|
ترك الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض بعد ثماني سنوات كانت عجافاً على العالم العربي ومناً وعسلاً لإسرائيل والاقتصاد الأمريكي.
وسيظل اسم كلينتون مرتبطاً في الأذهان بالعديد من الذكريات الأليمة؛ استمرار الغارات الجوية والحصار الاقتصادي على الشعب العراقي، ولجان نزع أسلحته، وفرض الحصار على ليبيا ومحاكمة اثنين من مواطنيها بحجة تفجير طائرة أمريكية فوق بلدة لوكيربي، وشن غارات جوية على أفغانستان والسودان تحت ذريعة معاقبة أسامة بن لادن، وذكريات ماكرة على ما يسمى بالعملية السلمية في الشرق الأوسط، والتي شهدت في عهده التوقيع على اتفاق أوسلو ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية في وادي عربة.
قبل الرئاسة
كانت "وود روجر" حاملاً في الشهر الثالث حينما جاءها خبر وفاة زوجها جيفرسون بلايث في حادث مروري بولاية أركانساس .. تجاوزت أحزانها سريعاً لتستقبل مولودها الجديد الذي جاء إلى الدنيا في الـ 19 من أغسطس 1946.
وحينما أصبح وليام في سن تؤهله للالتحاق بالمدرسة الابتدائية نسبته والدته إلى عائلتها "كلينتون" فاشتهر منذ تلك اللحظة بهذا الاسم.
براءة الطفولة
كان بيل كلينتون تلميذًا مجتهداً أحب العزف على آلة الساكسفون، وكتب إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي طالباً مقابلته وأخذ صور فوتغرافية معه، وأتيحت له تلك الفرصة في حديقة البيت الأبيض، وكان وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وتمنى في تلك اللحظة أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، وتحقق الحلم .. ومن العجب أنه أصبح ثاني أصغر رئيس لأمريكا بعد كينيدي نفسه الذي التقط الصور معه.
دراسة القانون
تخصص كلينتون في دراسة القانون وتخرج في جامعة يل عام 1973، لكنه قبل ذلك قد حصل على درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية من جامعة "جورج تاون"، وعلى منحة دراسية لمدة عامين في أكسفورد.
وفي "جورج تاون" تعرف على زوجته الحالية "هيلاري رودهام" التي أنجب منها ابنته الوحيدة شلسي، وبدا أن حياته تتجه بعيداً عن السياسية بعدما أصبح مدرساً للقانون في جامعة "أركانساس" مسقط رأسه.
الطريق إلى البيت الأبيض
لكن بريق العمل العام جذبه، فرشح نفسه في انتخابات مجلس الولاية عام 1974، ولم يحالفه الحظ، وبعد عامين أعاد ترشيح نفسه فنجح هذه المرة، ودفعه طوحه لمحاولة الترشح لمنصب حاكم عام الولاية، وفوجئ بنجاحه في عام 1978، لكنه لم يحقق إنجازات تشجع الناخبين على إعادة انتخابه للمرة الثانية، فظل بعيداً عن الأضواء لمدة أربع سنوات، إلى أن حان موعد الترشيح الجديد للمنصب نفسه، ونجح "بيل كلينتون" واستمر حاكماً لأركانساس حتى عام 1992. وفي ذلك العام قرر كلينتون أن يدخل المعركة الانتخابية على منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، واستطاع هزيمة "جورج بوش" والد الرئيس الحالي "جورج الابن" الذي سيستعيد منصب أبيه بعد ثماني سنوات، وأصبح "بيل كلينتون" منذ عام 1992 الرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة.
ازدادت شعبية "بيل كلينتون" الداخلية بفضل الانتعاشة الاقتصادية التي لم تشهدها الولايات منذ عقود طويلة، فلأول مرة تنخفض نسبة البطالة في المجتمع الأمريكي إلى أدنى معدلاتها، وفي المقابل زادت فرص العمل وفتحت أسواق جديدة أمام المنتجات الأمريكية كانت أهمها السوق الصينية والروسية وأسواق الجمهوريات الإسلامية التي كانت ضمن منظومة الاتحاد السوفيتي سابقاً، وقلت كذلك نسب الجريمة وأعمال العنف، وارتفعت مستويات الخدمات الصحية.
