في منتصف تشرين الثاني / نوفمبر 1999م أجاب وزير الإعلام السوري محمد سلمان على تساؤلات الصحفيين بشأن الدور الحقيقي لبشار الأسد بعد استقباله من جانب الرئيس الفرنسي جاك شيراك دون أن يكون له منصب رسمي، فقال: إنه ليس الوحيد الذي يتحرك ديبلوماسيًا دون أن يكون له منصب رسمي، وأضاف: "هناك دستور في سورية، وقانون ينظم دور المؤسسات، وتسليم أي شخص أي منصب. لذلك عندما تصل الأمور إلى درجة أن يسمى الدكتور بشار الأسد في أي موقع مسؤولية ستجتمع القيادة المنوط بها اتخاذ هذا القرار" .. وكأنما حان الوقت فعلا الآن !..
ولكن كيف جرى ويجري الإعداد -في ظل حكم جمهوري رئاسي- لانتقال السلطة من الأب حافظ الأسد إلى الابن بشار الأسد ؟..
الطبيب .. العقيد الركن
حتى عام 1994م لم يكن يسمع أحد عن الشاب الذي كان في حدود الثلاثين، وأصبح في هذه الأثناء العقيد الركن بشار الأسد .. ولم يعرف هو من قبل سوى الحياة في " قصر الرئاسة " فقد كان طفلاً في السادسة من عمره عندما اعتلى حافظ الأسد السلطة عام 1970 م؛ على رأس انقلاب عسكري أنهى سلسلة من الصراعات بين أجنحة حزب البعث العربي الاشتراكي، وقضى على البقية الباقية من الرفاق الحزبيين القدماء والقيادات التاريخية للحزب، سجنًا أو نفيًا، وقضى بشار سنوات طفولته في مدرسة " الحرية " الفرنسية في دمشق، ثم درس "طب العيون" في مستشفى تشـرين العسـكري في العاصمة السورية أيضًا، بين عامي 1988 و 1992 م ورحل إلى لندن للتخصص.
وكان في منتصف فترة التخصص عندما مات أخوه باسل في حادث سيارة في عام 1994 م فعاد إلى دمشق ..
وبينما اتخذ إعداد باسل لخلافة أبيه في الرئاسة مجراه بصورة بطيئة اعتيادية نسبيًا، كان لا بد من إعداد بشار كبديل بصورة سريعة، فمنذ الأزمة الصحية الحادة التي أصابت الرئيس السوري عام 1983م لا تنقطع التكهنات عن حقيقة وضعه الصحي، وقد تضاعفت في الآونة الأخيرة بصورة ملحوظة.
وجرى الإعداد على عدة مستويات، سياسية داخلية، وسياسية خارجية، وعائلية، وعسكرية .. وشخصية أيضًا.
كان على طبيب العيون أن ينتقل إلى الحياة العسكرية سريعًا في بلد يلعب الجيش فيه دورًا حاسمًا على الصعيد الداخلي، وهذا ما يعلمه بشار الأسد، وإن أكد على ذلك من زاوية المواجهة مع العدو الإسرائيلي عندما قال أثناء زيارة له في الإمارات العربية المتحدة: "في الوقت الحالي ولكوننا دولة مواجهة يجب أن ينصبّ الاهتمام على الجيش والقطاع العسكري".
وعلى أية حال يصعب القول بوجود خبرة عسكرية له عندما ترك التخصص في طب العيون، واستلم فور عودته إلى دمشق عام 1994م منصب قائد كتيبة دبابات، وجاءت ترقيته سريعًا فأصبح "مقدم ركن" عام 1997م، ثم عقيد ركن في أول أيام عام 1999م، ضاربًا بذلك رقمًا قياسيًا في سرعة الترقيات العسكرية، ومتجاوزًا الضباط الأقدمين والمحدثين في الجيش السوري، وهذا جزء من الإعداد لا يمكن تفسيره بانتساب بشار الأسد عام 1994 م إلى الكلية العسكرية في حمص، فعلى النقيض من الضباط في تلك الكلية حيث لا يستطيع أي منهم مزاولة عملين في وقت واحد، كان إعداد بشار الأسد للدور المقرر له يقتضي أن يقوم بعدد من المهام الأخرى .. على الهامش.
من بيروت .. إلى باريس
وكانت المهمة الرئيسية الأولى تجمع المواصفات السياسية العسكرية، الداخلية والخارجية، فتشابك العلاقات السورية-اللبنانية، والوجود السوري السياسي والعسكري في لبنان، يجعل من تسليم بشار الأسد "ملف لبنان" الشائك، قرارًا يضعه في مفصل رئيسي من مفاصل السياسة السورية، وحتى العربية والدولية، ومفصل رئيسي أيضًا من شبكة العلاقات بين القيادات العسكرية وأجهزة المخابرات والأجهزة السياسية في سورية.
ومنذ عام 1995 م لم يعد لبنان يشهد حدثًا بارزًا دون إبراز اسم بشار الأسد ودوره فيه، بدءًا بالخلاف حول الانتخابات اللبنانية الرئاسية، والقول إنه لعب دورًا حاسمًا في وضع العماد إيميل لحود في المقدمة، وانتهاءً بالعدوان الإسرائيلي الأخير على البنية التحتية في لبنان، وقيام بشار الابن وليس الرئيس السوري بنفسه، باتصال هاتفي بالرئيس اللبناني يوم 8/2/2000 م وتبليغه أن سورية تريد الإسهام في إعادة بناء ما دمّره القصف الإسرائيلي من منشآت مدنية.
ومن المعروف أن لبنان يمثل أحد المفاتيح الرئيسية للسياسة الفرنسية في المنطقة، ولرغبة باريس في تثبيت أقدامها من جديد بعد أن احتلت واشنطون مكانها منذ زمن بعيد، لم يكن غريبًا أن تكون فرنسا هي الدولة الأولى والوحيدة من بين الدول الغربية منذ عام 1976م التي يقوم الرئيس السوري بزيارتها في تموز/ يوليو عام 1998م، حتى إذا بدأ الإعداد لاستئناف المفاوضات السورية-الإسرائيلية في نهاية العام الميلادي الماضي، وظهرت رغبة باريس في أن يكون لها دور التأثير على الحدث على الأقل .. سنحت الفرصة لخطوة حاسمة أخرى على طريق إعداد الابن لخلافة الأب في الرئاسة، فإذا به يقوم بجولة شملت عددًا من البلدان الخليجية والأردن، وتوَّجتها زيارته لباريس حيث خصص الرئيس الفرنسي جاك شيراك للقائه ساعتين ونصف في قصر الاليزيه في 7/11/1999 م، ثم قبل انقضاء الشهر نفسه برز اسمه كأحد المسؤولين السوريين الرئيسيين في المحادثات التي أجراها المبعوث البريطاني مايكل ليفي في دمشق .. كما تردد اسمه باعتباره الشخص الأنسب لتهدئة الموقف الإيراني عند استئناف المفاوضات على المسار السوري-الإسرائيلي، والذي بلغ درجة قول مرشد الثورة الإيرانية خامنئي: "إن كل تفاوض مع الكيان الصهيوني يعد خيانة"، مشيرًا إلى أن بعض الدول "الثورية" سابقًا تسلك هذه الطريق.
هذا وسواه .. يؤكد الإعداد المحكم المسبق لعملية الانتقال -التي بدت وكأنها مفاجئة- من مرحلة الحديث عن بشار الأسد بصيغة طرح التساؤلات، إلى مستوى التحرك المباشر لوضعه في الصدر من مسرح الأحداث، وهو ما برز للعيان في الربع الأخير من عام 1999م عندما بدأت صوره وتصريحاته ومواقفه وطموحاته السياسية وتطلعاته "الإصلاحية" تتصدر وسائل الإعلام السورية وبعض وسائل الإعلام العربية. وكان من المواقف التي اعتبرت مؤشرا على ما اجتمع له من " خبرة " سياسية، قوله بعد الاجتماع مع شيراك: "إن الدور الذي يمكن أن تقوم به أوروبا في غاية الأهمية، ونحن نأمل أن يكون فعالاً"، وهو "دور مكمل لدور الولايات المتحدة الأمريكية وليس مناقضًا له" .. كما كان من المواقف التي تبين إدراك القوى السياسية الدولية للموقع الذي احتله بشار الأسد سريعًا في الساحة السورية قول دو شاريت، وزير الخارجية الفرنسي السابق في دمشق، عن لقاء بشار الأسد وجاك شيراك، إنّه يعتبر "مؤشرًا إضافيًا على أن نجل الرئيس الأسد يتعمّق بقوة وبوضوح أكبر، في المسائل ذات الأهمية بالنسبة إلى مستقبل سورية".
عقبات عائلية
منذ نهاية 1999م لم يعد يوجد شك عند المراقبين أنّ التركيبة السياسية السورية ستشهد تعديلا يسفر عن وضع بشار الأسد في منصب حاسم .. واقتصرت التساؤلات على: متى يتخذ القرار؟.. وهل سيحصل على منصب نائب الرئيس أو منصب مبعوث دولي؟.. أو سـوى ذلك مما يفسـح له المجال للتحرك على أكثر من ساحة في وقت واحد ..
