|
ناصر الجعفري، من مواليد عمّان عام 1969، وحاصل على دبلوم "إدارة الأعمال"، ثم بكالوريوس في فن الكاريكاتير من جامعة "بنسلفانيا" الأمريكية عن طريق الدراسة بالانتساب. متزوج وينتظر الطفل الأول. بدأ رسم الكاريكاتير مبكرا، ونشر وما زال في العديد من الصحف العربية، وانتهى به المطاف الآن في صحيفة "العرب اليوم".
هو شاب عربى من ضمن شباب كثيرين يحملون الهم و يتفاعلون مع الحياة و يجاهدون للوصول لحلمهم فدعونا نرى ما حلمة و محاولاتة لتحقيقة
* متى وكيف بدأت رسم الكاريكاتير؟
- لا أذكر تحديدا متى بدأت الرسم، ولكن أعتقد أنه توجد مرحلة عمرية لدى كل إنسان يلجأ فيها إلى الرسم كوسيلة طبيعية للتعبير عن ذاته؛ فكانت البداية منذ الصغر على الجدران وعلى أدراج ومقاعد الدراسة، وتطورت المسألة تدرجيا. أما الكاريكاتير فقد دخلت إلى عالمه عام 1982 إثر الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وكان عمري آنذاك قرابة 13 عاما. ووجدت في الكاريكاتير أفضل طريقة للتعبير عن الغضب والسخط عما يدور سيما أن السخرية في الموضوع تمكن من توظيف الأدوات الفنية لصالح الفكرة والخروج بموقف، فكان الكاريكاتير الأفضل والأقرب. ومع الوقت تطور رسم الكاريكاتير حتى كانت بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 الباعث الأساسي لاحترافي، ثم بعد ذلك بدأت بنشر رسوماتي في الصحف، وكان أولها صحيفة "المحرر" العربية الصادرة في العاصمة الفرنسية باريس.
* لماذا الكاريكاتير تحديدا؟
- الكاريكاتير -كما ذكرت لك- ارتبط بموقف في حياتي، وهو اجتياح لبنان عام 1982. سائر الفنون يمكن للفنان من خلالها أن يتخذ موقفا، لكن الكاريكاتير موقفه دائما أنصع، موجه للجمهور، وتعقبه ردة فعل مباشرة وسريعة، فيه قدرة على التعبير أكثر، وفي نفس الوقت يعبر عن جوانب يومية للمواطن العربي الذي بطبيعته يتوق إليها في ظل إحباطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو بالتالي يريد أن يخرج بشيء يجلب له الابتسامة ويسخر من واقعه. وتجربة المواطن مع الكاريكاتير لها مصداقية، وبالتالي وجدته أقرب لنفسي وللجمهور. وألفت الانتباه هنا إلى أنه قد يصعب على أي متلقٍ أن يتداول اللوحة التشكيلية، لثمنها الباهظ بالنسبة له، أما الكاريكاتير فهو مادة يسهل الحصول عليها وغير مكلفة.
* ما هو وجه الإبداع في الكاريكاتير؟
- هناك أكثر من جانب؛ أولا: جانب له علاقة بالقدرة على قراءة الحالة، وتوظيفها على شكل عمل فني. بالدرجة الأولى وبالضرورة يجب أن يكون الكاريكاتير مرتبطًا بالمتلقي، وعاكسًا لهمومه، ومنصتًا لحركة الشارع بتوجهاته وأحاسيسه. الإبداع يأتي من قدرة رسام الكاريكاتير على تحويل الهاجس اليومي للشارع إلى عمل فني بسيط سهل بخطوط قليلة يعرض قضية بمجملها ويخرج بموقف. الجانب الآخر يتعلق بالتقنية الفنية التي تمكن اللوحة الكاريكاتيرية من الوصول إلى المتلقي بسهولة، وتكون أكثر متعة وجمالا، وهنا تأتي أهمية الإبهار والجمال البصري لإجبار المتلقي على أن يتوقف عند الكاريكاتير ويقرأه.
* هل تعتقد أن الإبداع يحتاج إلى فرصة؟
- نعم بالضرورة، أنا متأكد من أن هناك كثيرين من فناني الكاريكاتير مغمورون وغير متواجدين على الساحة؛ لأنه ببساطة لا توجد فرصة حقيقية لظهورهم، فالمنبر غير متوفر لهؤلاء. وهذا الفن متعلق بالحدث اليومي؛ ولذلك فمن الصعب إذا لم يكن هناك منبر يوجه فيه رسام الكاريكاتير خطابه اليومي أن يستمر، ويبدأ الفنان عندئذ بالتلاشي، وربما التحول من فن لآخر.
* كيف تقيم حضور المواهب الشابة في هذا المضمار؟
- أنا متفائل بحضور الشباب في هذا المضمار؛ بل هناك مواكبة مختلفة وتطوير مختلف على الصعيد التقني؛ فالكاريكاتير لم يبقَ على حاله، ومطلوب منك أمام كل هذه الثورة أن تقدم شيئًا جديدًا، والاستفادة من كل ما هو متاح لخدمة الفكرة، والآن هناك قدرة للشباب على الاستفادة من الإنترنت في نشر ما لم يُتَحْ نشره في أي مكان آخر.
وأعتقد في هذه المرحلة بالذات ظهر جيل جديد استفاد من تجربة فنانين كبار رواد في فن الكاريكاتير، وبالتالي فإن هذا العامل إلى جانب الواقع السياسي الذي عاشه هذا الجيل أعتقد أنه صقل موهبة مجموعة من الشباب باتجاه الرسم تفوق العمر الزمني على تجسيد الحالة. ولا يمكن إغفال تأثر الجيل الجديد من رسامي الكاريكاتير بتجربة الفنان "ناجي العلي". هذه التجربة شكلت إضاءة حقيقية لجيل كامل من الرسامين؛ فهي أكسبت رسام الكاريكاتير مصداقية واحتراما؛ وذلك نتيجة الموقف الواضح الذي قدمه "ناجي العلي"، ودفع ثمنه. وادعى أن جميع رسامي الكاريكاتير لا بد أنهم توقفوا في مرحلة من المراحل عند مدرسة "ناجي العلي"؛ إذ لم أقل: إنهم خرجوا من عباءته، ومنهم من أخذ أسلوبه المستقل، وشكّل حالته الفنية، ومنهم من حاول وبقي ضمن إطار نفس التجربة.
* هل من السهل الاحتراف أمام الشباب في هذا المجال؟
- المهمة شاقة ومتعبة، وتحتاج إلى صبر؛ لأن الذي يسعى لها سيصطدم بالكثير من الحواجز؛ أولها الهم المعيشي، والانتظار طويلا إلى أن يصل إلى مرحلة الاحتراف، فضلا عن اجتياز حواجز الاستقطاب السياسي والشللية. وعلى الصعيد الفني يحتاج إلى وقت طويل لصقل أدواته والعناصر الفنية والخط واللون؛ أي باختصار المشهد المتكامل وتشكيل نموذجه الخاص في الكاريكاتير حتى لا يكون نسخة من فنان آخر.
* هل هناك تجربة شخصية في رسوماتك شكلت علامة فارقة في رسم الكاريكاتير؟
- نعم، وأول رسمة رسمتها كانت لمواطن عربي ظله ينعكس على شكل مخبر يسير معه، ويتعقبه في الشارع وفي كل مكان، نُشرت حينها في صحيفة "المحرر" الصادرة في باريس، وكان عمري 18 عاما. أيضا الكاريكاتيرات التي تناولت الانتفاضة والشهيد "محمد الدرة" شكلت منعطفات ودلالات من القارئ إلى الطريق الذي ينبغي أن أسير إليه.
* ما الذي يفرض عليك رسم كاريكاتير؟ هل هو الظرف السياسي أم ماذا؟
- الحدث بشكل دقيق هو ما يوجه رسام الكاريكاتير؛ فلا أعتقد أن الجمهور مستعد أن يشاهد في ظرف مثل الانتفاضة أي كاريكاتير ساخر ليس له معنى أو دلالة، بالتالي إذا ذهب رسام الكاريكاتير في هذا الاتجاه؛ فهو يعزل نفسه تلقائيا عن جمهوره، والنتيجة أن العمل الفني فاشل.
هذا فضلا عن عوامل أخرى كانعكاس الحدث على الفنان نفسه وتأثيره عليه، والأحداث كالبوصلة تضع الفنان ضمن إطار رؤية معينة يعبر عنها كاريكاتيريا.
وكوني مواطنًا عربيًا لا يمكنني أن أتغاضى مثلا عمّا يحدث في فلسطين، أو في العراق، أو في لبنان، وبالمفهوم الأعم الإنساني: كل هذا يوجهني سياسيا حتى لو لم أرد ذلك في مرحلة من المراحل. المجتمع العربي في همّ دائم.
* الجمهور يشاهد الكاريكاتير، ويتفاعل معه خلال دقيقة واحدة بالضحك أحيانا، أو البكاء - أحيانا أخرى، لكن لكل كاريكاتير حكايته مع رسامه؛ فكيف تبدأ معك الحكاية من لحظة ولادة الفكرة وحتى خروج المشهد؟
في البداية، أعتقد أن رسام الكاريكاتير الذي يستطيع أن يوقف المشاهد مدة دقيقة فعمله بلا شك ناجح. كل ما يكرّس من وقت وجهد الفنان من أجل إخراج الكاريكاتير من لحظة ولادة وتشكيل الفكرة إلى مرحلة البحث عن تقنيات هذه الفكرة وأدواتها، إلى مرحلة إيجاد عامل المفارقة إما بالسخرية وإما بالابتسامة وأحيانا بالمرارة. ويستغرق هذا العمل 4-5 ساعات. من خلال تفاعلي مع تفاصيل الحياة اليومية تنعكس مباشرة فكرة ما في ذهني، ثم مسألة التنفيذ والصبر على إخراج المشهد كما أراه في مخيلتي. ولا بد أن أشير هنا إلى ثمة ما يعيق الفكرة عندما يحاول الرسام الخروج بالفكرة من إطار الرقابة، وأجمل ما رُسم هو ما لم يُنشَر.
* ما الذي يجعل الكاريكاتير أقرب إلى الجمهور من أي نمط صحفي آخر؟
- ملامسته للخطوط الحمراء، وطرحه قضايا ممنوعة، وقدرته على النفاذ. قارئو الكاريكاتير -كما أسميهم- هم أكثر بكثير من قارئي المواضيع المكتوبة؛ لأنهم ليسوا بحاجة إلى جهد عالٍ ووقت طويل، ولأن المتلقي شبع من التحليلات السياسية، ومن المحاضرات التي تتعامل معه بشكل فوقي. أما الكاريكاتير فالمواطن يجد فيه ما يقوله هو في مجالسه الخاصة، ويستمتع في الكاريكاتير الذي يشرح الحالة السياسية بمفرداته البسيطة، وليس بمصطلحات صعبة معقدة، كما أنه يلامس شريحة أوسع من حيث الأعمار والمستويات الاجتماعية، وليس محصورا في النخبة.
* أنت جاد نوعا ما في رسوماتك الكاريكاتيرية، أليس الكاريكاتير مرادفا للنكتة؟
- هذه إساءة فهم للكاريكاتير بأنه يجب أن يهرج المسألة؛ فالكاريكاتير ليس مرادفا للنكتة، هذه الفكرة ساهم بعض الرسامين في تكريسها؛ فمثلا الناس ما زالوا حتى الآن يتداولون ويحتفظون برسومات "ناجي العلي"، وليس فيها ما يضحك بل العكس كل ما فيها مؤلم، ويدعو إلى الشعور بالمرارة والبكاء، ولم تحتفظ بكاريكاتير يحمل نكتة إلا ما ندر.
* النص الشعري والكاريكاتير عنصران ملحوظان في رسوماتك.. هل تحاول الخروج بجديد؟
- ما زلت أحاول الخروج بتجربة معينة، وهي إضافة النص الشعري للكاريكاتير. أنا أضيف النص عندما يكون جزءا من اللوحة الكاريكاتيرية، ولا أقحمه عليها استكمالا للمشهد. وأحرص على اختيار النصوص الشعرية القوية، خاصة عندما يكون الموقف قويا. وأضيف هنا أن انسجام النص مع الرسمة يصل إلى درجة أني أشتق خط النص من خط الرسمة نفسها. محبتي للشعر تجعله أقرب إلى ذهني من العبارة المحكية العادية. وهنا توظيف لعنصرين إبداعيين في عمل واحد؛ فمثلا في إحدى الرسومات وضعت في المشهد أفضل ما قاله العرب في مدح أنفسهم، وصورة الجنود الإسرائيليين وهم يجرون جثة أحد الشهداء في مدينة الخليل؛ فالمفارقة بين ما قاله العرب في الفخر والكبرياء، وهذا الموقف المؤلم.
|