لكن الأمور لم تسر على الوتيرة نفسها فوقعت بعض الأحداث الداخلية التي كادت أن تطيح بمستقبله السياسي، أبرزها تلك الفضيحة التي لاكتها وسائل الإعلام كثيراً، وهي فضيحة التحرش الجنسي بموظفة البيت الأبيض "مونكا لوينسكي"، فقد رفعت عليه دعوة قضائية تتهمه فيها بأمور جنسية لا داعي للدخول في تفصيلاتها، ومثل كلينتون أمام المحكمة، وأقسم أنه لم يفعل، وبعد أن أخذت التحقيقات مجراها ثبت للمحكمة صدق "مونيكا" فيما ادعته، وهنا غضب الرأي العام الأمريكي من رئيسه، لا لأنه تورط في فضيحة أخلاقية، ولكن لأنه حنث باليمين، واهتزت ثقة كلينتون بنفسه كثيرًا لولا النصائح النفسية لصديقه زعيم جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا الذي يقول عنه كلينتون " إن أحداً لم يقف بجواري في تلك المحنة كما وقف مانديلا، وكانت لنصائحه أكبر الأثر في تجاوز تلك الأزمة، فقد كانت أول الدروس التي علمنيها بمجرد أن قابلني في البيت الأبيض هي قوله: " إن الطريق الوحيدة التي ستجعل هذه الأمور تقضي عليك، هي أن تسمح لها أنت بأن تقضي عليك، وعليه يجب أن تحتفظ بهدوئك النفسي واتزانك العقلي، ودع الأمور تسير وسوف يأتي عليها وقت تصبح ذكرى.." وراح نيلسون مانديلا يقص عليه بعضًا من تجاربه في سجون جنوب أفريقيا التي قضى فيها 27 عاماً وكيف أن سجانيه عذبوه لكنهم لم يتمكنوا من التأثير في قلبه وعقله.
على المسرح الدولي
ولم يكن مسرح السياسية الخارجية بأفضل حالاً من فضيحة "لوينسكي"، فيؤخذ على الرئيس الأمريكي المنصرف، تردده الطويل قبل أن تتدخل القوات الأمريكية في البوسنة وكوسوفا، هذا التردد أفسح المجال للسفاح اليوغسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش الذي أطلق ذئاب الصرب على مسلمي البوسنة لتفتك بأكبر عدد منهم قبل أن تفرض القوات الأمريكية سيطرتها على الوضع هناك.
أما في العراق فقد اختلفت الصورة تمامًا، فرأينا كلينتون المتردد في البوسنة وكوسوفا سريع الغضب والحمية في العراق، فشدد قبضته في الحصار المفروض على هذا الشعب العربي المسلم منذ حوالي عشر سنوات للدرجة التي جعلت راتب أستاذ الجامعة على سبيل المثال لا يكفي إلا لشراء عشرة كيلو جرامات من أردأ أنواع الدقيق في الشهر، ووجدت مئات الآلاف من الأطفال لا يعرفون الحليب والأدوية الضرورية لعلاجهم ناهيك عن أشياء رأوها فقط على شاشات التلفاز مثل الحلوى والشيكولاتة، وقسم البلاد إلى ثلاثة أقسام حظر على الطيران العراقي الاقتراب من اثنين منها، منطقة كردية في الشمال وأخرى شيعية في الجنوب، ولم تتوقف الغارات الجوية التي يشنها الطيران الأمريكي انطلاقاً من قاعدة "إنجرليك" في جنوب تركيا ( دولة الخلافة الإسلامية .. سابقًا ) أو من إحدى دول الخليج التي تستضيف على أراضيها وفي مياهها قوات أمريكية كبيرة حتى الأيام الأخيرة لوجوده في البيت الأبيض.
يقول كلينتون في حوار أجراه معه مراسل مجلة "نيوزويك" ونشرته مترجماً مجلة "وجهات نظر" المصرية في عدد يناير 2001 بمناسبة خروجه من البيت الأبيض ".. كنت دائم الانشغال بالتفكير في الصراع الدائر حول متى نتخذ قراراً بضرب صدام حسين ومتى لا نضربه."!!
وفي ليبيا والسودان وإيران اتبع كلينتون سياسية الحصار الاقتصادي الجائر وإن كانت الأمور هناك لم تصل إلى الدرجة السالفة الذكر
كيف يتخذ قراره؟
وعن كيفية اتخاذه لقرار مهم يؤثر في الشئون السياسية على مسرح السياسية الخارجية يقول كلينتون: ".. كانت تحكمني عدة مبادئ في قراراتي الخارجية، منها : ما هي الأفكار التقليدية الخاصة بالمدى الذي تنطوي عليه المصلحة الأمريكية، وثاني هذه المبادئ هي طبيعة المشكلة نفسها، وكم عدد الأبرياء الذين سيموتون، وثالثها .. ما الشكل الذي سيكون عليه العالم والمنطقة بعد انتهاء المشكلة، ورابعها .. كنت أتساءل .. هل يمكننا أن نفعل شيئًا .. وما هو الثمن الذي سيكون على الولايات المتحدة أن تدفعه من الأرواح والأموال.. هل هناك آلية متعددة الجنسيات يمكن أن تخدم مصالحنا وتؤدي عنا الدور نفسه أم لا .. وما الذي يستطيع حلفاؤنا أن يقوموا به بأنفسهم .. ؟
دوره في القضية الفلسطينية
أما عن علاقة كلينتون بإسرائيل .. وانعكاس ذلك على العالم العربي والإسلامي، ففي عهده المنصرم .. شهدت الإدارة الأمريكية عدداً من الوزراء وكبار الموظفين والاستشاريين اليهود غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة .. وكان من الأسماء البارزة في هذا الصدد ..وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت ووزير الدفاع وليام كوهين.
وكذلك رتب كلينتون لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، واتخذت الإجراءات القانونية والمادية لذلك على أرض الواقع وفي انتظار الوقت المناسب لأن يعلن ذلك رسميًّا من يخلفه.
وكان من أخطر ما قام به كلينتون بالنسبة للقضية الفلسطينية هو نجاحه بالاشتراك مع النرويج في عقد سلسلة من جولات المفاوضات أسفرت في نهايتها عن توقيع اتفاق أوسلو الذي احتفل بتوقيعه في البيت الأبيض بواشنطن، وبناء على هذا الاتفاق اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، في مقابل اعتراف إسرائيل بها، والسماح لها بإقامة حكم ذاتي محدود في مناطق منزوعة السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبحت مرجعية المفاوضات الثنائية بديلاً عن مرجعية القرارات الدولية ( 194 و 181 و 242 و 338 ) منذ أوسلو حتى الآن.
اتفاقية وادي عربة
وفي الأردن نجح كلينتون في وساطته التي أدت إلى اتفاق الأردن وإسرائيل على توقيع ثاني معاهدة للسلام وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع ثاني دولة عربية بعد مصر، وشهدت منطقة وادي عربة احتفالاً لتوقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي تنص في طياتها على بنود أمنية وعسكرية وثقافية لم تأخذ حقها بعد من تسليط الأضواء عليها.
ولن تنسى الشعوب العربية زيارته لشرم الشيخ عقب سلسلة العمليات الاستشهادية التي نفذتها كتائب عز الدين القسَّام في عمق الأراضي الخاضعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهو المؤتمر الذي عرف بالمؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب. وفي هذا المنتجع السياحي الذي يقع على ساحل البحر الأحمر .. شارك كلينتون في هذه القمة، وحرص على مناقشة الاتفاقيات الأمنية التفصيلية التي يتضمنها هذا الاتفاق.
أما آخر الذكريات التي سيتركها كلينتون في الذاكرة العربية تلك المتعلقة بمقترحاته الجديدة للتسوية النهائية للقضية الفلسطينية، بعد أن مهد لها من قبل في قمة كامب ديفيد الثانية التي استمرت أسبوعين في سبتمبر 2000م الماضي، تلك المقترحات التي تقوم على منح الفلسطينيين سيادة على القشرة الخارجية من سطح أرض حرم المسجد الأقصى ومنح اليهود السيادة على باطن الأرض .. هذا في مقابل تنازل الفلسطينيين عن المطالبة بحق عودة أكثر من خمسة ملايين لاجئ تشردوا من ديارهم قبل خمسين عاماً في أكبر تهجير جماعي يشهده التاريخ البشري.
وبعد .. هل سيظل العرب يتذكرون تلك الأحداث الكثيرة التي حلت بهم في عهد كلينتون الذي سيرحل غير مأسوف عليه لفترة طويلة .. أم أنهم سيلعبون الدور نفسه في فصول المسرحية الهزلية التي لا تريد أن تنتهي منذ نكبة 1948 أو إن شئت الدقة فقل ضياع الخلافة 1924 وحتى الآن؟!.
|