وكان قد تمّ ضمان الساحة العسكرية لصالحه، بإجراءات شملت التسريحات المباشرة والإحالة إلى التقاعد بالجملة خلال السنوات الماضية في صفوف كبار الضباط، ولعبت في ذلك المخابرات العسكرية دورًا رئيسيًا، وهي أحد الأجهزة المتعددة التي لا تلتقي خيوط إدارتها إلا عند رئيس الدولة نفسه، ويرأس المخابرات العسكرية عاصـف شوكت، البالغ من العمر 37 عامًا، وهو على علاقة وثيقة ببشار الأسد، كما أنّه زوج بشرى الأسد، الشقيقة الوحيدة لبشار .. بينما لا يبدو أن مفعول أواصر القرابة والصلة الوثيقة تشمل الشقيق الأصغر ماهر الأسد، هذا إذا صح ما تناقلته الصحف الفرنسية كصحيفة ليبيراسيون ، بشأن إطلاق ماهر النار على صهره شوكت في خلاف عائلي .. وربما أكبر من عائلي، وعلاج الأخير في دمشق ثم في مستشفى " فال دوغراس " العسكري الفرنسي في مطلع تشرين الثاني / نوفمبر الماضي .. تحت ستار كثيف من الكتمان.
وتمتد الخلافات العائلية تلقائيًا إلى الأجنحة المتعددة في طائفة العلويين، ولا تستثني بتأثيرها مراكز القوى الأخرى من خارج نطاق الطائفة أيضًا .. ومن أشد تلك الخلافات ما يرتبط برفعت الأسد، عمّ بشار الذي كان صاحب النفوذ الأكبر في سورية في السبعينيات على رأس "سرايا الدفاع"، وقد اعتبر هو المسؤول الأول عن التذمر الشعبي الكبير الذي مثل التربة الخصبة لما اندلع في نهاية السبعينيات الميلادية من أحداث دامية بين الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين وأنصارها من جهة، وأجهزة الدولة الأمنية والعسكرية من جهة أخرى. وكانت ممارسات سرايا الدفاع قد بلغت من قبل مداها، وأثارت السخط الشديد على ما شملته من مختلف ألوان الفساد والاعتداء على الممتلكات وانتهاك الأعراض.
ولا ريب أن تلك الأحداث كانت أكبر خطر هدد زعامة حافظ الأسد طوال السنوات الثلاثين الماضية، كما أنها في مقدمة ما يفسـر "الانقلاب من الأعلى" على رفعت الأسد، واضطراره بعد حل "سرايا الدفاع" وتجريده من قوته الرئيسية إلى العيش في المنفى منذ عام 1986م، ولكن دون إغلاق الباب في وجهه نهائيًا، رغم تجدّد الخلافات أكثر من مرة، إلى أن احتدمت أشد ما يكون عامي 1998 و1999م، وهذا ما يتصل على الأغلب بظهور بشار الأسد ومنافسته لعمّه فيما كان يحلم به من استعادة كامل نفوذه السابق ..
وانتهت الخلافات بإقالة رفعت الأسد من منصب نيابة الرئيس عام 1998م، رغم أنه لم يكن يمارسه ممارسة فعلية، ولكنه كان منصبًا رسميًا يسمح له بالإبقاء على شبكة عسكرية ومالية يعتمد عليها داخل سورية، ثم كانت القطيعة الشاملة عام 1999م، بعد أن ازداد ظهور دور فضائية "شبكة الأخبار العربية" بإدارة سومر الأسد -ابن رفعت الأسد- في التشويش على الحكم السوري، وكذلك بعد الانزعاج من التحركات التي أجراها رفعت وابنه وشملت زيارات للمغرب ومصر وغزة خلال فترة وجيزة .. ويبدو أن هذا بعض ما ساهم في قرار التعجيل بظهور بشار الأسد على المسرح العربي والدولي، وقد سبقته مباشرة أحداث شهر تشرين أول / أكتوبر الماضي، بحملة أمنية وعسكرية كبيرة على معقل رئيسي لرفعت الأسد في اللاذقية، قتل فيها العشرات، ورافقتها موجة اعتقالات واسعة النطاق في اللاذقية وسواها، شملت حتى بعض الأقرباء من عائلة الأسد، وطالت عددًا كبيرًا من العسكريين، ويقدر عدد المعتقلين بالمئات.
ولم يعد يقف في وجه الخطوة الأخيرة على طريق خلافة بشار لأبيه عائق عائلي أو عسكري أو سياسي داخلي.
طموحات مستقبلية
صحيح أن بشار الأسد كما وصفه وزير الإعلام السوري محمد سلمان: "عضو في حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو شاب أصبح معروفًا في سوريا من خلال عمله ونشاطه" .. ولكن هل تسنح الفرصة لكل عضو في الحزب -ناهيك عن كل شاب نشيط طموح- أن ينتقل من المقعد الجامعي إلى صالات السياسة العليا وأركان القيادات العسكرية كما كان مع بشار الأسد ؟..
ويبدو أن هذا " الانتقال المفاجئ " هو أحد العناصر المشتركة في صداقته الحميمة مع العاهل الأردني عبد الله بن الحسين، الذي وصل إلى السلطة أيضا بصورة مفاجئة .. وكان من أحاديث الأخير عن " جيل الحكام الشباب الجدد في البلدان العربية " دون أن يستثني بشار الأسد في المستقبل، قوله: "إننا نشترك في أمور كثيرة .. أغلبنا تعلم في الغرب، ولذلك نحن أقرب بكثير إلى التحول الذي يشهده العالم حاليًا؛ لأن الاقتصاد العالمي جيل جديد وثقافة جديدة" ..
وبشار الأسد حريص منذ عودته إلى سورية على أن يظهر في موقع من يعمل على تطوير الأوضاع بروح " الشبيبة " .. وقد استلم رئاسة الجمعية السورية للمعلوماتية، التي تعتبر المركز الوحيد لفتح البلاد أمام أحدث التقنيات في عالم الاتصالات الإلكترونية بما فيها شبكة العنكبوت العالمية، ولم يفتح الباب حتى الآن إلا أمام إدارات رسمية وإعلامية وبعض الشركات والمؤسسات للوصول إلى الشبكة، في حدود 1500 جهة، ويبدو أن فتح الباب بصورة شاملة أمام عامة السكان قد تُرك إلى ما بعد اسـتلام بشار الأسد منصبًا رسميًا، ليكون في رصيده إلى جانب اتخاذ القرار بإصلاحات عديدة أخرى باتت شديدة الإلحاح .. وكان قد انتشر التذمر في الأوساط التجارية السورية من وجود سلسلة من مشاريع القوانين الجديدة التي أُجِل البت فيها دون الإعلان عن سبب ما.
وتؤكّد وسائل الإعلام السورية أن حديث بشار الأسد عن إصلاحات اقتصادية إنما يقصد به القطاع العام .. وهو موضع الشكوى الرئيسية في الأوساط الاقتصادية والتجارية وأوساط عامة المواطنين داخل سورية، وكانت قد صدرت قوانين جديدة عام 1991 م للتشجيع على الاستثمار وتحرير القطاع الخاص، وسرعان ما احتل مكانته بنسبة 67 % من الاقتصاد السوري عام 1992م، ولكن استمرار القيود القانونية والعراقيل البيروقراطية جعلته يتراجع من جديد إلى 41 % عام 1998م ، ويحتاج إصلاح هذا الوضع إلى تحرك فعلي، أصبحت وسائل الإعلام تربطه بدور منتظر من بشار الأسد، الذي أعلن قبل شهور في الإمارات: "ستتم معالجة كل المشكلات خصوصًا مشكلة النقد وسوق الأوراق المالية، وتحديث الإدارات وإعادة هيكلتها استعدادًا لدخول الألفية الثالثة، لكن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث فجأة" .. وأضاف أنه يريد: "إحداث إصلاح اقتصادي وإداري بشكل جاد وجريء وسريع"، وقال عن سورية التي يعيش فيها 16 مليون نسمة يزيدون بمعدل نصف مليون سنويًا .. "إنّها تتجه بخطى متسارعة لدخول العولمة والألفية الثالثة" .. ولكن بدأت الألفية الثالثة ولم تقع الإصلاحات، في بلد قد يشير إلى أوضاعه الاقتصادية وموقعه العالمي في هذا المجال ما شهدته عملته من تدهور شديد .. وكان الدولار الأمريكي يعادل ليرة سورية ونصف الليرة عام 1970م عندما استلم حافظ الأسـد السلطة، وأصبح يعادل زهاء 50 ليرة سورية الآن .. أي في وقت كثرت فيه مؤشرات استلام الأسد الابن للسلطة، بعد أبيه البالغ من العمر 69 عامًا