English

 

الاثنين. مارس. 19, 2001

ثقافة وفن » مجاهيل ومشاهير » اجتماعية

 

عصمت هانم.. أم المجاهدين

كثيرًا ما نتساءل كيف تصبح المرأة أم شهيد؟ كيف قامت بتنشئته؟ ماذا كان إحساسها عند سماع خبر شهادته؟.  

هذه الأسئلة وغيرها تتبادر إلى الذهن عند ما نسمع عن شهيد تعيش أمه على قيد الحياة، إنها قصة سيدة كان لها من الأبناء أربعة: ثلاثة ذكور وأنثى واحدة، والثلاثة ماتوا في حياتها: الأول: "طارق" وتوفي وعمره سنتان؛ لأنه كان يعاني من ثقب في القلب. والثاني: "عاصم حمودة" الشهيد الذي قام بأعمال رائعة في حرب أكتوبر وهو يدافع عن مدينة السويس التي استطاع أن يصل إليها العدو. والثالث: "هشام" الذي مات أيضًا في حرب 73 إثر حادث تعرض له أدى إلى نزيف بالمخ. كانت المدة الزمنية بين استشهاد ابنيها في الحرب حوالي 3 أسابيع؛ فمن هي هذه الأم؟ وكيف صمدت واستطاعت أن تثبت ؟.

"الإيمان".. هكذا قالت لي، علمت أن ربي لم يرد أن يكون لي أبناء على قيد الحياة. عندما مات طارق كنت صغيرة وتحمّلت، وعند سماع خبر موت عاصم اعتقدت أن "العدو" قتله وهو في القسم.. فقد كان ضابط شرطة، ظننت أنه لم يقاوم " ومات كدة " على حد قولها أي بدون مقاومة او دفاع، ولكن عندما علمت ما قام به من أعمال وكيف حرر قسم شرطة الأربعين بالسويس، وأنه استشهد برصاصة غادرة من جنود العدو ساعتها وساعتها  فقط أحسست أن ربي أطفأ ما بي من نار وأثلج صدري.

نعم، هذا ابني، أنا أم الشهيد، أيامها لم نرتد السواد، ولم نقدم للمعزين "القهوة السادة"، كما هو متبع في مراسم العزاء بمصر، ولكن قدمنا الشربات، وقام "ممدوح سالم" رئيس الوزراء وقتها بلقائي ووالده، وأخذ يحكي لنا ما قام به عاصم من أعمال أدت إلى تراجع العدو بدباباته ولم يدخل المدينة.

تعبت بعد موت عاصم وهشام، ولكن بالإيمان وبمساندة والدهم لي مرت الأيام، أنا لم أنسهم، ولكن الله رزقني الصبر، وبقيت لي ابنتي عزة، ربنا يحميها، وهي الآن لها اثنان من الأبناء ،أحدهما "وليد" وهو يشبه خاله عاصم جدًا، وأميرة وهي متزوجة.

رحلة العمر

 
 
هي عصمت هانم إبراهيم حمودة.. ولدت في المحلة الكبرى سنة 13/10/1918، والأصل من الشرقية، إلا أن والدها كان ناظرًا لمدرسة في مدينة المحلة وأمها كانت تركية الأصل، تحكي عصمت هانم: حياتي كانت بسيطة، تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وزوجي متخرج في الكلية نفسها وهو ابن عمي.. تزوجنا وأنجبت أبناءنا، وعملت لفترة في السفارة البريطانية كمترجمة، ولكن تركت عملي بها سنة 52 تعاطفا مع عمليات المقاومة، خاصة وأن أخوتي كانوا في المقاومة الشعبية بالقناة؛ فلم أستطع أن أتحمل أكثر من ذلك واستقلت.

كنت أريد أن أعمل بالتدريس وأيامها كان استعد للدراسة التربية ؛ فالمؤهل ليس كافيًا ولكن زوجي اقترح عليّ ألا أفعل فتراجعت وجلست في البيت، وساعدت زوجي فيما كان يقوم به من أعمال ترجمة لكتب عالمية؛ فهو من قام بترجمة باب الأدب في الموسوعة الذهبية، وكان يطلب مني أن أراجع الترجمة التي يقوم بها وأن أقول له ملاحظاتي.

كنا نجلس جميعا في غرفة المعيشة، وكان والدهم يرفض أن نجلس هكذا دون أن نفعل شيئا جديدا وشيقا، فمرة يقوم بتوزيع الأدوار علينا لنقوم بتمثيل مسرحية في البيت، وأحيانا أخرى يقوم بتلقين الشعر لأحد من الأولاد ليقوم بإلقائه علينا بعد ذلك.. كل يوم حاجة جديدة تطرح لنقوم بها جميعًا.

كان عاصم يحب الصيد كثيرًا، و يستيقظ صباحًا ليصحب بندقية الصيد ويبدأ في صيد العصافير من على الشجر، وكان والدهم يحب القراءة كثيرًا وقد غرس هذا في أولادنا، وكنا نذهب كثيرًا إلى القرية في البلد، وهناك كانت عمة الأولاد وعاصم يقومان بأدوار قيس وليلى في مسرحة تحمل هذا الاسم ولاقت نجاحًا كبيرًا في البلد.

وأصدقك القول: كنت خائفة على عاصم، وكنت أتمنى أن يبقى في مبنى المحافظة ولا يلقي بنفسه في أرض المعركة، ولكني أعلم ابني جيدا.. ابني لن يجلس يتفرج والناس في خطر؛ فأنا وأبوه لم نربِّه على ذلك.

ارتعش صوتها وبكت، سكتت ولم أستطع الكلام ، فقالت ابنتها: "إيه يا ماما ماذا بك، لماذا تبكين لقد كنت متماسكة ماذا حدث؟".

نظرت لي، وقالت: اعذريني؛ فهذا ابني وأولادي كلهم ماتوا.. أنا لم ولن أنساهم، ولكني أتذكرهم وأبكي.

ذكريات كثيرة وأشياء كبيرة وصغيرة مرت بنا، وها أنا الآن بعد مرور كل هذه السنين أجلس وأتذكر الأب الذي تُوفي، ولم يبق لي إلا ابنتي وأولادها.. الحمد لله.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم