English

 

الثلاثاء. أبريل. 25, 2006

ثقافة وفن » مجاهيل ومشاهير » علمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

محمد بن ناصر العبودي.. رحالة العصر

مجدي سعيد

محمد بن ناصر العبودي
  كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على اسم الرحالة العبودي عام 1994، حينما كنت بصدد إعداد كتاب حول مشاهداتي في ألبانيا وروسيا؛ حيث كنت أبحث عن كتب تزودني بمعلومات عن أحوال المسلمين في البلدين، فكان أن وجدت أمامي كتابيه "كنت في ألبانيا" و"الرحلة الروسية" في جناح رابطة العالم الإسلامي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ولفت انتباهي أنني وجدت على ظهري غلافيهما قائمة طويلة ما بين مطبوع ومخطوط من كتب الرحلات تضم 98 كتابا؛ وهو ما جعلني أغبطه على رحلاته الكثيرة وكتبه الغزيرة، وجعل اسمه يلتصق بذاكرتي تلك السنين حتى عزمت على الكتابة عنه.

وللوهلة الأولى وأنت تهم بالكتابة لا بد أن يقفز إلى ذهنك قول الإمام علي رضي الله عنه: "منهومان لا يشبعان.. طالب علم وطالب دنيا"؛ حيث يفاجئك نهمه المتقد للمعرفة والإنتاج المعرفي وقد ناهز الثمانين من عمره، وقد قارب ما أنتجه من كتب على المائة والثلاثين كتابا أغلبها حول مشاهداته خلال رحلاته الدعوية التي طالت كل ركن من أركان المعمورة فيه مسلمون، وما زال في جعبته من الكتب المخطوطة ما يربو على المائة.

بيئة مشبعة بحب المعرفة

ولد الرحالة العبودي في مدينة بريدة عام 1345هـ (1926/1927م) في بيت لا يخلو فرد فيه من حب المعرفة؛ فكما تحكي ابنته الدكتورة فاطمة في حديث لها لجريدة عكاظ: كان جدي ناصر العبودي قاصا من الدرجة الأولى يحفظ الكثير من القصص والروايات ويرويها بطريقة مبهرة، وقد تكون طريقة والدي المشوقة واسترساله في رواية مشاهداته وانطباعاته ورثها عن والده. أما جد والدي عبد الرحمن العبودي فقد كان شاعرا عاميا أورد له والدي أبياتا عديدة كشواهد في كتابه "كلمات قضت" وفي كتب أخرى.

كما أن خال أبي وهو جدي لوالدتي عبد الله بن موسى العضيب من بيت علم وأدب، فقد كان يشرع بابه يوميا بعد صلاة المغرب لمن شاء أن يستمع إلى شيخ يستضيفه في منزله، وبعد صلاة العشاء يجمع أهل بيته حتى الأطفال ويقص عليهم خلاصة ما حدَّث الشيخ به، كان ذلك قبل أكثر من نصف قرن من الزمان.

وفي هذه العائلة نشأت جدتي لأبي وهي قارئة نهمة حتى بعد أن أصبحت عجوزا وقد انطبعت صورتها في مخيلتي وهي تجلس القرفصاء في سطح المنزل أو في فنائه تقرأ كتابا وقد قربته من عينيها لتستطيع القراءة، وهو أمر نادر الحدوث لامرأة في نجد وفي مثل سنها.

ومن المؤكد أن حب الاطلاع والشغف بالمعرفة منذ الصغر كان له دور أساسي في إثراء ثقافة والدي وتنوع اطلاعه، إلى جانب ما حباه الله به من قوة في الذاكرة وقدرة عالية على الاستيعاب ساعد عليها جلده على التدوين؛ فقد كان يدون كل ما يمر به في مذكراته اليومية من قبل أن نولد.

بين العلم والعمل

وإذا كانت تلك هي بيئة البيت المشبعة بحب المعرفة، فقد كانت مسيرته التعليمية الرسمية على قصرها وتقليديتها تزيد من ذلك التشبع، فقد تعلم في البداية في كتّاب الشيخ صالح محمد الصقعبي بمدينة بريدة، حيث لم يكن يوجد بها مدارس نظامية، ثم انتقل للتعلم في حلقات العلماء والمشايخ في المسجد الكبير مثل الشيخ صالح الخريصي والشيخ عمر بن سليم وغيرهما.

ومنذ وصول الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد إلى بريدة في مطلع الستينيات الهجرية وهو ملازم له، وقد درس خلال تلك المرحلة كتبا في النحو والفقه والفرائض، وكان أول ما يبدأ به الطالب في تلك الحلقات دراسة العقيدة؛ حيث يقرأ الأصول الثلاثة ثم الأربعين النووية في الحديث ثم بعد ذلك يتبحر في العلوم كأن يحفظ ألفية ابن مالك وغيرها من المتون.

وفي ذلك الوقت كانت مدينتي بريدة وعنيزة أولى مدينتين تفتح فيهما المدارس الابتدائية؛ إذ فتحت مدرسة في بريدة عام 1355هـ فأنهى العبودي دراسته الابتدائية فيها ولم تكن الدراسة تزيد على ثلاث سنوات.

بعد هذه الرحلة الدراسية النظامية القصيرة بدأ رحلته في الحياة العملية والتي لم ينقطع فيها عن شغفه ونهمه المعرفي؛ فكان أن تم تعيينه في البداية قيما لمكتبة جامع بريدة بترشيح من الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضي بريدة وأحد مشايخه، ومن خلال عمله في المكتبة نهل من الكتب الموجودة في المكتبة بتشجيع من الشيخ بن حميد.

بعد ذلك تدرج في وظائف التربية والتعليم، فبدأ مدرسا للعلوم الدينية في المدرسة الأولى ببريدة، ثم مديرا لمدرسة المنصورية، حيث ربى جيلا من الشباب على حب العلم والتطلع إلى الفضيلة، ثم عين مديرا للمعهد العلمي في بريدة عام 1371هـ بتزكية من الشيخ بن حميد أيضا، وقد تسنى له خلال إدارته للمعهد المشاركة في التوجيه التربوي، والإسهام في وضع الخطط والبرامج العلمية للمعاهد العلمية بالمملكة.

وفي عام 1380هـ ونظرا لما تميز به من جهد في المجال التربوي الإسلامي، فقد نقل إلى وظيفة الأمين العام للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وكان من المؤسسين لها، ثم عين وكيلا للجامعة لمدة سنة واحدة، ثم عين بعدها عام 1394هـ أمينا عاما للدعوة الإسلامية برتبة وكيل وزارة، ثم اختير في عام 1413هـ أمينا عاما مساعدا لرابطة العالم الإسلامي، وما زال يشغل هذا الموقع.

الجغرافيا والأدب والدعوة 

أحد كتب ناصر العمر 

يحكي الأستاذ محمد بن عبد الرزاق القشعمي في مقال له بصحيفة الجزيرة قصة توضح النهم المعرفي لدى العبودي منذ صغره قائلا: ذُكر له وجود مخطوط مهم في مسجد الشيخ عبد الرحمن بن سعدي بعنيزة والتي تبعد عن بريدة بما لا يقل عن 40 كيلومترا، وعزم هو وأحد زملائه على الذهاب إلى هناك لنسخه.. فأخذ معه "زهاب" السفر عبارة عن قرصان ملفوفة ببقشة وضعها تحت إبطه وقربة ماء مع صاحبه، وخرجا قبيل صلاة الفجر ليصلا قرب صلاة الظهر إلى هناك، واتصلا بالشيخ ابن سعدي رحمه الله الذي رحب بهما ومكنهما من الكتاب المذكور وجلسا معتكفين بالمسجد حتى تم نسخ الكتاب بكامله ليعودا ظافرين بعد ذلك.

ولعل النهم لاكتساب المعارف خاصة التراثية منها مع ما أوتي من مواهب فطرية هو ما أكسبه فيما بعد همة في الإنتاج المعرفي تنوعت اتجاهاتها؛ ففي التراث الأدبي له عدد من الكتابات نذكر منها كتاب "أخبار أبو العيناء اليماني"، و"كتاب الثقلاء" و"سوانح أدبية"، و"صور ثقيلة" وكتاب "نفحات من السكينة القرآنية"، وهي كتب تراوح بين الجمع والدراسة والإنشاء المقالي أو القصصي.

يقول الناقد الأدبي السعودي حسن بن فهد الهويمل: إنه -أي العبودي- لم يوجه اهتمامه لصناعة الأدب، ولم يشأ الاشتغال المنقطع لشيء من فنونه، وإن جودة آلياته النحوية والصرفية واللغوية والبلاغية، فإنما ذلك بوصفها علوم العربية لا بوصفها آليات الأدب. وحفوله بالأدب حفول المتمتع لا المحترف، كما لم تكن له إلمامات أدبية حديثة، بل كان ولم يزل مع التراث ينتقي منه ما يحلو له من الحكايات والأخبار والنوادر ولطائف التفسير.

ولعل الإنتاج في مجال التراث الأدبي مما يحتاج إلى عكوف على الكتب، غير أن له من الإنتاج ما يحتاج فيه الإنسان إلى أن يجمع ما بين شخصية العاكف في صومعة القراءة، وروح الباحث الميداني الجامع للمادة الإثنوجرافية، ومن ذلك أعماله في تراث الأدب الشعبي السعودي؛ حيث إن له عدة أعمال ما بين مطبوع ومخطوط، مثل "الأمثال العامية في نجد" والذي صدر في خمسة مجلدات، و"الأصول الفصيحة للأمثال الدارجة" وهو كتاب مخطوط في سبعة مجلدات، وكتب "المقامات الصحراوية"، و"ألفاظ الفروسية والحرب في المأثور الشعبي"، و"شعراء العامية في القصيم".

ومن ذلك أيضا عمله في مجال الجغرافيا الذي ساهم مع كل من الشيخين حمد الجاسر وسعد الجنيدل في تفقد القرى والهجر والآبار والمواقع الجغرافية والتاريخية تمهيدا لإصدار عملهم الضخم "معجم بلاد القصيم" في ستة مجلدات والذي طبع مرتين عام 1399هـ وعام 1410هـ.

ومن ذلك الباب أيضا ولعه بعلم الأنساب؛ حيث يعد مرجعا في الأسر والقبائل، وله فيه كتاب مخطوط عمل به لأكثر من ثلاثين عاما، إلا أنه ما زال يعتقد أنه لم يستوف ما يؤمل منه، وربما كان صدور كتاب الشيخ حمد الجاسر "جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد" عام 1401هـ والذي أخذ من مسودات الشيخ العبودي الكثير هو السبب في تأخير صدور كتابه "الأسر المتحضرة في القصيم".

أربعون عاما من الرحلة في بلاد المسلمين 

 

على الرغم من عمق وكثافة إنتاج العبودي في المجالات التي ذكرناها، فإن الإنتاج الأوفر له هو إنتاجه في مجال أدب الرحلات والذي بدأه بكتابه "في أفريقية الخضراء.. مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإسلام والمسلمين"، والذي طبع عام 1388هـ/1968م، وقارب إنتاجه في هذا الميدان 116 كتابا مطبوعا إضافة إلى ما يقرب من 100 كتاب مخطوط تناولت رحلاته التي شملت قارات العالم أجمع.

يقول الدكتور الهويمل: إن العبودي اهتم في كتاباته تلك "بتدوين المعلومات والملاحظات، دون تكلف أسلوبي أو معاضلة تعبيرية، وما في كتبه من صياغة أدبية فصيحة فإنما هي قدرة ذاتية كسبية؛ فهو عالم بالتراث، ومؤلف معرفي قبل أن يفرغ لأدب الرحلة، والمتابع لكتبه لا يقدر على تصنيفه لا جغرافيا، ولا اجتماعيا، ولا سياسيا. ومن ثم فهو أقرب إلى الموسوعيين؛ لتوفره على القيم العلمية والأدبية، واللغة التي يعتمد عليها.

ويعد العبودي بهذا الإنتاج العريض الذي طاف به في أرجاء عالم المسلمين "عميد الرحالين" العرب في نصف القرن الأخير، كما سماه الباحث "محمد بن عبد الله المشوح" في كتابه حول العبودي الصادر عام 2004.

وما زال القلم يجري

بالرغم من أن الرحالة العبودي قد قارب الثمانين من عمره فإنه ما زال عاكفا على الكتابة لا تنقضي مشروعاته، يقول في حديثه لمجلة المنار: برنامجي اليومي في الوقت الحاضر يختلف عما كان عليه في الماضي؛ لأنني أعمل في التأليف، وقد طبعت حتى الآن 128 كتابا ولدي الآن ما يزيد على مائة كتاب من الكتب المخطوطة التي تنتظر الطبع، بعضها في مجلدات كبيرة. ومن أجل هذا الدأب في الكتابة والغزارة والتنوع في الإنتاج المعرفي فقد تم تكريم العبودي كشخصية العام الثقافية في الدورة التاسعة عشرة للمهرجان الوطني السعودي للتراث والثقافة، وذلك عام 1424هـ/2004م.

هوامش ومصادر:

1- حوار أجري مع الشيخ العبودي في مجلة المنار، العدد 70، جمادى الأولى 1424هـ منشور على موقع التاريخ.

2- مقال "العبودي.. أو العالم الموسوعي"، للكاتب محمد بن عبد الرزاق القشعمي، جريدة الجزيرة السعودية على الإنترنت- الإثنين 4 من ذي الحجة 1424 هـ، 26 يناير 2004م.

3- مقال "الجهود الأدبية للعلامة العبودي"، د.حسن بن فهد الهويمل، جريدة "الجزيرة" السعودية على الإنترنت، الثلاثاء 18 من جمادى الأولى 1425 هـ، 6 يوليو 2004م، ويمكن الرجوع إلى هذا الملف عن العبودي.

4- تقرير الدورة التاسعة عشرة للمهرجان الوطني للتراث والثقافة على شبكة الإنترنت.

 


من أسرة شبكة إسلام أونلاين

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم