|
واقعيًّا، لا يوجد خطاب واحد لـ "حوار الأديان"، بل هناك خطابات متعددة تجعلنا إزاء "حوارات أديان" بعدد هذه الخطابات وتعدد أنواعها، ويرجع هذا التعدد إلى تباين الخلفيات الثقافية والدينية والفكرية والسياسية للمتحاورين، والأجواء التي تدور فيها عملية الحوار.
ورغم تنوع هذه الخطابات لكنها متداخلة فيما بينها، بحيث لا يوجد خطاب خالص Pure وإنما تداخل وتمازج وتجاور لأكثر من خطاب. وتأتي محاولتنا هنا من قبيل التصنيف لفهم وإدراك أنواع هذا الخطاب.
في "حوار الأديان" يمكننا أن نرصد الخطابات التالية:
1 - الخطاب الأخلاقي: وهو يركز على القاعدة الأخلاقية للأديان، ويسعى لتأكيد وجود قيم أخلاقية مشتركة بين الأديان يمكن من خلالها إرساء قاعدة يلتف حولها أصحاب الأديان المختلفة. وقد شهد هذا الخطاب رواجًا بين علماء الأديان في الفترة الأخيرة، خاصة مع تزايد موجة الانحلال الخلقي التي شملت أنحاء العالم، مما دفعهانز كوينج- أستاذ علم الأديان المقارن بجامعة توبنجن الألمانية وأحد أبرز دعاة حوار الأديان في العالم- إلى تبني مشروع عن "الأخلاق العالمية".
إلا أن هذا الخطاب يتسم بعيوب فادحة تجعله خطابًا تلفيقيًّا توفيقيًّا لا يبحث عن المعرفة واكتشاف الآخر-كما هو جوهر فكرة حوار الأديان-وإنما يقوم على صياغة توليفة مشتركة بين الأديان يمكن أن ينتج عنها ما يطلق عليه بـ "الأخلاق العالمية" من خلال منهجية متعارضة الأبعاد، فمن جانب، فإن المدخل الأساسي للإيمان بالدين هو العقيدة وليس الأخلاق، ومن جانب آخر فالأخلاق نفسها نسبية من دين إلى آخر، ولا يمكن الحديث عن توحيد أو عولمة الأخلاق.
2 - الخطاب التوافقي: هو خطاب يبحث عن نقاط الاتفاق والتلاقي بين الأديان-متشابهًا مع الخطاب الأخلاقي إلى حد كبير- ويمتد إلى البحث عن المشترك بين العقائد والشرائع والعبادات أيضًا، معتمدًا بدرجة أساسية على علم مقارنة الأديان.
ويعاني هذا الخطاب من نفس الخلل المنهجي الذي يقع فيه الخطاب الأخلاقي، وتزداد خطورته حينما يرتبط بأهداف سياسية كمشروعات السلام التي يروج لها في كثير من مناطق الصراع الديني كمنطقتنا، فهذا الخطاب ينتهي بأصحابه إلى أن الكل شيء واحد وأن التمايز بين الأديان شكلي أو ربما مفتعل، اعتمادًا على أن المشترك أكبر بكثير من نقاط الخلاف.
3 - الخطاب البراجماتي (العلمي): وهو خطاب لا يتحدث في الأديان كأديان، ولكن في موضوعات علمية وقضايا متفجرة يحاول بحث موقف أهل الأديان منها بما يمكن أن يؤدي لإيجاد حلول لها مثل: الحروب والاضطهاد الديني، التفرقة العنصرية،..الخ. ,br> وتعتمد على هذا الخطاب عدد من منظمات الحوار في العالم من أهمها: المنظمة العالمية للأديان والسلامWCRP ، وكان لها كفاح طويل ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا حتى سقوطه.
ولا يحمل هذا الخطاب ضررًا كبيرًا في ذاته-رغم اتصافه بالعملية- ولكنه يتجاهل استحالة التغاضي عن الخلفيات الدينية عند المشاركة في حل الخلافات والنزاعات المتفجرة.
4 - الخطاب المؤسساتي: وهو الخطاب الذي تتبناه المؤسسات الدينية الرسمية (أي التي يعترف بها رسميا داخل الدين: كالكنيسة في المسيحية) أو شبه الرسمية (وهي التي يعترف بدورها ومكانتها دينيًا ودون أن يترتب على ذلك أي سلطة دينية رسمية كالأزهر في الإسلام).
وتكمن مشكلة هذا الخطاب في أنه يرتبط مباشرة بالحالة السياسية ويتأثر بها-سلبًا وإيجابًا-خاصة وأن المؤسسات الدينية في العالم لم تعد بعيدة عن السياسة. مثل، تأثر خطاب بعض العلماء الرسميين في بعض البلدان العربية تجاه اليهود، فخطاب بعضهم شهد تغيرًا ملحوظًا مع بدء ما يسمى "بمسيرة السلام"في المنطقة، إذ اختلف هذا الخطاب بعد أن وقَّعت الحكومات اتفاقيات السلام مع إسرائيل إلى حد بعيد.
5 - الخطاب التاريخي: وهو يتعامل مع الدين بوصفه تاريخًا أو مجموعة من التراكمات التاريخية تختلط بأصل الدين نفسه حتى تصبح جزءًا منه فتتحول فيه الأحداث بل وأحيانا الممارسات التاريخية إلى دين. وهذا الخطاب يبدو أكثر وضوحًا عند اليهود بشكل خاص فالسبي البابلي والروماني وهدم المعبد وبناء الهكيل، وغيرها من الأحداث التاريخية اختلطت بالعقيدة والدين اليهودي نفسه وسيطرت على الخطاب الديني في الحوار مع الآخر.
6 - الخطاب التآمري: وهو خطاب يرى أن فكرة الحوار نفسها مؤامرة تهدف إلى تشكيك المتحاور في عقيدته وإثبات صحة عقيدة الآخر. وهو يعتبر شكلاً سلبيًا من أشكال الحوار الديني، وهو يتسم بالسهولة والابتسار، ولكنه يؤدي إلى التقوقع حول الذات وعدم إدراك الآخر ويقود إلى الاختزالية والتبسيطية التي تصور حركة العالم كله في شكل مؤامرة تحاك وتدبر. وهذا الخطاب-بكل أسف-يكثر انتشاره بين المسلمين في كثير من القضايا وليس في حوار الأديان فحسب.
7 - الخطاب التبشيري: وهو يقوم على محاولة إقناع الآخر بصحة عقيدة الذات وأفكارها وإدخاله في إطارها، وهو أقرب إلى مساجلة الأديان، وإن كان البعض يستعمله في حوار الأديان. وإشكالية هذا الخطاب ليست في أنه يخلط بين الحوار والدعوة فحسب وإنما أيضا في أنه لا يرى مستقبلاً للعلاقة مع الآخر إلا باستقطابه.
ما سبق من أنواع الخطاب في "حوار الأديان" يعد جزءًا من الممارسة الواقعية للحوار، لكنها تختلف-إلى حد بعيد-مع جوهر فكرة "حوار الأديان" القائمة على إدراك الآخر وإدراك الذات معًا، دونما اختزال أو تبسيط لأي منهما لصالح الطرف الثاني.
ولكن هناك نوعين من الخطاب يقتربان من حوار الأديان بهذا المفهوم ويعدان أقرب هذه الخطابات إليه وهما: الخطاب الأصولي والخطاب الاختلافي.
الخطاب الأصولي: خطاب معرفي يلتزم بالنصوص المقدسة للدين، وينطلق من أصوله الثابتة ويبني عليها بالتفسير أو إعادة قراءتها وإنتاجها مرة أخرى في ضوء واقع جديد ومتغير، وهو لا يسعى للبحث عن نقاط اتفاق أو اختلاف مع الآخر، ولا يسعى إلى إدراكه ورؤيته عبر النص الثابت المطلق المقدس عنده وفي ضوء منطلقات وضوابط النص الديني المقدس دون التأثر بالملابسات السياسية أو التاريخية أو الخلفيات الفكرية والثقافية، وهو أقرب الخطابات لفكرة حوار الأديان.
الخطاب الاختلافي: وهو يقترب من الخطاب الأصولي مع بعض الفروق، فهو خطاب يبحث عن نقاط الاختلاف مع الآخر لتأكيد التميز واكتشاف الذات على حقيقتها، ورغم اقترابه من فكرة الحوار إلا أنه مغرق في إثبات التميز بما قد يؤدي إلى الإغراق في الذاتية والبعد عن الموضوعية، وقد ينتهي أحيانا إلى إنكار كل تقارب أو تماثل مع الآخر حتى ولو كان موجودًا بالفعل.
ويتوقع بعض الباحثين أن يتصدر الدين بورصة سوق الأفكار العالمية، وأن القرن القادم سيكون قرن الدين، وبالتالي فإن "حوار الأديان" سيحتل رأس أجندة القضايا المطروحة عالميًّا لفترة طويلة في القرن الجديد
تابع في نفس المقال:
حوارات الأديان ضرورة إنسانية أم مؤامرة عالمية؟!
|