهداء

مطابع فلسطين منذ مطلع انتفاضة الأقصى 29-9-2000 شهدت إقبالا شديدًا من قبل التنظيمات الفلسطينية لعمل المطبوعات التي من خلالها يبرزون ملامح وصور شهدائهم، لا سيما أنها باتت مؤخرًا أحد أهم مراسم عزاء الشهيد.

أسامة صلاح -22 عامًا، يعمل مديرًا إداريًّا ومخرجًا فنيًّا في إحدى مطابع غزة- يقول: "مطبعتنا كباقي المطابع في فلسطين شهدت إقبالا متزايدًا من جماهير شعبنا منذ اشتعال أحداث انتفاضة الأقصى نظرًا للسقوط اليومي للشهداء؛ الأمر الذي دفع التنظيمات والأسر الفلسطينية إلى عمل البوسترات والكتيبات والملصقات والبطاقات التي من خلالها يلقون الضوء على حياة الشهيد، ويثبتون دعمهم وحبهم للشهيد".

ويشير صلاح إلى أنه مع مرور الوقت واستمرار الانتفاضة اشتدت الرغبة عند الفلسطينيين لعمل "البوسترات"، مضيفًا أنها باتت مرسمًا لا يمكن إغفاله في عزاء الشهيد.

وأوضح أن الشعب الفلسطيني يعتبر "بوسترات" الشهيد مقياسًا لمدى اهتمام التنظيم بالشهيد، مؤكدًا أن أسرة الشهيد تنظر لها باهتمام وحساسية بالغة.

عالم خاص

وعن عمله كمصمم فني لمطبوعات الشهداء، يؤكد صلاح أنه عند تصميمه لصور و"بوسترات" الشهداء يحاول جاهدًا إخراجها بأبهى صورة تكريمًا منه وتقديرًا للشهداء، مضيفًا أنه يمضي أوقاتًا طويلة في إخراج بوستر الشهيد حتى لا يُنقص من حقه شيئًا.

ويرى صلاح أن المصمم الفني في المطابع الفلسطينية يجب أن يتمتع بحضور ذهني خلاق يمكنه من رؤية ملمح وعنصر تميز في حياة الشهيد يضع على أساسه تصميمًا جيدًا لا بد أن تتحقق فيه الخصوصية، ولا يقع في رتابة التكرار، خاصة مع تزايد أعداد الشهداء يوميًّا؛ فيقول: "قبل أن أعهد بتصميم بوستر الشهيد أعمل على الإلمام بقصة الشهيد حتى أقوم بإبراز ملامح شخصيته من خلال التصميم؛ لذا فأنا أسخر كافة جوارحي لإخراج بوستر الشهيد بشكل فني جديد يبتعد عن النمطية التي تسود بوسترات الشهداء".

ويذكر صلاح أن ملصقات الشهداء عادة ما تحتوي على عناصر أساسية لا يمكن تجاهلها، ويجملها في أربعة عناصر هي رمز الانتفاضة: المسجد الأقصى، وصورة الشهيد الشخصية، وشعار الحركة، وبيانات الشهيد.

وينوِّه صلاح إلى أن معظم المصممين والمطابع لا يعولون كثيرًا على العائد المادي من مطبوعات الشهداء؛ لأنها مصدر غير دائم، نافيًا ما يشاع عنهم من أنهم يعتبرون الشهداء ومتعلقاتهم مصدرًا رئيسيًّا للدخل أو الربح.

تأثير السحر

من شوارع غزة 

وإذا كانت الصور قادرة على التعبير الحقيقي عن الواقع؛ فإن الرسم الفني لديه القدرة على التعبير المجازي، ويتفوق بتأثيره السحري على الإنسان، خاصة حين يكون مدعمًا بالأشكال الفنية المعبرة.

"أبو وسام" -33 عامًا، أحد أشهر رسامي صور الشهداء في الأراضي المحتلة، والذي ظهرت بصماته على معظم لوحات الشهداء الفنية المتمركزة عند تقاطعات الطرق في فلسطين- يقول: "صور الشهداء لا تحتوي على قيمة فنية عالية، في حين أن اللوحات الفنية ذات تأثير أعمق، وقيمة فنية عالية يستطيع الفنان من خلالها إدخال كافة أفكاره وإبداعاته في ملامح شخصية الشهيد".

ويشير أبو وسام إلى أن الرسومات الفنية تحوز على إعجاب أهالي الشهداء، مؤكدًا أن هذا الإعجاب دفع التنظيمات للإقبال على رسم الشهداء لنيل رضى أهالي الشهداء، وتأييد جماهير الشعب الفلسطيني؛ فيقول: "التنظيمات الفلسطينية تعمل على وضع اللافتات المرسوم عليها صور الشهداء عند مفترقات الطرق مطلقين على المفترق اسم الشهيد، وذلك تكريمًا للشهيد من ناحية، وتثبيتًا لدعائم التنظيم في قلوب الفلسطينيين من ناحية أخرى".

ويرى أن رسوم الشهداء لديها القدرة على رفع معنويات أهالي الشهداء لما تحمله من رموز وتعبيرات فنية تدل على مدى الاهتمام والعناية، مشددًا على أنها من أفضل وسائل التضامن الاجتماعي بين أبناء الشعب الفلسطيني. كما يؤكد على ما توجده رسوم الشهداء من منافسة شديدة بين التنظيمات على اغتنام المساحات الواسعة في الشوارع لعرضها؛ فتنعكس على مظهر وأناقة شوارع فلسطين.

جهاد الألوان

ويعتبر أبو وسام أن ما يقوم به من أعمال فنية هو من باب المشاركة الشخصية مع أبناء شعبه في جهادهم وانتفاضتهم، مشيرًا إلى أنه من خلال رسوم الشهداء يعبر عن ذاته وأفكاره حيال ما يدور من أحداث حوله.

ويتابع بقوله: "إن من أهم ما يميز اللوحات والرسوم الفنية عن الصور هو ما يدخل اللوحة الفنية من تعبيرات وإشارات تدعم شخصية الشهيد، وهذا يختلف من لوحة لأخرى تبعًا لطبيعة الشهيد ودوره الجهادي؛ فالشهيد العسكري تدعم لوحته بصورة النيران والدبابات المدمرة والأسلاك الشائكة، في حين أن الشهيد المدني تدعم لوحته بالدماء والدموع وعلامات الغدر...".

أبو وسام يؤكد أنه يقوم برسم صورة الشهيد بقلبه قبل ريشته، مضيفًا أنه لا يألو جهدًا في نقل ملامح الشهيد بكل إخلاص ودقة، ويعتبر أبو وسام عمله هذا من باب الجهاد في سبيل الله، مشددًا على أنه يتقاضى أقل من 50% من سعر اللوحة الفنية الأصلي، وفي بعض الأحيان لا يتقاضى عليها أجرًا.

وسائل تقليدية

الدكتور جواد الدلو -أستاذ الإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة- يرى أن الفصائل الفلسطينية لجأت إلى استخدام الملصقات والبوسترات التي يصفها بالتقليدية؛ لأنها تجد من خلالها المساحة الواسعة للتعبير عن سياساتها وأهدافها، خاصة بعد أن صارت وسائل إعلامها الخاصة لمخاطبة الشارع الفلسطيني، منوهًا إلى أن البوسترات وملصقات الشهداء إحدى أهم هذه الوسائل، وأكثرها انتشارًا في الشارع والبيت الفلسطيني، خاصة منذ انتفاضة الأقصى التي شهدت انتشارًا واسعًا لهذه الوسائل التقليدية، بعد أن صارت الأكثر قدرة على إبراز صور الشهداء والاستشهاديين التي تحوز إعجاب وتقدير المجتمع الفلسطيني، وبصفة خاصة فئة الشباب أكثر الفئات احترامًا لهذه الصور واحتفاظًا بها تكريمًا وافتخارًا بالشهداء.

ويلاحظ الدلو أن التنظيمات الفلسطينية تعمل على حشد كافة العناصر الطبوغرافية (الصور والألوان والأشكال)؛ لإظهار قوة وشجاعة شهدائها للجماهير الفلسطينية، موضحًا أن مضامينها غالبًا ما تميل إلى الإثارة والحماسة تحفيزًا للشباب الفلسطيني للسير على دربهم.

الدلو يشير إلى أهمية كل هذه الوسائل في الدعاية وفي التوثيق أيضًا، ولكنه يرى أن اللوحات الفنية المرسوم عليها صور الشهداء أكثر قيمة وبقاء من الصور والبوسترات التي تلصق على الجدران، والتي تصبح عرضة لعوامل الجو والطبيعة، ويرى أن الإغراق الكبير في استعمالها يستدعي تدخل البلديات لوضع قواعد لتنظيم ظاهرة انتشار صور ورسوم الشهداء في الشارع الفلسطيني الذي بات يشهد تكدسًا وعشوائية ربما تخلّ مستقبلا بجمال وجلال المشهد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم