English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 12, 2000

ثقافة وفن » مفاهيم ومصطلحات » ثقافية و فكرية

 

"النهضة" على الطريقة غير الغربية!

يرتبط مفهوم النهضة بخبرة تاريخية في الغرب، وهو ما دفع بالكثيرين إلى تسمية عصر بأكمله "عصر النهضة" نسبة إلى التقسيمات الغربية للعصور التي لا ترى العالم إلا من خلال مركزيتها ومنظورها.

وتجدر الإشارة إلى أهمية مناقشة المعيار الذي يسمح بأن يسمى عصرًا ما بعصر النهضة أو غير ذلك. والطرح على هذا النحو يجعل من تأسيس المعيار عملية أولية في مواجهة المقياس الغربي الذي يعتمد إطاره الخاص معيارًا للتقدم والتأخر وهو ما يثير بدوره التساؤل حول عصر النهضة الأوروبية وما إذا كان بالفعل عصر تنوير ونهضة أم لا للكل أم للأوروبيين وحدهم ( في حين قاموا باستعمار الآخرين وضرب نهضتهم الحضارية ).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن عناصر مفهوم الاستخلاف لم تكن متوفرة بحال فيما أسمي "عصر النهضة" سواء من حيث التعامل مع البيئة أم من حيث استخدام نتاجها، وأخيرًا من حيث العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان.

لكن الغرب يجيد ترديد وترويج مقولات من زخرف القول، وأهم تلك المقولات على سبيل المثال:

أ - فكرة الثقافة التقليدية وضرورة استبدالها بثقافة حديثة (وليس تطويرها أو تجديدها)، بما يفيد التغريب والتخلي عن القيم الأصلية.

ب - فكرة المجتمع الانتقالي دون تحديد لمفهوم الانتقالية، والمرحلة التي يستغرقها.

جـ- فكرة اللحاق بالركب الحضاري والتي تعني في جوهرها إلحاقًا حضاريَّا بالغرب والسير في ركابه.

د - فكرة مجتمع الوفرة، أو دولة الرفاهة.. كهدف لعملية التنمية بخلق مجتمع الاستهلاك.

هـ- فكرة المجتمع "المدني" كمدخل لتكريس التغلغل العلماني وتنحية الدين عن حركة الحياة.

وفي اللحظة الراهنة تعتبر النهضة هي العولمة والقبول بها وتنطبق عليها معايير نهضة القرون الثلاث الماضية الغربية ذاتها، وتتضمن مقولة العلاقة بين الحضارات مجموعة مفاهيم مثل: التواصل الحضاري والانفتاح الحضاري واللحاق بالركب الحضاري، والاتجاه الإنساني ووحدة الثقافة والحضارة.

ويبدو أن هذه المفاهيم كانت أهم الأدوات التي ساهمت في بناء توجه فكري بأكمله حيال فكرة العلاقة بين الحضارات مما سوغ لدى هذا التوجه عملية التبعية للحضارة الغربية والاقتداء بها وحمل أفكارها والأخذ بنهجها الحياتي.غير أن هذه المقولة تهمل طرح موضوع أساسي وهو "وجود الفرق الجوهري بين نمط حضاري وآخر في النهضة أو في قواعد التفاعل.

أما التفاعل الواعي لحضارة مع أخرى فيشتمل على عنصرين: الأول يعني الإبقاء على العوامل والاتجاهات الأساسية من جهة والحفاظ على ترتيبها وفق سلم تصاعدها وأولوياتها من جهة أخرى، والثاني التلاقي بينهما بحيث لا تكون أحدهما مسيطرة على الأخرى، ومن ثم يأخذ التفاعل سمات الإخصاب؛ لأنها لا تنتقل من نهج إلى آخر، وإنما تنتقي كل منهما ما يفيدها في إطار التمثل والهضم والاستيعاب القائم على الحد الأدنى للمشترك الإنساني.

ومن ثم فإنه يجب التمييز بين نمطين من التفاعل بين المجتمعات الإسلامية وغيرها:

الأول: تفاعل يفقد التأسيس الإسلامي مضمونه ومحتواه بل يشوهه ويحرفه بالجملة عن النهج الإسلامي.

الثاني: التفاعل الواعي القائم على تأسيس المعيار الإسلامي في عملية الانتقاء الحضاري والذي هو طريق النهضة في عصر معين بظروفه التاريخية.

مما سبق نخلص إلى أن موضوع العلاقة بين الحضارات لم يطرق قط بعيدًا عن تصورات النهضة (في علاقة الذات بالآخر) وعلاقة الصراع الدائر بين القوى الاستعمارية والشعوب المستضعفة بحيث طرح هذا الموضوع بما يؤكد سيادة الحضارة الغربية بكل ما تحمل من فلسفات ومفاهيم ومعايير، وهو أمر أدى بالشعوب إلى فقدان هويتها ومقومات شخصيتها الأساسية، وإلى هدم عوامل وجودها المادي والثقافي المستقل، وعلى هذا فإن الحديث عن التواصل الحضاري كما يطرحه منظرو السياسة الغربية يهدف إلى الإلحاق الحضاري باعتباره شرطًا أساسيًّا في عملية النهضة الكلية الشاملة.

إعادة تشكيل الحقل الدلالي لمفهوم النهضة:

يستلزم إعادة تشكيل الحقل الدلالي لمفهوم النهضة معالجة مجموعات من المفاهيم:

الأولى: تتعلق بمفهوم النهضة والعلاقة بين الحضارات وهو بحث في طبيعة هذه المقولات وآثارها.

الثانية: ترتبط بمعيار التقدم والتخلف وما يتركه ذلك من دلالات على مفاهيم مثل:

التطور - والتحديث - والتنمية السياسية - والتصنيع والتقنية - الانتقالية.. إلخ.

الثالثة: تتعلق بمفاهيم ارتبطت بصفة الإسلامية، دون تفحص هذه المصطلحات مثل:

النهضة الإسلامية - واليقظة الإسلامية - والصحوة الإسلامية والبعث الإسلامي.. إلخ.

الرابعة والأخيرة: تتضمن مفاهيم مقدمة في الاستخدام تتساند وتترابط وفق معانيها الشرعية بالعودة إلى الأصول الإسلامية مثل: التجديد والتنوير والإصلاح والإحياء والتغيير.

ومفاهيم التقدم والتخلف، التنمية والتحديث والتطور:

ثمة أكثر من اتجاه فكري في الغرب له رؤية محددة حول موضوع التطور التاريخي تستند في مجملها إلى المعيار المادي في تفسير التقدم والنهضة.

- فهناك اتجاه يتخذ من عنصر القوة وتنازع البقاء معيارًا للتقدم والتأخر، وبحيث يصبح "الأقوى" هو صاحب "الحق" والأصلح للبقاء وممثلاً "للتقدم" وقد شكل هذا الاقتراب النظري تسويغًا لسياسات الاستعمار(وهو من آثار الداروينية في المجال السياسي).

-وهناك توجه آخر يستند إلى مفهوم التقدم المادي-العلمي والتقني، فالمجتمعات الأكثر تقدمًا في عرف هذا التوجه هي الأكثر تطورًا بقدراتها العلمية والتقنية والإنتاجية، أما القيم الروحية والأخلاقية ونوع العلاقة الاجتماعية فيما بين الناس أو الشعوب فليست معيارًا لمقولة التقدم والتأخر.

وقد سحب الغرب رؤيته السابقة لمفهوم التقدم والتخلف ليشمل ليس فقط الجوانب التقنية والعلمية والصناعية ومستويات المعيشة بل والقيم ومكونات الشخصية، ووفق هذه الرؤية فإن مقولة التخلف في المجتمعات الإسلامية لا تنحصر في مجال تطور التقنيات والصناعة وإنما تتصرف إلى اعتبار مجموعة القيم والأخلاق ونهج الحياة جميعًا مردافًا للتخلف(ومعادية للعولمة، ومكرسة للخصوصية والوعي التاريخي في زمن نهاية التاريخ) فظلت مقولة التخلف وفق تعرضها لنسق القيم الإسلامي تتضمن تعريضًا بالإسلام باعتباره مصدرًا لذلك التخلف، ومن ثم يتم التخلص من حالة التخلف من خلال التشبه بالغرب وتبني مجموعة قيمه وأفكاره ونهجه في الحياة وتبني النموذج الليبرالي ( أو الماركسي لمن كان لا يزال يؤمن به).

ولا شك أن الاستناد إلى توجه مغاير يعتمد الرؤية الإسلامية أساسًا له سيؤدي بالضرورة إلى معايير أخرى تحدد ماهية التقدم والتأخر وشروط التفاعل الحضاري والعولمة، ويفضي إلى محصلة مختلفة في فهم الواقع وتفسيره وحركته التي لا تنفصل عن التاريخ أو المطلق الديني .

العولمة ونهضة التقنية:

إن مفهوم النهضة وربطه بالتطور التقني لا يقتصر على "الأدوات المادية" أو "المعارف الفنية" لاستخدام تلك الأدوات، بل يمتد ليشمل "أساليب التنظيم البشري" التي تحقق مجمل الشروط المادية والمعنوية الواجب استيفاؤها في الفعل الإنساني من أجل تحقيق مقصد ما.

ووفق هذا المعنى فإن التقنية تختلف طبقًا للرؤية الحضارية المتميزة حيث يكون لكل حضارة تقنيتها الخاصة بها، وكل تقنية هي إجابة على طلب اجتماعي وحضاري معين، وبذلك تصير التقنية الغربية تطورًا مستجيبًا لنمط الحياة الغربي نفسه وتطوره، الأمر الذي يجعل تناول موضوع التقنية في إطار استهلاكها غير منطقي.

وعلى هذا فإنه عند التعامل مع قضية العلوم والتقنية يجب التمييز بين مستويين:

الأول: المتعلق بالقوانين العلمية.

الثاني: المتعلق بالأهداف والمقاصد التي يتحدد في ضوئها وباتجاهها عمليات البحث واستخدام القوانين العلمية، الأمر الذي يختلف من حضارة إلى أخرى.

وفيما يتعلق بانتقال العلوم والتقنيات من حضارة إلى أخرى يجب التمييز بين قبول القوانين العلمية، وقبول الأهداف والاتجاه، فما يصح على الأولى لا يصح على الثانية، ذلك أن أمر انتقال القوانين من حضارة إلى أخرى أمر مشروع لا تقوم في وجهه الحواجز إلا من قبل من يريد احتكار العلوم والتقنيات كما تفعل الحضارة الغربية، أما فيما يتعلق بالاتجاه من حيث (مجالات التركيز والأولويات - الاحتياجات - القوى المراد خدمتها - مستقبل الاتجاه في التطور التقني والعلمي) فإن الأمر يختلف عن موضوع القوانين العلمية رغم ارتباطه به مما يجعل أخذ كل ما توصلت إليه الحضارة الغربية المعاصرة من اكتشافات علمية وتقنية يحتاج إلى مراجعة وتحميص وتدقيق، ذلك أن هذه التقنيات -في جملتها- غير معزولة عن حضارتها بل هي جزء لا يتجزأ منها، وأن عدم إدراك ذلك يجعل من اتجاه الإنماء والحداثة تابعًا أو ملحقًا.

وعلى هذا فإن قضية التحديث (بمعنى التصنيع) تجد طرحها السليم في ضرورة اتخاذ موقف علمي واضح من خلال منهج نقدي صارم للنسق الغربي المعاصر في موضوع التقنية والعلم باعتبار هذه العملية أحد الشروط الضرورية للتفاعل مع العلوم والتقنيات المعاصرة ونهج التجديد والفارق بينهما.

وتلك البدائل تستبطن بل وتستظهر مفهوم العلمانية كإطار فكري لفهمها مما يجعلها غير صالحة، كما أنها تستند إلى مقاييس غربية مما يجعل التقليد لها بلا بينة يقع في إطار حركة التغريب وهو ما يتطلب ضرورة إعادة النظر في استخدامها جميعًا.

مفهوم التحديث وحقيقة التبعية:

إن جوهر الخطر في مفهوم التحديث بصدد عملية تحقيق التجديد الحضاري في منظوره الإسلامي هو أنه وليد الحضارة الغربية وخبرتها وأن محاولة تعديتها ليس إلا حالة من حالات التعدية الفكرية، ويعني أننا لم نتغير من الأعماق إلى الدرجة المطلوبة لملاقاة التحدي، ففي حقيقة الأمر المجتمعات الغربية ليست مثلاً أعلى أو وحيدًا يقاس التقدم بقدر الاقتراب منه "إن الذين لا يقتفي أثر خطواتك، ويرفض أن يستمر في السير، قد تفقد تبعيته لك إلى الأبد، وليس أكثر فعالية في ضمان هذه التبعية من أن تحاول إقناعه باستمرار بأنه ليس هناك هدف أ كثر جدارة من أن يحاول اللحاق بك".

إن مفهوم التجدد الذاتي أي التجدد الحضاري من داخل الأمة وقاعدتها القيمية الذي لا يغفل عما حوله، ولكن يتفاعل ويتمثل حسب قراره هو، ووعيه بحقيقة التفاعل وحدوده في إطار مقصده الأساسي الواضح والمحدد، التجدد الذاتي الذي ينتج عمرانًا أصيلاً يؤدي بالضرورة إلى صياغة رؤية حضارية متكاملة العناصر متشابكة المعاني تحدد النظرة إلى الكون والذات والآخرين، تختلف عن نظرة الحضارة الغربية وتتميز عنها، وهو ما يؤكد أن الربط بين المشروع الحضاري وعملية التجديد الحضاري ترتبط ارتباطًا لا ينفصم بحقيقة التمايز الحضاري والوعي بالهوية وكل متطلباتها وهذا بالتحديد هو ما يجعلنا نرفض بحزم مفهوم ومصطلح التحديث.

إن تجارب التنمية والتحديث عندهم يمكن أن تتخذ مسارات سياسية واقتصادية واجتماعية مختلفة، ولكن كل هذه المسارات تظل في نفس الإطار الحضاري الحاكم. إن غالبية مفكري اليسار في الغرب - بل في بلاد المسلمين تعقل أهمية الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي في إحداث تنمية جادة، وكلها لا تتخيل أبدًا أن الاستقلال الحضاري ممكن أيضًا أو مطلوب.

إن النهضة التي تسير على خطى المحاكاة لتجربة تاريخية أخرى لها ملابساتها التاريخية وترى التقدم يشكل خطي في مسار واحد وتجعل تاريخ الآخر هو منتهى الأمل كمستقبل لباقي الحضارات وتنظر للإنسان في بعد واحد هو البعد المادي ثم تسبغ على هذا كله حتمية العولمة ونهاية التاريخ لهي نهضة تحتاج لمراجعة عميقة، تتوازى وتتوازن مع استنهاض عناصر القوة في الذات الحضارية، فلا نهاية للتاريخ طالما استبقينا إيماننا بالغيب والمطلق وبقي الإنسان قادراً على التجاوز والإبداع.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم