|
هذه السطور تروي قصة مصداقية الشرعية الدولية التي يتعلق بها كثير من أصحاب القضايا والحقوق الوطنية، ولم يكن من الممكن كتابة السطور الأخيرة هنا إلا بعد أن ظهرت مؤخرًا وثائق المخابرات البلجيكية والأمريكية والأمم المتحدة في دراسة لعالم اجتماعي بلجيكي هو "لودو دي ويت" Ludo De Witte في كتاب "اغتيال لومومبا"، وهي الدراسة التي حركت البرلمان البلجيكي للتحقيق في هذه القضية، ولنبدأ القصة من جذورها:
البداية
تقع هذه القصة على أرض الكونغو، وقد اشتقت اسمها من نهر الكونغو، وهي تشغل الجزء الأكبر من حوضه، وقد وقعت هذه المنطقة تحت الاحتلال البلجيكي منذ عام 1878م، وذلك تحت ستار باسم "الجمعية الدولية الإفريقية"، وكان الغرض الظاهري منها "محاربة تجارة الرقيق، وتمدين إفريقيا".
وفي عام 1885م اعترف مؤتمر برلين بحق ملك بلجيكا الشخصي في تملك هذا الإقليم، الذي أصبح يعرف باسم ولاية الكونغو الحرة، وبدأت بلجيكا تعمل على تثبيت أقدامها بوسيلتين: الأولي المؤسسات التبشيرية التي سيطرت على الجانب الاجتماعي، والتعليم؛ لضمان خضوع البلاد، وعدم وجود كوادر من الوطنيين تستطيع تنمية البلاد من ناحية، ومن ناحية أخرى محاربة النفوذ الإسلامي المتغلغل في المنطقة، وهنا تأتي الوسيلة الثانية؛ حيث استخدمت بلجيكا أسلوب حرب الإبادة لوقف النفوذ الإسلامي، فعمدت إلى تدمير المحطات التجارية العربية والإسلامية، وارتكاب المذابح الجماعية للأهالي، وقد أدت هذه السياسة إلى هبوط عدد سكان الكونغو إلى نحو النصف خلال أربعين سنة.
وفي عام 1908م بدأت بلجيكا في تنظيم الإقليم، بحيث صار هناك إدارة حكومية للمنطقة، على رأسها حاكم يتبع وزارة المستعمرات البلجيكية في بروكسل، وقد كانت المصالح البلجيكية في الإقليم تصل إلى أكثر من 600 مليون فرنك بلجيكي في عام 1960، وترتكز المصالح على الماس والنحاس في منطقة "كاتانجا"، بالإضافة إلى الخشب والمطاط والبن في الغابات.
النشأة والأحلام
وفي هذا البلد ولد "باتريس إيمري لومومبا" في عام 1925 بقرية "كاتاتا كوركومبي" بإقليم كاساي، وتلقى التعليم الأَوَّلي بالمدارس التبشيرية، ثم التحق بمدرسة لتدريب عمال البريد في "ليوبولدفيل"، وفي السنة التاسعة عشرة من عمره عمل موظفًا للبريد بمدينة "ستانلي فيل"، وفي هذه الفترة عاش "لومومبا" أقسى صور الفصل العنصري بين السكان الأوربيين البيض وسكان البلاد الأصليين الزنوج، وبدأت مشاعر الوطنية تحركه، واستثمر حركته الطبيعية من خلال عمله، فعقد علاقات وثيقة مع القبائل الإفريقية المختلفة، وعمل على ربط الخيوط بين القوى الوطنية، وفي الوقت نفسه عمل على أن يدرس القانون والاقتصاد بنظام المراسلة، واستطاع اجتياز عدة دورات دراسية، ولكن القوى الاستعمارية رصدت هذا النجم الصاعد، ومن ثَمَّ عملت على تدبير تهمة سرقة له، وذلك بعد 11سنة من بدء تعيينه، وبالفعل يتم سجنه، وفي السجن يعاني أبشع أنواع الاضطهاد ضد المواطنين، وبعد خروجه يعمل في عدة أعمال تعينه على إعالة أسرته حتى أغسطس في عام 1958م.
وفي أغسطس عام 1958 تفرغ "لومومبا" للعمل السياسي، وقد كان مؤتمر "أكر" في ديسمبر عام 1958، الممهد لمنظمة الوحدة الإفريقية بمثابة أول ظهور لشخصيتيه على الساحة الإفريقية، وبعده مباشرة أسس حزب الحركة الوطنية الكونجولية، وذلك بعد سماع السلطات بالنشاط السياسي الوطني.
وكان الاستعمار البلجيكي يأمل أن يأتي من خلالها بأشخاص يحكمون البلاد من أبناء البلاد، ويكون ولاؤهم لبلجيكا، ولكن "لومومبا" حدد هدف حركة حزبه في الاستقلال والوحدة الوطنية، ورأس تحرير جريدة أطلق عليها اسم "الاستقلال"، وقام بالاتصال بعدة أطراف إقليمية ودولية؛ لتأييد حق بلاده في الاستثقال. وكعادة الاستعمار تجاه القيادات الوطنية تم اعتقاله في عام 1959م، وفي أثناء وجوده في السجن تعقد السلطات الانتخابات العامة، فيأتي السجين وحزبه بأعلى نسبة أصوات.
السياسة
يخرج من السجن إلى بلجيكا؛ ليشترك في مؤتمر المائدة المستديرة في "بروكسل"؛ لبحث مستقبل الكونغو، وفي 21 يونيو عام1960 يتم تعيينه أول رئيس وزراء وطني للكونغو، ويتم انتخاب "كازافوبو" رئيسًا للجمهورية، وفي يونيو عام 1960 يأتي ملك بلجيكا إلى الكونغو، وذلك لإعلان استقلال الكونغو، ويطالب الملك الوطنيين بعدم اتخاذ إجراءات متسرعة أو غير مدروسة، فيدمروا المدينة التي خلفها البلجكيين لهم، فيقوم لومومبا من مقعده. وبالرغم من أنه ليس له كلمة رسمية في الحفل، إلا أنه يتجه إلى المنصة متوجهًا لأبناء وطنه بالكلمة قائلاً: "أيها المناضلون من أجل الاستقلال، وأنتم اليوم منتصرون.. أتذكرون السخرة والعبودية التي فرضها علينا المستعمر، أتذكرون إهانتنا، وصفعنا طويلاً؛ لمجرد أننا زنوج في نظره، لقد استغلوا أرضنا، ونهبوا ثرواتنا، وكان ذلك بحجج قانونية؛ قانون وضعه الرجل الأبيض منحازًا انحيازًا كاملاً له.. ضد الرجل الأسود. لقد تعرضنا للرصاص والسجون، وذلك لمجرد أننا نسعى للحفاظ على كرامتنا كبشر". وبعد هذا الاجتماع مباشرة أصدر لمومومبا عدة قرارات؛ لإبعاد البلجيكيين عن إدارة شئون البلاد، وكان لا بد من وقف هذا الرجل، وقد أراد لمومومبا أن يمنع استغلال الاستعمار لأي جبهة وطنية، فجمع جميع القوى الوطنية في حكومته التي استمرت ثمانية أشهر، ولكن النفوس الضعيفة تظهر في مثل هذه المواقف، فيظهر "مويس تشومبي" (1919-1969م) الذي تربى في أحضان الاستعمار وعلى فتات موائدهم، فيعلن استقلال أغنى إقليم بالبلاد عن الحكومة المركزية، وهو إقليم كاتانجا، إقليم الماس والنحاس.
ويقوم تشومبي في 11 يوليو عام 1960م، بإعلان الحرب على حكومة لمومومبا، ولكن من أين له بجنود من وطنه؟ فتأتي له بلجيكا بالمرتزقة من أوروبا، ويطالب لمومومبا تدخل الأمم المتحدة لحماية استقلال البلاد ووحدة أراضيها، وليت لمومومبا ما فعل، إذ تبدأ الضغوط البلجيكية والأمريكية للحفاظ على مصالح الاستعمار في إفريقيا، ولكن لمومومبا لم يخضع للترغيب أو الترهيب. فجأةً يختفي لمومومبا في 17 يناير عام 1961م، وفجأة تظهر جثته مع جثث بعض أخلص رفاقه قتلى في كاتانجا في 5 فبراير، وتنتهي حياة الرجل، ويذهب الجميع إلى أن الخائن تشومبي هو الذي قام باختطافه وقتله، ولكن الوثائق الجديدة السابق التنويه عنها في بداية هذه السطور تضع شكلاً آخر للحادث، إذ تكشف الوثائق البلجيكية أن قتل لمومومبا تم بناء على خطة بلجيكية عرفت باسم خطة "باراكودا" وبدعم من المخابرات الأمريكية التي تكشف وثائقها رسائل "دالاس" إلى مندوب وكالة المخابرات الأمريكية بالمنطقة بضرورة التخلص من لومومبا، وأنه " يأتي على قمة الأولويات القصوى في عملنا".
ويظهر دور الشريك الثالث في المؤامرة؛ الأمم المتحدة، إذ تكشف سجلاتُها كل تعليماتِها برفع جميع أشكال الحماية عن لومومبا، وتكشف الوثائق المختلفة أن عملية الخطف تمت في 17 يناير 1961 وتم نقله، هو ورفاقه إلى مدينة "إليزابيث فيل" (لومومباشي حاليًا) وهناك تم تنفيذ عملية القتل في رئيس الوزراء ورفاقه في حضور مسئولين بلجيكيين، ومسئول المخابرات الأمريكية، ومسئولين من الأمم المتحدة منهم مساعد السكرتير العام للشئون السياسية "هايزنش ويشهوف"، ولكن ربك بالمرصاد، فقد زادت شهوة الخائن تشومبي؛ حيث طمع في حكم الكونغو، وذهب إليه جمع من السادة الدوليين، منهم "همرشولد" سكرتير عام الأمم المتحدة، وكثير ممن شاركوا في قتل لومومبا، فإذا بصديق الأمس يصير عدوهم، ويدبر حادثًا في نفس الإقليم "كاتانجا" لطائرتهم، ويلحق هذا الجمع جميعًا بلومومبا، وذلك في 18 سبامبر 1961، ويفوز الخائن على الجميع، ولكن متاع قليل؛ حيث يتم القبض عليه في الجزائر في عام 1968م، وتنتهي حياته في 30 يونيه 1969، وترفض بلاده دفنه في ترابها، فيدفن عند أسياده في بليجاز.
باحث في التاريخ
|