|
كانت الانتخابات الفرنسية الرئاسية الأخيرة مفاجأة للجميع بكل المقاييس. فمن كان يتوقع أن تكون انتخابات الإعادة بين شيراك ولابان؟ بل من كان يتوقع أن يخسر جوسبان هذه الخسارة المخزية ويجبر على التواري إلى الأبد من المسرح السياسي الفرنسي بعد أن كان في أوج تألقه، حتى أنه أعاد اليسار إلى المشاركة في السلطة مع الانتخابات البرلمانية. كان معظم المحللين السياسيين يرشحونه لخلافة شيراك مثلما حدث مع شيراك الذي خلف ميتران.
وكانت المفاجأة الثانية في نتيجة الجولة الثانية حيث حقق شيراك انتصارًا ساحقًا غير مسبوق في التاريخ الفرنسي، بل الأوروبي المعاصر، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن نتائج الجولة الأولى كانت مفاجأة كبرى فقد أيد الجميع بلا استثناء شيراك ضد لابان الذي حصل تقريبًا على نفس نسبة الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى.
وتنوعت آراء المحللين السياسيين لتفسير هذه المفاجأة.. البعض رأى أن الصوت العربي الإسلامي لعب دورًا ضد جوسبان الذي أيد إسرائيل تأييدًا فاضحًا، وأن العرب والمسلمين، وهم نسبة لا يستهان بها، قد عادوا لتأييد شيراك في الجولة الثانية.
وهذا الرأي على وجاهته يعاني من نقيصتين: الأولى تتعلق برؤية الصوت العربي الإسلامي ككتلة موحدة تتحرك بوعي وهو أمر نرجوه كثيرًا، ولكننا لا نعتقد فيه الآن على الأقل. النقيصة الثانية تتعلق بطبيعة الانتخابات الفرنسية ذاتها التي تقوم على فكرة المرشح المنتمي لتجمع سياسي محدد أكثر من كونها تقوم على آراء شخصية أو عامة في شخص المرشح ذاته، بمعنى أن انتماء جوسبان لتكتل اليسار أهم بكثير من شخصية جوسبان ذاتها.
ملل من الوجوه التقليدية
كان ثمة رأي آخر يتعلق بأن الناخب الفرنسي قد مل من شيراك ومن جوسبان ومن كل السياسيين، وأنه يريد إعطاء إنذار للجميع، وجاء هذا الإنذار في صورة انتخاب لابان، بمعنى أن الناخب قال في الجولة الأولى: "ليتعظ الجميع وليغيروا من سياستهم وإلا فإننا سنلجأ للسيد لابان الذي لا يأخذه أحد مأخذ الجد".
هذا الرأي لا يفسر النتيجة بقدر ما يعيد صياغة ما حدث من وجهة نظر الناخب، فلماذا مل الناخب من جوسبان ومن شيراك؟ ولماذا السيد لابان؟ ولماذا لا يأخذه أحد مأخذ الجد؟ كل هذه الأسئلة على أهميتها لا تطرح في سياق الرأي الأخير، ولكنها تطرح نفسها ردًّا عليه. وأعتقد أن الإجابة على الأسئلة تفسر المفاجأة بشكل معقول.
نعم لقد مل معظم الناخبين في أوروبا كلها الوجوه التقليدية السياسية، وربما كان نجاح حزب اليمين المتطرف في هولندا بقيادة السيد جيم فورتاين "الذي اغتيل قبل الانتخابات مباشرة" دليلاً آخر على ما نقول. الناخب الأوروبي فقد ثقته في السياسة والسياسيين. لم تعد هناك حقًا فروق مميزة بين البرامج. لم يعد مفهوم اليسار يعني العدالة الاجتماعية والتنمية عن طريق الدولة والتأميم. ولم يعد مفهوم اليمين يعني الليبرالية وحرية السوق وتخفيف الضرائب. تقاربت برامج الكتلتين الكبيرتين وظهرت مفاهيم جديدة غائمة مثل "الطريق الثالث" الذي أطلقه السيد "توني بلير" دفاعًا عن سياسته التي يراها بعض أقطاب حزبه مشابهة تمامًا لسياسة المرأة الحديدية، أي بالتحديد لسياسة اليمين أو المحافظين الجدد الذين يمثلهم الآن السيد بوش والإدارة الأمريكية.
شبكة مفاهيمية جديدة
هذا الخلط في المفاهيم لا يقتصر على أوروبا فقط بل هو في كل أنحاء العالم، فمثلاً يقدم مفهوم "اليمين الجديد، أو المحافظين الجدد" باعتباره تعبيرًا عن سياسات ما يسمونها الرأسمالية الشعبية أو تحويل العمال إلى أصحاب مشروعات صغيرة منتجة، بمعنى آخر تعظيم عدد أصحاب المشاريع الصغيرة، وإنهاء فكرة المشروعات الرأسمالية الضخمة من أجل الوصول إلى حالة من التكافؤ الاجتماعي بديلة عن الاشتراكية المرفوضة التي فقدت معناها كما يرى الكثير من المحللين.
ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن هذا المفهوم يصلح للتطبيق كمفهوم عمومي على نطاق عالمي، بمعنى أن ثمة شبكة مفاهيمية كاملة تنطلق من هذا المفهوم وترتبط به مثل مفاهيم السوق والعولمة والديمقراطية ونهاية التاريخ... إلخ.
وتظهر هذه الشبكة المفاهيمية الجديدة بوضوح في محاضرات ومقالات وخطب أساطين اليمين الجديد، مثل: رامسفيلد، وكوندوليزا رايس، وديك تشين. وحتى في كتابات ومحاضرات من يدعونهم خبراء التحليل السياسي الأمريكي مثل لورانت مورافيتش الذي وصف مؤخرًا المملكة العربية السعودية بأنها "مهد لتفريغ البن لادنية". الوجه الآخر لهذه الشبكة هو الدعوة الصريحة للتدخل المباشر العسكري بل العودة لسياسات الإمبراطوريات القديمة، أي الاحتلال والهيمنة العسكرية، وهو ما تجلى في مشروع القانون المقدم للكونجرس الأمريكي الذي يطالب بالتدخل العسكري للإفراج عن أي جندي أمريكي يقدم للمحاكمة الدولية نتيجة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أثناء أداءه مهام دولية. هذا الخلط المفاهيمي وفقدان المعنى جعل الكثير من المحللين والباحثين يعتقدون أن العالم قد فقد عقله.
هل فقد العالم عقله؟
تتساءل العالمة الأنثروبولوجية الأسترالية فاندا رومسفيلد: "هل فقد العالم عقله حقًا؟ كيف يعيد الأستراليون انتخاب شخص مثل هوارد، وهو الذي يضطهد الأجانب ويعاملهم أفظع معاملة، وأدت سياسته العنصرية المتعصبة إلى فقدان أستراليا ملايين الدولارات لمعالجة الآثار النفسية الناجمة عن معسكرات الاعتقال النازية التي يوضع فيها أولئك الفارين من بلادهم واللاجئين لأستراليا؟".
وتستطرد فاندا: "كان من المعروف عن المواطن الأسترالي الحكمة والانفتاح ورفض العنصرية بل الميل إلى اليسار دومًا، ولكن ها نحن نرزح تحت حكم المحافظين الجدد لفترة أخرى ودون أدنى تحسن في أداء الاقتصاد الأسترالي.." ثم تكمل: "إنها سياسات التخويف والتهديد التي تلجأ إليها الحكومة اليمينية… لتقدم نفسها كمنقذ لأستراليا من أولئك البرابرة القادمين من الشمال". بالمثل يرى المفكر الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي "أن سياسة السيطرة على فكر الجمهور العام عن طريق الإرهاب باستخدام أفكار جنونية مرعبة هي الوسيلة الناجعة لجعل الناس تتبنى سياسات ضد مصالحها".
ويقول المفكر السويدي يان ميردال: "إن سادة العالم الآن يحكمون من خلال استخدام الخوف والترويع كسلاح للوصول لحالة الخلط لدى الجمهور لكي لا يستطيع المواطن التفرقة بين مصالحه الحقيقية وبين ما يقدم له على أنه ضرورة لحمايته من ذلك الآخر المرعب الذي يريد أن يستولي على كل ما يملكه".
فقدان الرؤية
حالة فقدان الوعي والبصيرة والرؤية تتجلى في هذا الخلط المفاهيمي وهي نتيجة له، بمعنى أن العالم أصبح يعاني من دائرة مفرغة. فالواقع القائم يتغير بسرعة كبيرة ولفهمه نحتاج لأدوات، ولكن الأدوات التي تعين المواطن على فهم الواقع تؤدي إلى خلط وتعثر في الفهم، وهو ما يؤدي إلى حالة من فقدان الرؤية، وعدم القدرة على التعامل مع هذا الواقع الذي يتغير بسرعة وبالتالي نحتاج لأدوات للفهم للتعامل معه وهكذا...
وتصبح الترسانة المفاهيمية القديمة بلا فائدة مثلما الحال من المفاهيم ذات البعد الأيديولوجي التاريخي مثل مفهومي اليسار واليمين، ولكن المفاهيم الجديدة المقدمة لا تخلو من غموض وبالتالي لا تساعد على الفهم، ولكنها تجلب الخلط، وهكذا نعاني من حالة غياب الرؤية وعدم التحديد.
من الممكن أيضًا أن ترى أن حالة الاستقطاب الأيديولوجية التي كانت تسود العالم قبل انتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشيوعي قد فقدت وجودها الواقعي، ومن ثم انتهى دور المفاهيم التي كانت تسود معها والتي كانت تعبر عن الثنائية الاستقطابية مثل: يمين - يسار، رجعي - تقدمي، اشتراكي - رأسمالي.
بل نستطيع كذلك أن نقول بأن ثمة حالة من الرخاوة تسود العالم، وأن التحالفات الأيديولوجية السابقة قد فقدت معناها، بل إن التحالفات في ذاتها أصبحت أمرًا آنيًّا، وليس دائمًا أو طويل الأمد. إنها تحالفات مصلحية ولأسباب تتعلق برغبات كل حليف ومصالحه. وأن قدرة شركاء التحالف على إقناع الآخرين بأهمية التحالف تتعلق أساسًا؛ إما بقدرة الحليف الأساسي على الإجبار كما في حالة الولايات المتحدة، في تحالفاتها الدولية ضد ما يسمى بالإرهاب مثلاً. أو بقدرة الحلفاء على المناورة باستخدام مصالح معينة كما في حالة الشركاء الأوروبيين كفرنسا وعلاقاتها المتوسطية أو الإفريقية في إطار الفرانكوفونية. أو بقدرة حليف داخل التحالف على إعطاء مصالح ما لحلفاء أصغر مثلما حدث في مقدونيا، حيث تم الإنفاق بين الحكومة والمتمردين الألبان على أساس دعم اقتصادي أوروبي في مقابل حقوق سياسة للألبان؛ لأن أوروبا الموحدة أصبحت لا تريد قلاقل على أرضها أو بالقرب منها.
تهافت المفاهيم
نحن إذن نتعامل مع حالة من العملية الشديدة في العلاقات السياسية والدولية وحل المنازعات. ومن غير المجدي أن نستمر في قراءة العالم بنفس الطريقة القديمة وباستخدام نفس المفاهيم المستهلكة، الأهم أنه يجب ألا نعامل الشبكة الجديدة على أنها مستقرة وتعبر عن واقع آن وحقيقي. بل يجب أن نتعامل مع رؤاها ومع الأفكار العملية التي تعبر عنها بصرف النظر عن رؤيتنا لها.
ولقد رأينا فيما سبق تهافت مفهوم اليمين الجديد أو المحافظين الجدد، ولنحاول الآن تحليل مفهوم شائع حاليًّا هو "العولمة"، وهو أحد المفاهيم الرائجة التي ترتبط كما أسلفنا بشبكة مفهوم المحافظين الجدد". ثمة مفهوم آخر مهم يرتبط بمفهوم "العولمة" بشكل استقطابي هو مفهوم "مناهضة العولمة".
لو أخذنا المفهومين معًا لوجدنا أن ثمة تناقضا منطقيا يحكمهما وخاصة من خلال نظرة إسلامية أساسًا. كيف يمكن أن يكون المسلمون معادين للعولمة والإسلام دين عالمي دعوي؟ بمعنى أن معاداة العولمة على أساس قومي أو طائفي أو أيديولوجي لا تعني شيئًا من منطلق إسلامي يرى بالأساس أن المسلمين أمة واحدة ويرفض فكرة العنصرية القومية أساسًا.
وعلى أساس عملي سنجد أن مفهوم "معاداة العولمة" يشمل كل من يرفض فكرة هيمنة القوى الكبرى على العالم أو بمعنى أدق هيمنة الاقتصاد على مجالات الحياة الإنسانية، سواء كان هذا الرفض لسبب عقائدي روحي مثلما الحال مع المسلمين وغيرهم من رافضي الهيمنة الاقتصادية للمؤسسات الكبرى من مختلف الأديان، أو حتى لسبب اقتصادي مثلما الحال مع صغار المزارعين في فرنسا الذين يتضررون من فقدان أرزاقهم في مواجهة الشركات الضخمة التي تشن عليهم حربًا أسعار مدمرة.
سنجد من رؤية المفهومين معًا ومن نقطة مختلفة أن ما نرفضه في فكرة العولمة أو "تحول العالم لوحدة واحدة" هو سيطرة قوة محددة بفكر محدد على هذه الوحدة وتحويلها لمصلحتها. ربما هذا هو ما حدا بالعديد من الكتاب الإسلاميين إلى رفض مفهوم العولمة ومحاولة تقديم "العالمية" كبديل، وهذا التلاعب اللغوي هو دليل آخر على غياب المفاهيم، وفقدان القدرة الحقيقية على استخدام الأدوات العالمية لتحليل الواقع السريع التغير.
الخلاصة.. أن التغير الحادث في العالم الآن يتطلب من الجميع إعادة النظر في الأدوات التحليلية المستخدمة لفهم الواقع ويتطلب كذلك التعامل مع الواقع بنظرة أكثر عملية وأقل أيديولوجية، ترفض في الأساس فكرة أن ثمة استقطابا دائما يؤدي إلى معركة صفرية أي معركة تنتهي بهزيمة أحد القطبين. فمعاداة العولمة أو مناهضة الهيمنة تتطلب الدعوة العالمية وتوحيد مختلف القوى على أساس عملي لمناهضة الحالة العملية التي نرفضها على أساس مصلحة عامة توحد مصالح خاصة. وقبول عملية العولمة على أساس عقيدي أمر حتمي؛ لأن العملية ليست أمرًا نرفضه أو نقبله، ولكنها حالة نفهمها ونتعامل معها باستخدام ترسانتنا المفاهيمية التي تتماشى تمامًا مع رؤية العمليات والتغير، وترفض الجمود المفاهيمي والتحجر الأيديولوجي.
|