English

 

السبت. يناير. 1, 2000

ثقافة وفن » أوتار وأنغام

 
   
روابط من إسلام أون لاين

القصيدة الإلهية والبوسنة

من يستمع إلى الأناشيد الدينية في البوسنة يدرك سبب الحملة التي تعرض لها البوسنيون على مر التاريخ، هذه الأناشيد التي يطلق البوسنيون عليها (إلهية  آي قصيدة) أو قصيدة إلهية تعرفت عليها منطقة البلقان أول مرة في القرن الخامس عشر مع نشر الأتراك للإسلام في المنطقة.

        يقول الشاعر جمال الدين لاتيتش: لا يوجد تعريف محدد للقصيدة الإلهية لكن البوسنيين يحبون سماعها، يحترمونها ويحبون سماعها لأنها شيء رباني، ويفسر الموسيقار محمد بايراك تاروفيتش معنى القصيدة الإلهية على أنها الكلمات التي يتلفظ بها أولياء الله أثناء خشوعهم وذكرهم، وتتحول بعد ذلك إلى قصائد منظومة.

وكانت القصيدة إلهية في بداية ظهورها وسيلة إعلامية للطرق الصوفية من أجل مزاولة الذكر والترويج لكل طريقة، وحَثِّ الناس على التحلي بالفضيلة والتخلي عن الرذيلة.

وأوضح منصور مالكيتش أحد أشهر المنشدين في البوسنة أن موضوع القصيدة تَغَيَّر في الحرب وتحولت إلى نشيد وطني من حيث الكلمات، في إطار حشد جميع الطاقات للدفاع عن البوسنة، لكنها بقيت نشيدًا دينيًّا من حيث اللحن والمقام، كما ركَّزت أيضًا على الدفاع عن الإسلام في المنطقة ولَمَسَت معاني الجهاد والنصر والشهادة.

ورغم أن النظام الشيوعي في البوسنة لم يمنع الإنشاد الديني لكنه ضَيَّق على مستمعيه، ولم يترك لهم سوى القصائد التركية الصوفية القديمة التي لم تسترعِ آنذاك إلا انتباه كبار السن في القرى النائية، إذ يشير الشاعر جمال الدين لاتيتش إلى أن النظام الشيوعي والأنظمة الأخرى التي جاءت بعده وكانت ضد المسلمين نجحت في طمس الثقافة الإسلامية عند أجيال عديدة في البوسنة، ورغم الصحوة التي أحدثتها الحرب إلا أن هذه الأجيال لاتزال موجودة إلى اليوم لا تعرف ما هي القصيدة؟! وماذا فيها؟! ومن كتبها؟!

ويرى الشاعر جمال الدين لاتيتش أشهر كتاب القصيدة الإلهية في البلقان أن كتابة النشيد الديني مرَّت عنده بثلاث مراحل: قبل الحرب وكانت أناشيد صوفية بحتة، أثناء الحرب جاء النشيد لإحياء الروح الوطنية والهوية الإسلامية للبوسنة، ثم بعد الحرب عاد إلى الموضوعات القديمة التي تلمس جانب التصوف والوعظ مستعينًا بالتراث الإسلامي في هذا المجال.

ورغم عدم معرفة البوسنيين للقصائد التي تُغَنَّى بالعربية أو التركية أو الألبانية أو حتى الفارسية إلا أنهم يستمعون إليها باهتمام بالغ، ويكشف الموسيقار بايراك تاروفيتش سر ذلك بأن آلاف الملايين من البشر على مر التاريخ اعتنقوا الإسلام ولم يفهموا كلمة واحدة من اللغة العربية لكن صدورهم انشرحت للقرآن الكريم الذي نزل بأجمل لغة في العالم فلانت قلوبهم وقبلوا الإسلام.

        ويرى المنشد حافظ القرآن منصور مالكيتش أن شغف البوسنيين بسماع النشيد الديني يرجع إلى احترام هذا النوع من الغناء، والدليل على ذلك أنهم يقولون: "قرأ فلان قصيدة إلهية" مثل قرأ القرآن، وليس غَنَّى أو تَغَنَّى بقصيدة كذا.

ومن هنا يتمتع الإنشاد الديني بشعبية كبيرة ويحظى بإقبال واسع عند تنظيم حفلات عامة، وهذا ما جعل من هذه الحفلات مشروعًا تجاريًّا رابحًا لدرجة أن مغنِّيين مشهورين يشاركون فرق النشيد الديني في حفلات القصيدة الإلهية، ويؤكد منصور مالكيتش أن هؤلاء المغنيين إذا أحيوا هذه الحفلات فلن يتمكنوا وحدهم من مَلْء الصَّالات بالحاضرين كما يحدث عندما تشارك فرق الإنشاد الإسلامية، وسبب ذلك من وجهة نظر مالكيتش أن هذه الفرق تتمتع باحترام كبير من الجمهور.

        وتتسم فرق الإنشاد الديني في البوسنة بأن بعضها يستخدم معظم الآلات الموسيقية رغم أن أغلب من يقود هذه الفرق من حفظة القرآن الكريم، ويحافظ بعضها على التراث الصوفي في أداء القصيدة مكتفيًا بالدُّفِّ فقط، إذ يرى فريق مثل: "نشيد الهدى" أن استخدام الآلات الموسيقية مخالف للشريعة، وكما يرفض أيضًا مشاركة الفتيات، إلا أن فريق "مدرسة غازي خسروف بيك الثانوية الإسلامية" يمنح الفتيات البوسنيات نصيبًا كبيرًا في الإنشاد الديني، ويظهرن في زي إسلامي أنيق وموحد، ورغم وجود منشدات لكنهن يقمن بدور الكورال في معظم فرق الإنشاد.

        وتعتقد شهيدة جيهانوفيتش -من فريق مدرسة غازي خسروف بيك للإنشاد- أن مشاركة الفتيات جزء من تراث مسلمي البوسنة، بينما ترى أسماء مهديتش - من نفس الفريق - أن مشاركة الفتيات أمر طبيعي في البوسنة كدولة أوروبية تشارك فيها المرأة في كل نشاط.

وقد ساهمت فرق الإنشاد الديني التي تكونت في البوسنة من خريجي المدارس الإسلامية، لكن هذه الفرق لا تزال تعتمد على المواهب الفردية، فلماذا لا يدرس الإنشاد الديني؟

يجيب بايراك تاروفيتش بالقول: للأسف الأكاديمية والمدارس الابتدائية والمتوسطة الموسيقية لا تدرس النشيد الديني، وفي نفس الوقت تدرس فيها موسيقى الأديان الأخرى، ويضيف: أعتقد أن دراسة فن الإنشاد الديني سيساهم في الارتقاء بهذا الفن الذي يخص المسلمين هنا.

ومع موافقة منصور مالكيتش لهذا الرأي إلا أنه يعتقد أن مسلمي البوسنة يفضلون الحفاظ على القصيدة الإلهية، كما ورثوها عبر خمسة قرون دون أن يمسَّها أحد بتغيير حتى ولو تم ذلك داخل المدارس المتخصصة.

كما يَفْتَقِدُ النشيد الديني في البوسنة الشعراء الذين يثرون رصيده، ويرجع ذلك إلى عدم وجود كتّاب ومؤلفين يتمتعون بحس إسلامي، كما أن معظم الكتّاب البوسنيين لهم توجهات غربية بل إنهم يستغربون أحيانًا ما كتب مؤخرًا من أناشيد دينية على حد قول جمال الدين لاتيتش. 

وهناك فن آخر يشبه القصيدة إلهية يطلق عليه اسم "مولود"، وهو مجموعة قصائد تحكي قصة ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن على هيئة منولوج، وتنشد في الاحتفال بالمناسبات الإسلامية مثل الهجرة أو ميلاد النبي، وتُحْيي بها الأسر المسلمة المناسبات الخاصة مثل الزواج أو السفر إلى الحج، وكان الغرض من المولود هو جذب الناس للدروس التي تُعْقَد لإحياء هذه المناسبات، ويبدأ المولود بقراءة القرآن، ثم التكبير والتحميد والصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم غناء القصائد على أن تكون أول قصيدة باللغة التركية احترامًا للأتراك الذين جلبوا لنا الإسلام.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم