English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

"باتريوت".. سينما الغربان الأمريكية!

Image
استحلاها "ميل جبسون"، أفلام الحركة والتاريخ والمعارك، لكن ليست كل مرة تسلم الجرة، فقد وقعت وانداحت فانكسرت، وذهب ماؤها، وجلس "غراب البين" ينعق على أطلال عين زالت…، كذلك فعل في فيلمه الجديد المناضل The patriot.

وتاريخنا مع الاحتلال الإنجليزي أسود، ومع الاحتلال الفرنسي طين، أما حاضرنا مع النفوذ الأمريكي فهو جماع السوءتين، ومع ذلك يضعنا "باتريوت" منذ اللحظة الأولى في قلب هذا الصراع بين القوى الثلاث: الإنجليز من ناحية، والأمريكان، والفرنساويين من ناحية ثانية، وعلينا من البداية أن نتبنى موقف "الطيبين" الأمريكان، ميل جبسون "بنجامين مارتن" رب العائلة الكبيرة المكونة منه وسبعة أطفال يرعون في مزرعة بالجنوب الأمريكي الخصب، ماتت زوجته منذ قليل، وعليه أن يحافظ على عائلته ويربي أولاده، ويفلح مزرعته رغم تاريخه العسكري السابق، يرفض "مارتن" أن يتورط في الحرب الدائرة – نهاية القرن 18 الميلادي - بين الجيش القاري الأمريكي المنطلق من جنوب الولايات المتحدة، وقوات المملكة البريطانية التي تسعى لتأديب المواطنين وفرض هيمنتها على مستعمرتها الأمريكية…

وحشية الإنجليز تصل لبيت "بنجامين مارتن"، وتقتل ابنه، هكذا يتورط في القتال لينتقم لابنه، ويعود لمجده السابق، فيجمع "شذاذ الآفاق" من المقاتلين السابقين والسكارى الحاليين، ليكون "ميليشيا" تفعل بالجيش البريطاني الأفاعيل، ويشتهر "مارتن" بأنه الشبح.

على مدى ثلاث ساعات تقريبًا يدخل بنا المخرج "رولاند إيمريش" الألماني الأصل لساحات المعركة، وميدان الكر والفر، والموضوع في كل مشهد واحد لا يتغير، البريطانيون المتوحشون، والوطنيون المناضلون الأمريكيون يدافعون عن أرضهم وعائلاتهم، ونحن نتفرج ونصدق وننفعل ونتفاعل، وننزعج من الدمار الذي يصيب الأرض "الطيبة" والنار التي تنهش المزارع المثمرة، ورغم قدرات إيمريش الإخراجية في هذا النوع من الأفلام – فهو الذي أخرج جودزيللا وستارجيت - إلا أن الموضوع المكرر جعل الفيلم وكأنه سبق رؤيته.

المفارقة في الأمر أن ميل جبسون الأسترالي الأصل ورولاند إميريش الألماني الأصل، وبعض آخر من نجوم الفيلم من أصول متنوعة، هم الذين يصنعون للولايات الأمريكية تاريخًا مفتعلاً، فنحن نصدق أن الأمريكان أصحاب أرض 

بالفعل، وننسى أن الأصل في أمريكا مجموعة من المرتزقة واللصوص، تخلصت منهم الإمبراطوريات الأوروبية، فألقت بهم خلف المحيط ليعيثوا فسادًا في الأرض الجديدة، ويقتلوا أهلها الأصليين، الذين يسمونهم الهنود الحمر، وما زالت روح الغزو تلك مسيطرة على العقلية الأمريكية حتى الآن!

أثار الفيلم ومنطقه هذا مشكلة سياسية؛ حيث اعترضت الخارجية البريطانية على تصوير الإنجليز بهذه الوحشية، وقال البعض: إن الأحداث كلها تلفيق لا تَمُتُّ للتاريخ بصلة، وإن تزييف التاريخ لصناعة واقع أمريكي أمر غير أخلاقي، ومع هذا حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا لأنه جيد الصنع، ولأن بطله ميل جبسون أحد ألمع وأهم نجوم هوليوود.

في القلب الشجاع brave heart كان ميل جبسون والفيلم كبيضة الديك، حدثًا نادرًا في السينما الغربية، فالبطل في الفيلم يدافع عن قضية حقيقية، وهو مثل كل البشر يحلم ويتألم ويموت، أما في باتريوت فالبطل هو النموذج الأمريكي المعتاد، نجم دائمًا.. لا تهزمه الأزمات حتى لو كانت موت أكبر اثنين من أولاده، لا يدخل معركة إلا وكسبها بالعقل والحيلة والقوة، أيضًا فهو استعراض الرجل الواحد One man show، النموذج الذي يقدم لنحتذيه ونقتدي!

في باتريوت أيضًا تبرير للقتل والعنف والدماء تحت غلاف الأرض والوطن، فتاريخ "بنجامين مارتن" ليس ناصع البياض، فهو بطل مذبحة مثَّل فيها بأشلاء القتلى الفرنسيين، ومع ذلك – لمَّا مرت السنون وتشابكت المصالح - تحالف الفرنسيون معه ضد الإنجليز، فلا مبدأ ثابت إنما هي المصلحة حتى لو كانت الغربان التي تنعق على جثث القتلى في المعركة مع الفرنسيين هي نفسها الغربان التي تنعق في المعركة مع الإنجليز، لا يهم نعيق الغربان المهم من يكسب الحرب!.

الجيش النظامي القاري الأمريكي كان بحاجة لحوالي ستة أشهر حتى يصل إلى المدد الفرنسي ويواجه السطوة الإنجليزية على أرض المستعمرة الأمريكية، فجمع "بنجامين مارتن" أسوأ من في المدينة وأعتاهم إجرامًا؛ ليُكَوِّن منهم ميليشيا غير نظامية تناوش جيش الإنجليز؛ فتنجح في ذلك حتى وصل المدد وانتصر الأمريكان وصفق جمهور السينما!!، وهو نفس المنطق الكامن في السينما الغربية على وجه العموم، أسوأ من في المدينة ربما يكونون أفضلها، تمامًا مثل سلاحف النينجا التي تعيش في مجاري الصرف، ومع ذلك فهي دائمًا التي تحرس المدينة وتطرد الأشرار!!، إنها فكرة الجمال القبيح، والقبح الجميل، حيث كل شيء نسبي ولا ثوابت، فعدوك قد يحمل شيئًا مفيدًا، فلا تعاديه لغاية المدى... والحاذق يفهم!.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم